يعد الجامع القبلي أحد أهم المعالم الإسلامية في المسجد الأقصى المبارك، حيث يتربع في صدر الحرم القدسي من الجهة الجنوبية، مشيرًا إلى القبلة، يتميز بتاريخه العريق الذي يمتد لقرون، وتصميمه الهندسي الفريد الذي يجعله من أبرز المساجد الإسلامية.
تأثرت عمارة الجامع بأنماط إسلامية مختلفة، أبرزها الطراز الأموي، مما جعله قريبًا في تخطيطه من الجامع الأموي بدمشق. شهد الجامع عبر العصور العديد من الإضافات والتجديدات، بدءًا من الأمويين، ومرورًا بصلاح الدين الأيوبي، ووصولًا إلى فترات لاحقة، مما عزز مكانته كرمز ديني وحضاري في قلب مدينة القدس.
اقرأ أيضًا: حكايات| إنسان آلي وموسيقى مائية.. صفحات مجهولة من تاريخ الفن الإسلامي
الموقع والتخطيط المعماري للجامع القبلي

الموقع الجغرافي وأهميته
يقع الجامع القبلي في الجزء الجنوبي من المسجد الأقصى، ويعد المصلى الرئيسي في الحرم الشريف، حيث يتوجه إليه المصلون للصلاة. موقعه الاستراتيجي في صدر الأقصى جعله نقطة ارتكاز دينية ومعمارية مهمة، حيث يطل على ساحات الحرم الواسعة، ويجاور العديد من المعالم الإسلامية الأخرى، مثل قبة الصخرة والمصلى المرواني.
التصميم الهندسي والتقسيم الداخلي
يتميز الجامع القبلي بتصميمه المستطيل، الذي يبلغ طوله 80 مترًا وعرضه 55 مترًا، وهو مقسم إلى خمسة عشر رواقًا يتوسطها مجاز عمودي أكثر اتساعًا من الأروقة الجانبية. يتكون المسجد من ثلاثة وخمسين عمودًا من الرخام، بينها تسع وأربعون سارية مربعة مبنية من الحجارة، بارتفاع خمسة أمتار لكل منها. تعلو هذه الأعمدة والسواري أقواس حجرية، يبلغ اتساع كل منها تسعة أمتار، ما يمنح المسجد رحابته وجماله الهندسي الفريد.
السقف والقبة والتشابه مع الجامع الأموي
يعتمد سقف الجامع على نظام الجمالونات، حيث يغطي الممر الأوسط جمالون مرتفع، بينما تتعامد عليه جمالونات عرضية منخفضة نسبيًا. السقف الحالي ليس الأصلي، حيث كان ينبغي أن يكون مكونًا من جمالونات موازية للجمالون الأوسط بعدد بلاطات المسجد، بحيث لا تعيق فتحات مناور السقف الجانبية. يتشابه الجامع القبلي في تخطيطه مع الجامع الأموي بدمشق، خاصة من حيث شكل سقف المجاز العريض والقبة الكبيرة التي تعلو المحراب، ما يعكس التأثير الأموي في العمارة الإسلامية المبكرة.
الإضافات التاريخية والتجديدات المعمارية

الرواق الشمالي وإضافات الملك المعظم عيسى
عند دخول الجامع من الجهة الشمالية، يستقبل الزائر رواق كبير أنشأه الملك المعظم عيسى، صاحب دمشق، سنة 634 هـ. يتكون الرواق من سبع قناطر معقودة تمتد على ممشى يؤدي إلى سبعة أبواب، مما يعكس براعة التخطيط المعماري في توجيه المصلين نحو داخل المسجد بطريقة سلسة ومنظمة.
قبة ومحراب الجامع وتجديدات صلاح الدين الأيوبي
يتقدم محراب الجامع قبة كبيرة ترتكز على اثني عشر عمودًا رخاميًا، تتوزع في أربعة أركان متساوية. شهد المحراب تجديدًا هامًا في عهد صلاح الدين الأيوبي سنة 583 هـ، حيث زُخرف بالفسيفساء المذهبة، التي لا تزال تحافظ على نقوشها الأصلية، موثقة بكتابات ذهبية على أرضية زرقاء داكنة. كتب في المحراب نص التجديد الذي أمر به صلاح الدين، حيث جاء فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم، أمر بتجديد هذا المحراب المقدس وعمارة المسجد الأقصى الذي هو على التقوى مؤسس عبد الله ووليه يوسف بن أيوب أبو المظفر الملك الناصر صلاح الدنيا والدين عندما فتحه الله على يديه سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وهو يسأل الله دوام شكر هذه النعمة."
الزخارف والنقوش الإسلامية
يحيط بالمحراب شريط من الكتابات القرآنية، تتضمن آية الإسراء: "سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع العليم".
وكذلك آية أخرى من سورة الإسراء: "وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلاً" ، تعكس هذه النقوش قدسية المسجد الأقصى وعلاقته بالتاريخ الإسلامي والنبوي.
أبواب الجامع القبلي وتوزيع المداخل

تنوع الأبواب والمداخل
يتميز الجامع القبلي بعدد كبير من المداخل التي تسهل دخول وخروج المصلين، حيث يحتوي على 11 مدخلًا، تتوزع على النحو التالي:
* سبعة أبواب رئيسية في الواجهة الشمالية: تؤدي إلى بلاطات المسجد السبع، ويعلو الباب الرئيسي منها عقد ذو إطار مفصص.
* مدخل ثامن في الجدار الشرقي: يقع داخل حنية ضحلة، ويتميز أيضًا بعقد مفصص.
* مدخلان في الجدار الغربي: أحدهما مخصص لدخول النساء، ويؤدي إلى جامع النساء المجاور.
* مدخل أخير في الجدار الجنوبي: يفضي إلى زاوية صغيرة كانت تستخدم سابقًا كمدرسة.
أهمية الجامع القبلي الدينية والتاريخية
مكانته في العقيدة الإسلامية
يعد الجامع القبلي أحد أقدس المساجد في الإسلام، كونه جزءًا لا يتجزأ من المسجد الأقصى المبارك، الذي يُعتبر أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين. وقد صلى النبي محمد (ﷺ) في هذا المسجد خلال رحلة الإسراء والمعراج، مما أكسبه قدسية خاصة في وجدان المسلمين.
دوره في الحياة الدينية والثقافية
ظل الجامع القبلي عبر العصور مركزًا للعبادة والتدريس والعلم، حيث شهد حلقات علمية لمشاهير العلماء والفقهاء، خاصة خلال العصر الأيوبي والمملوكي. كما لعب دورًا محوريًا في مواجهة محاولات الاحتلال على مر التاريخ، وكان رمزًا لصمود المقدسيين وتمسكهم بأرضهم وهويتهم الإسلامية.
التحديات التي يواجهها الجامع القبلي اليوم
الاعتداءات والانتهاكات
يواجه الجامع القبلي تحديات مستمرة بسبب الانتهاكات التي يتعرض لها المسجد الأقصى، بما في ذلك محاولات تهويد المدينة المقدسة والتضييق على المصلين. تعد هذه الاعتداءات تهديدًا مباشرًا للهوية الإسلامية والتاريخية لهذا المعلم العريق.
الحاجة إلى الترميم والصيانة
بمرور الزمن، تعرض الجامع القبلي لعوامل التآكل والتلف، مما يتطلب جهودًا مستمرة للحفاظ عليه. هناك مبادرات لترميمه، تشمل إصلاح الزخارف وتجديد البنية التحتية للحفاظ على طابعه المعماري والتاريخي.
يعد الجامع القبلي بالحرم القدسي الشريف من أبرز المعالم الإسلامية، حيث يجمع بين الجمال المعماري والتاريخ العريق والقدسية الدينية.
يمثل هذا المسجد شاهدًا على الحضارة الإسلامية، وهو رمز للصمود والإيمان في قلب القدس. مع استمرار التحديات التي تواجهه، يظل الحفاظ عليه واجبًا دينيًا وتاريخيًا، لضمان بقائه شامخًا عبر الأجيال القادمة.

حكاية عمرها آلاف السنين.. كيف تحول "عيد بذر القمح" الفرعوني إلى طبق عاشوراء؟
حكاية القصر الذي شهد مجد صاحبه ونهايته المأساوية
"الخالدين".. حكاية مقابر تحولت إلى متحف مفتوح لتاريخ مصر





