شخصيات لا تنسى| ابن النيل «1-٢»

شكرى سرحان مع شادية فى مشهد من «اللص والكلاب»
شكرى سرحان مع شادية فى مشهد من «اللص والكلاب»


أعتذر لروحك يا عم شكرى على التفاهة والانحدار الأخلاقى الذى تفوه به تفاهة ممثل شاب ما زال يحبو فى مشوار التمثيل، وبادله الاستظراف السخيف زميل له على نفس المستوى عندما تناولا اسمك بالتقييم الساذج الغبى الفاضح لجهلهما بقيمة مَن تم اختياره من كبار النقاد فى احتفالية مئوية السينما المصرية، واختيار 16 فيلما قام ببطولتها هى الأفضل من بين أفضل 100 فيلم فى تاريخها، فهل مطلوب منا أن نذكر الجهلاء الصغار بروائع لن تتكرر كان بطلها المطلق من قبيل «رد قلبى - البوسطجى - قنديل أم هاشم - شباب امرأة - اللص والكلاب - الزوجة الثانية - النداهة - ليلة القبض على فاطمة - ابن النيل - ابن كليوباترا - قيس وليلى»؟ و1960 فيلما تركها خلفه و25 مسلسلا و5 مسرحيات، وعموما لا عتاب على من لا يعرف ولا يقرأ ولا يقدر قيمة الأستاذية والريادة، وهذا هو حال الأقزام دائما!! 

اقرأ أيضًا| حفيد شكري سرحان: لا متحدث رسمي للعائلة ونشأت في بيت يتسع لكافة الآراء

تعرفت على النجم الكبير شكرى سرحان لأول مرة عام 1979 عندما أسند لى أستاذى الكاتب الكبير إسماعيل يونس مدير تحرير جريدة «الأخبار» تحرير زاوية بعنوان «كل زملكاوى فنان» بمجلة «الزمالك» التى أسسها وترأس تحريرها، وصارحته وقتها أنى لا أعرف الجون من الأوت وعلاقتى بكرة القدم مثل علاقتى باللغة الصينية، فقال لى -رحمه الله- «أريدك ان تتصيد الفنانين الزملكاوية وتُجرى مع كل منهم حوارا حول ارتباطهم بنادى الزمالك وذكرياتهم معه»، فقلت له «أنا لا أعرفهم»، فكتب لى على ورقة رقم فضيلة الشيخ عبد الباسط عبد الصمد الذى أطلق عليه ساخرنا الأعظم أحمد رجب لقب «عبد الباسط براندلو»، وقال لى «سيعطيك الشيخ لِسْتة باسماء وارقام كل الشيوخ والفنانين والكتاب الزملكاوية»، وقد كان، وعندما اتصلت بالقدير شكرى سرحان وعرف غرض الاتصال رحب بى بشدة وقال لى إنه فى انتظارى فى منزله المواجه لسينما قصر النيل، وفى هذا اللقاء اكتشفت أنه عاشق لنادى الزمالك ومن أشد المتعصبين له، ولا انسى أنه قال لى «ما حدش يبات فى بيتى مش زملكاوى»، وبين أنه لم يكن يستطيع السيطرة على أعصابه فى اليوم الذى يلعب فيه الزمالك مباراة أمام أى فريق محلى أو أجنبى، ومن أجل مشاهدة المباراة من الملعب كان يعتذر عن التصوير فى اعمال مرتبط بها خاصة لو كان العمل مع المخرج صلاح أبو سيف الزملكاوى الصميم مثله، وكان على استعداد ان يخسر من يطعن فى ناديه أو يسخر من فريقه ولو على سبيل المزاح، فالزمالك عنده «مدرسة وفن وهندسة»، وفى مقابلتى الأولى معه أدركت أنه ابن بلد ريفى بسيط فى كل شيء، هو من فتح الباب بنفسه وذهب بى لغرفة استقبال الضيوف، وهو من أحضر لى مشروب الضيافة وقطعة جاتوه، إنسان ودود يدخل القلب بأدبه ورقته التى تجعلك تنسى أنك جالس مع النجم اللامع صاحب الشهرة العريضة، وتدرك من حديثه أنه قارئ جيد وعلى درجة كبيرة من الوعى والثقافة، جاد فى كل شيء ومع ذلك له ابتسامة مريحة ترتسم على وجهه الخجل عندما تكيل له المديح والثناء، لسانه لا يكف عن الحمد والشكر لله فهو شديد الإيمان بأن النجاح والتوفيق دائما من عند الله مهما كانت الموهبة، ويؤمن بأن الخالق سبحانه هو الذى يزرع حب الفنان فى قلوب جماهيره، وأشهد الله طوال معرفتى به لسنوات لم اسمع منه كلمة تسيء لزميل أو زميلة له، كان رحمه الله عف اللسان ويترفع عن الزلات التى يقع فيها الآخرون، وكم كان يحدثنى باحترام وتقدير عن جيل النجوم الكبار الذين سبقوا جيله، ولا ينسى ما لهم من فضل عليه ودَيْن فى رقبته، وشاهدته فى الاستديو وهو يتعامل مع شباب الفنانين والفنانات بحب ومودة وأبوة، وينقل لهم خبرة الفنان الذى تربع على عرش النجومية لخمسة عقود متواصلة. 

اقرأ أيضًا| يسري نصر الله: شكري سرحان أقنعني إنه ممثل في «عودة الابن الضال»

أردت فى السطور السابقة أن أقدم شهادة لما كان يحمله شكرى سرحان من أخلاق جعلته يتميز عن غيره من نجوم جيله، لدرجة أن الكثير من زملائه كانوا يتهمونه بالتزمت فيما يبديه من غضب وعصبية عندما يتعطل التصوير انتظارا لحضور ممثل لم يحترم موعده، لأنه تعلم من جيل الكبار معنى الالتزام، ومعنى أن يكون الفنان قدوة للآخرين، باختصار كان يرى أن الفن رسالة أكثر منه مهنة وشهرة ومالا ووجاهة وثراء، أذكر واقعة محددة تكشف عن ذلك عندما رشحه صديقه المخرج كمال حسين للقيام ببطولة مسرحية «حارة الفيل» وهى من تأليفى ويشاركه البطولة المعلم محمد رضا وفى اول بروفة قراءة للنص جلست فى مقابله الفنانة الشابة حياة قنديل زوجة منتج المسرحية الممثل فكرى أباظة شقيق العملاق رشدى أباظة، وكلما رفع شكرى رأسه عن النص وقعت عينه على البلوزة التى كانت ضيقه وزرارها الذى بالمنتصف مفتوح، فلفت شكرى نظرها بأدب ولباقة لغلق زرار البلوزة، احمر وجهها ولم تأخذ الملحوظة بجدية وتعللت بأن الجو حار وخانق، وقالت ما معناه إن المقاعد كثيرة على منضدة القراءة ويستطيع ان ينتقل لمقعد آخر اذا كان متضايقا من جلوسها فى مواجهته، تكهرب الجو واكفهر وجه شكرى سرحان، وانصرف غاضبا دون ان يلتفت لنداءات المخرج، أسرعت خلفه لكنه كان قد انطلق بسيارته إلى منزله، واتصل بالمسرح طالبا من الفنان فكرى أباظة ان يحضر إلى بيته أو يرسل من ينوب عنه لاستلام العربون الذى تقاضاه، وذهبت إليه فى اليوم التالى مع صديقه المخرج كمال حسين لنثنيه عن قرار انسحابه من المسرحية لكنه رفض مؤكدا أنه لن يستطيع العمل فى هذا المناخ ومع هذه الممثلة، أسقط فى يدنا وتمت الاستعانة بالفنان صلاح ذو الفقار ليلعب الدور بترشيح من شكرى نفسه.

لم يكن شكرى سرحان متزمتا فى حياته كما أشيع عنه، ولكنه كان صاحب مبادئ لا يقبل التفريط فيها مهما كانت الأسباب، وحاولت كثيرا أن أعرف منه اتجاهه السياسى ومع من يقف، وكان فى كل مرة يقول إنه مصرى ابن مصرى ينحاز لطبقة البسطاء، وكان يردد دائما أن مصر فوق الجميع، الأشخاص إلى زوال وهى الباقية، وبين لى أنه من مواليد 13 مايو 1925 فى أسرة متدينة بسيطة بإحدى قرى محافظة الشرقية، كان والده من القلة المتعلمة بالقرية لأنه خريج الأزهر الشريف ودرس بكلية دار العلوم وعمل مدرسا للغة العربية، كان الوالد يصحب معه شكرى إلى جامع القرية كل صباح لأداء صلاة الفجر، ثم ينطلق لحفظ القرآن فى كتاب الشيخ عبد العاطى فتشبعت نفسه بالإيمان منذ طفولته دون تعصب أو تطرف، أو حقد على أثرياء القرية، انتقل والده إلى القاهرة لكى يستكمل دراسته بكلية دار العلوم واختار أن يسكن فى حى السيدة بالقرب من المسجد الزينبى الكبير، ولم يجد شكرى فارقا بين أخلاق أهل القرية الذين تربى وسطهم وأخلاق حى السيدة الشعبى البسيط، وللناس فضل عليه بمعايشته لهم والتقاط خصائصهم التى اعانته فى تجسيد الشخصيات الريفية والشعبية التى اختزنها فى داخله، وكان يسعده وصف النقاد له بأنه رمز من رموز الأداء التلقائى، والغريب أن هناك من ادعى بعد رحيله أنه انقلب على ثورة 23 يوليو التى مجَّدها فى فيلم «رد قلبى» وفيلم «بورسعيد»، ولم يفصح صاحب الادعاء عن المصدر الذى نقل منه هذا الادعاء! ولا يعنى قيام شكرى ببطولة فيلم «زائر الفجر» عام 1973، أو فيلم «وراء الشمس» عام 1979 أنه انقلب على ثورة يوليو وقائدها !!

ويشهد الله أن شكرى سرحان الذى كان لا يكذب أبدا واخلاقه لا تسمح بالمناورة والتلون، أنه قال لى إنه قبِلَ فيلم «رد قلبى» باقتناع وعن طيب خاطر لأن الفيلم يتناول اسرة جناينى بسيط فى قصر الأمير واستطاع أن يعلم أبناءه ليلتحق احدهم بالشرطة والثانى بالجيش، وقال انه تفهَّم الابعاد التى قصدها الكاتب الضابط يوسف السباعى والمخرج الضابط عز الدين ذو الفقار، وأحس انه يقدم عملا وطنيا يثبت قدرة الطبقات الفقيرة على النهوض بالمجتمع فى ظل مناخ استبدادى من أسرة مالكة ومتحكمة فى كل شيء، ولم أسمع منه كلمة انتقاد لثورة 23 يوليو وضباطها الأحرار وقائدها جمال عبد الناصر الذى كان متواريا وراء اللواء محمد نجيب أول رئيس للجمهورية. وغدا نستكمل حكاية ذهاب الرئيس عبد الناصر وضباط الثورة لدار العرض لمشاهدة «رد قلبى» وما ناله شكرى سرحان من إشادات من الرئيس نفسه.