حين يُذكر اسم «ابن حميدو»، يتبادر إلى الأذهان الفيلم الكوميدي المصري الشهير الذي جسّده الفنان إسماعيل يس، لكن الحقيقة التاريخية تختلف تمامًا.
فالشخصية الحقيقية لـ«ابن حميدو» ليست خفيفة الظل كما صُوّرت في السينما، بل هو بطل عظيم من أبطال البحرية الجزائرية في العصر العثماني، فرض سيطرته على البحر المتوسط، وأجبر الدول الأوروبية، بل حتى الولايات المتحدة، على دفع إتاوات لعبور سفنها بأمان، لم تنل سيرته حظّها الكافي من الذكر، لكنه يظل واحدًا من أعظم القادة البحريين في التاريخ الإسلامي.

من هو ابن حميدو؟
ولد الريس حميدو، المعروف باسم «ابن حميدو»، عام 1770م في إحدى القرى الجزائرية. نشأ في أسرة بسيطة حيث كان والده خياطًا، لكنه لم يكن مولعًا بهذه الحرفة، بل شُغف بالبحر منذ صغره. التحق بالبحرية العثمانية وهو في الثالثة عشرة من عمره، وبرزت موهبته سريعًا، حتى أصبح أمير البحرية الجزائرية وهو في الخامسة والعشرين من عمره، وهو منصب كان يُمنح للأتراك عادة، لكن كفاءته الاستثنائية جعلته جديرًا به.
◄ إنجازات ابن حميدو البحرية
في وقت كانت أوروبا تعاني اضطرابات سياسية بسبب الثورة الفرنسية وصعود نابليون، استغل ابن حميدو هذه الفوضى ليقوي الأسطول الجزائري. بلغ عدد بحارته أكثر من 130 ألفًا، وكان لديه أسطول بحري قوي يضم سفنًا شهيرة مثل «رعب البحار» و«المحروسة». وصلت حملاته البحرية إلى المحيط الأطلسي واسكتلندا ردًا على الاعتداءات الأوروبية، خاصة بعد الحملة الفرنسية على مصر عام 1798م.
اقرأ أيضا| بلطي أم دينيس.. ما نوع السمكة التي كان يحملها «ابن حميدو»؟
◄ انتصاراته على الولايات المتحدة
بعد استقلال الولايات المتحدة عن بريطانيا عام 1783م، بدأت سفنها بالتجول في البحر المتوسط، متجاهلة سيطرة البحرية العثمانية. تصدى ابن حميدو لهذه السفن، فشن هجومًا ناجحًا وأسر 11 سفينة أمريكية، مما أجبر الولايات المتحدة على توقيع معاهدة عام 1795م، تدفع بموجبها 62 ألف دينار ذهبي سنويًا للجزائر لضمان عبور آمن. هذه المعاهدة كانت الوحيدة في تاريخ الولايات المتحدة التي كُتبت بلغة غير الإنجليزية.
◄ معركته الأخيرة واستشهاده
عندما تولى الرئيس الأمريكي توماس جيفرسون الحكم، رفض دفع الإتاوة، فصعّد ابن حميدو هجماته وأسر المزيد من السفن الأمريكية. ردّت الولايات المتحدة بإرسال أسطول عسكري بقيادة «كومودور دوكاتور» عام 1815م. نشبت معركة شرسة بين الأسطولين الجزائري والأمريكي، انتهت بمقتل ابن حميدو بعد إصابته بقذيفة مدفعية في 16 يونيو 1815م.
◄ إرثه وبصمته في التاريخ
بعد وفاته، أعلن الجزائريون الحداد عليه ثلاثة أيام، وأمّ الحاكم «الداي عمر باشا» صلاة الغائب على روحه. تخليدًا له، أُطلق اسمه على فرقاطة بحرية جزائرية حديثة، كما سُميت إحدى الضواحي في العاصمة الجزائرية باسمه، وأقيم له تمثال في ساحة الشهداء، ليظل اسمه خالدًا في سجل أبطال البحر.
ابن حميدو لم يكن مجرد بحّار شجاع، بل كان أسد البحر المتوسط الذي فرض هيبته على القوى العظمى، وسجل اسمه بحروف من ذهب في تاريخ البحرية الإسلامية.



«التلمذة الصناعية».. تصحيح مسار أم مغامرة محفوفة بالمخاطر؟
الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟







