■ كتب: حسن حافظ
لماذا لم يكرم الإسلام المرأة وجعلها فى مرتبة أدنى من الرجل؟ الإسلام دين ذكورى وطرح حقوق المرأة أرضًا فالأخيرة حقوقها محدودة فى الإسلام وغير متكافئة مع حقوق الرجل، فهناك تعدد الزوجات وفرض الحجاب وتوزيع الميراث الذي يتضمن تمييزًا صريحًا ضد المرأة، فالذكر يحصل على ضعف نصيب أخته الأنثى، وغيرها من الممارسات التى تؤكد أن الإسلام لم ينصف المرأة وأنه يميز ضدها لصالح الرجل، وأن الإسلام رمي المرأة بنقصان العقل والدين، وأنها أقل مرتبة من الرجل وأدنى منه مكانة.
هذه بعض الأفكار التى تتردد على الأسماع حين الهجوم على الإسلام من باب حقوق المرأة المسلمة، وأنها بلا حقوق وعليها الكثير من الواجبات، لكن البعض سيفاجأ عندما يعلم أن الإسلام الذى أنصف المرأة فى وقت كانت فى كثير من المجتمعات بلا حقوق بما فى ذلك حق التملك، بريء من الكثير من الأفكار التي نسبت إليه بسبب سيادة العرف القبلي وغلبة المجتمعات الذكورية التى فى كثير من الأحيان تعمدت مخالفة الأوامر الشرعية فى باب الميراث مثلًا، حيث تحرم النساء من حقهن الشرعي في الميراث.
◄ القرآن كرم المرأة وتعامل معها كإنسان كامل الأهلية وأقر حقوقها وواجباتها بشكل يحفظ كرامتها
◄ الفهم الصحيح للآيات القرآنية والأحاديث النبوية تقضى بأن المرأة كاملة الأهلية
◄ أحاديث الآحاد التى تتعارض مع صريح القرآن والسنة لا يصح قبولها مثل «ناقصات عقل»
◄ فقهاء مسلمون كالطبرى وابن حزم انتصروا لأهلية المرأة الكاملة ورفضوا انتقاصها
◄ الكثير من الأحاديث التى تنال من المرأة وتنتقص منها منحولة وانتشرت بسبب المزاج القبلى
◄ الممارسات الاجتماعية الظالمة للمرأة فى المواريث تستند للعرف وتخالف الشريعة

كثيرة هى القضايا المتعلقة بوضع المرأة فى الإسلام، ويختلط الأمر بين ما أقره الإسلام فى القرآن والسنة النبوية الصحيحة، عن أوضاع للمرأة، وبين التجربة التاريخية للمسلمين فى تعاملهم مع ملف المرأة، ومن هنا جاء الخلط، فالإسلام رفع من شأن المرأة فى وقت الرسالة المحمدية وخطابها باعتبارها إنسانًا كامل الأهلية وعليها نفس واجبات الرجل، وأقر لها بحق التملك والاشتراط فى الزواج وحق الطلاق عند استحالة العشرة، فضلًا عن تكريمها فى النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التى تحث على احترام حقوقها وضمان كرامتها فى جميع جوانب الحياة، فقد ساوى بين الجنسين فى التكاليف فى نص جامع مانع شامل، بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ «الأحزاب: 35».
لكن البعض فى تعامله مع ملف المرأة فى الإسلام، تجاوز ما تنص عليه آيات القرآن والأحاديث النبوية الصحيحة، واهتم بممارسة مسلمين على أرض الواقع لاتخاذ أفعالهم قرينة إدانة للإسلام كدين، وهو منهج مغلوط، فالشواهد التاريخية تقول إن الكثير من الممارسات المعادية للمرأة وحقوقها انطلقت أساسًا من مبدأ مخالفة الإسلام، فمنع المرأة ميراثها الشرعى أمر لا يقره الإسلام، لكنه موجود فى بعض مجتمعات المسلمين التى يحكمها العرف القبلي، وقس على ذلك فى مختلف الأمور، فالأزمة ليست فى النص بل فى الممارسات الاجتماعية التى تستند للعرف والعادات المجتمعية التى حذر منها الإسلام، ففى بعض المجتمعات الذكورية تم قهر المرأة وتجريدها من حقوقها بالمخالفة الواضحة لكل نصوص الإسلام، وهنا فإن الأزمة فى ملف حقوق المرأة ليست النصوص الإسلامية التى قدمت تصورًا واضحًا للمرأة وحقوقها المصانة، بل فى المجتمع ذاته الذى انحرف بعيدًا عن مبادئ الإسلام، بل وعمل على اختراع روايات مكذوبة ونسبتها إلى النبى صلى الله عليه وسلم لترويج أفعال احتقار المرأة وإقصائها.

◄ انحراف الفهم
وقد أشار عبدالكريم الخطيب إلى تلك المسألة فى كتابه (التفسير القرآني للقرآن)، بقوله بحدوث انحراف في فهم الآيات القرآنية التى وضعت المرأة فى مكانها الصحيح، إذ إن تفسير القرآن بدأ فى عصر كانت فيه المرأة قد أخذت وضعًا جائرًا فى المجتمع، لكثرة ما ازدحم في عصور الخلفاء والأمراء والوزراء وأصحاب الجاه والثراء- من الإماء، اللائي غلبن على الحرائر، واستأثرن بالنصيب الأوفر عند الرجال، وبهذا صرن الوجه البارز للمرأة فى هذا العصر، في حين أصبحت المرأة الحرة في بيت الرجل شيئًا كماليّا، لا يراد منه غير أن يكون للرجل امرأة، يكون له منها الولد أو الأولاد! وحين أخذ المفسرون ينظرون فى كتاب الله، وفى الآيات التي تمسّ المرأة، وتقرر الأحكام التى تربط بينها وبين الرجل، وتحدد مالها من حقوق وما عليها من واجبات- حينئذ كانت نظرة المفسرين إلى المرأة واقعة على هذه الصورة الشائهة لها، المعزولة عن الوضع الصحيح الذى أقامتها الشريعة عليه، ومن هنا كان تأويل آيات الكتاب الكريم واقعًا تحت هذا المفهوم الجديد للمرأة، متأثرًا به، مقدورًا بقدره! وجاء الفقهاء على آثار المفسّرين فنظروا من وراء نظرتهم، وبنوا أحكامهم على أساس تلك النظرة، فبخسوا المرأة حقّها وأزالوها عن تلك المنزلة التي رفعها الإسلام إليها، وأعادوها إلى أنزل من الوضع الذى كانت عليه فى الجاهلية».
◄ النصوص صريحة
ما يقوله الخطيب حقيقة واقعة، ونتفق معه فى قوله: «لو ذهبنا نأخذ شريعتنا من مصدرها الأول- الكتاب والسنة- لوجدنا أن كثيرًا من القضايا الهامة فى حياتنا التى جاءت إلينا باسم الدين، وصارت وجهًا من وجوهه، ومادة من مواد دستوره، لم تكن من الدين، وإنما وقعت من تأويلات، تحكّم فيها يومئذ واقع الحياة، وتحيف فيها المتأولون! إننا لو فعلنا هذا لأخرسنا تلك الألسنة التى ترمى الإسلام بالجمود والتخلف، وتحكم عليه بأنه دين الحياة القبلية، الذى لا يصلح لحياة المجتمع المتحضر، ولا يتفق والزىّ الذى يتزيا به إنسان القرن العشرين»، فالنصوص القرآنية صريحة فى التأكيد على الكرامة الإنسانية للمرأة، وهو خطاب فى زمن نزول آيات القرآن وقت البعثة النبوية، كان سابقًا على الواقع الذى كانت المرأة فيه محرومة من الكثير من الحقوق، وتتعرض لممارسات تحقر من شأنها فى مجتمع قبلى ذكوري، عمل البعض فيه على وأد الإناث لأنهن بزعمه يجلبن العار، فجاء الخطاب القرآنى من رب العالمين ليخاطب المرأة على قدم المساواة مع الرجل، ويكلفهما بأمور الدين على قدم المساواة، فيقول سبحانه فى الآية الأولى من سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾. فهذه الآية تؤكد أن الرجال والنساء خلقوا من نفس واحدة، وبالتالى هم متساوون فى الكرامة الإنسانية، وأن لا تفضيل إلا بالتقوى التى حددت الكثير من الأحاديث النبوية أنها معيار التفضيل الإلهي، فأكرم الناس عند الله هو أكثرهم تقوى يتساوى فى ذلك الذكر والأنثى.
◄ المساواة والميراث
الخطاب التكليفى فى القرآن الكريم ساوى تمامًا بين الرجل والمرأة، وهذا واضح فى الكثير من الآيات القرآنية، منها: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّى لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِى سَبِيلِى وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ «آل عمران: 195». وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ «النساء: 124»، وقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ «النحل: 97»، ويقول الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ «غافر: 40».
والمساواة مطلقة في المحاسبة ﴿فـلِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ «النساء: 32».
وفند الكثير من العلماء على مدار قرون طويلة وقبل الحداثة والعصر الحديث، ما أثير حول مسألة الميراث وأوضحوا أن الكثير من حالات الميراث تحصل فيها الأنثى على نصيب أكبر من الرجل، بل إن بعضهم فتح باب الوصية الواجبة لمن يريد أن يكتب جزءًا من ميراثه لبناته، وأن الغرض التشريعى من أن الأخ يحصل على ضعف نصيب أخته، هو أن الأمر مرتبط بالتشريع الإسلامى الكلى الذى كرم المرأة وجعل نفقتها دومًا إلزامية على أبيها ثم زوجها وأولادها، لذا فالأمر مرتبط بتصور كلى يقوم فيه الرجل بتحمل أعباء أكبر من المرأة، وهو أمر يساعد فى بناء نظام اجتماعى تكافلى قائم على الرحمة والمرحمة ورعاية أفراد المجتمع لبعضهم البعض، وليس فى ذلك أى انتقاص للمرأة بل على العكس هو تكريم لها، وما يؤكد ذلك أن الإسلام سواء فى القرآن الكريم أو الأحاديث النبوية الصحيحة، يقر صراحة بحرية المرأة فى التملك والتصرف فيما تملك، وهو حق لم تعرفه المرأة الأوروبية إلا فى العصر الحديث أى بعد أكثر من ألف سنة من إقرار الإسلام هذا الحق للمرأة المسلمة، أما التعدد فله ضوابط كثيرة فى الإسلام تجعله شبه مستحيل التحقق، لكن من اتبعوا الشهوات أخذوا بظاهر النص ولم يعملوا بتمامه، فشرط التعدد محكوم بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ «النساء: 3»، وهو قيد قرآنى غليظ لكن البعض يتساهل معه، فضلا عن الواقع الاجتماعى والضغوط الاقتصادية لا تسمح إلا بالارتباط بواحدة فى معظم الحالات.
◄ بدون مرجعية
إن الكثير من الممارسات الظالمة والمعادية للمرأة التى نراها فى مجتمعات المسلمين لا تستند إلى أى مرجعية دينية، بل على العكس هى تخالف صراحة نصوص القرآن صريحة الدلالة والأحاديث النبوية المختلفة التى تؤكد على حسن معاملة المرأة وحقوقها التى لا تمس، لكن البعض استند فى ممارساته التمييزية ضد المرأة إلى العرف الاجتماعى الذى يخالف فى بعض الحالات الشرع الحكيم، فالتضييق على المرأة فى حقوقها المفروضة شرعا، يأتى من ميراث قبائلى لا علاقة له بنصوص الدين نفسه، فالبعض لا يورث نساء العائلة البتة، وهو هنا يمارس مخالفة شرعية يجب أن تواجه بالشرح الواضح أن ما يجرى من ممارسات فى المجتمع هى ممارسات جاهلية قبلية لا أساس لها فى نصوص الإسلام الذى تعامل مع المرأة بمساواة مع الرجل فى الحقوق الدينية والاقتصادية وتعامل معها من نفس المنطلق الذى تعامل به مع الرجل، فلكل حقوق وعليه واجبات.
فالكثير مما نعتقده حول حقوق المرأة المسلمة فى الحقيقة يخضع للعرف والعوائد المجتمعية، فتولى المرأة للقضاء فى الإسلام بآراء كثير من الفقهاء الكبار، أمثال ابن جرير الطبرى (توفى سنة 310هـ/ 923م)، وهو صاحب مذهب فقهى ومفسر عظيم ومؤرخ كبير، الذى ذهب إلى جواز قضاء المرأة فى كل شيء، أى أن تتولى منصب القضاء فى كل أحكامه بدون استثناء، والبعض يستخدم بعض أخبار الآحاد لكى يغطى على مخالفاته الشرعية ضد النساء، وربما يكون النموذج الأشهر هو استخدام الحديث المنسوب إلى النبى والذى يصف النساء بأنهن «ناقصات عقل ودين»، فهى رواية آحاد ظنية الثبوت أى لا يمكن الجزم بنسبتها للنبى صلى الله عليه وسلم، لذا فهو ليس دليلًا، بل إنه يخالف الكثير من الآيات القرآنية التى تشترط صراحة اكتمال العقل فى المكلف سواء كان رجلًا أو امرأة، ولا اعتبار هنا لبعض الموانع الطبيعية للمرأة من الصيام والصلاة بسبب الحيض والولادة، لأن عليها التعويض فى أيام أخر، وهو نفس الأمر مع الرجل فى مبطلات الصوم مثل المرض والسفر.
◄ حقيقة النقص
وفند الإمام ابن حزم الظاهرى (توفى سنة 456هـ/ 1064م)، حديث (ناقصات عقل ودين)، ورفضه وبين تعارضه مع الكثير من أصول الدين، بل ألزم خصمه الحجة بقوله: «إن حملت هذا الحديث على ظاهره فيلزمك أن تقول إنك أتم عقلًا ودينًا من مريم وأم موسى وأم إسحاق، ومن عائشة وفاطمة، وإن تمادى على ذلك سقط الكلام معه ولم يبعد عن الكفر.
وإن قال: لا. سقط اعتراضه واعترف بأن من الرجال من هو أنقص دينًا وعقلًا من كثير من النساء». وحديثا جمع ناصر الألبانى مجموعة من الأحاديث الموضوعة التى تنتقص من أهلية المرأة فى كتابه (سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة)، نذكر منها: (لا تعلموهن الكتابة ولا تسكنوهن الغرف)، و(طاعة المرأة ندامة)، و(هلكت الرجال حين أطاعت النساء)، و(أعدى عدوك زوجتك)، وهى كلها أحاديث موضوعة ولا أساس لها فى صحيح علم الحديث.
وقد رد الدكتور عبد الله القيسي، الحاصل على دكتوراه فى أصول الفقه ومقاصد الشريعة، على المتمسكين بحديث النقصان لغرض فى النفوس، بقوله إن «هذه الرواية هى محاولة لتبرير أو تفسير مسألتين تتعلقان بالمرأة، (الشهادة والصلاة) ولو أنهم اكتفوا بنقاش المسألتين فقط، لكانت المسألة بسيطة، ولكن الجدل تطور حول المسألتين فذهب أحدهم ليؤطرهما بلفظ (نقص العقل والدين)، وهو إطار وتفسير خاطئ، لأن زيادة الاستيثاق بالشهادة فى موطن معين لا يعنى تعميمه على كل المواطن، فالإشهاد وليس الشهادة فى موطن لا تفهم فيه المرأة كثيراً، لا يعنى تعميمه على كل المواطن، ولذا وجدنا آيات أخرى تذكر الشهداء والشهادة بلفظ عام يشمل المرأة والرجل، ولو كانت مرتبطة بأصل المرأة لاطردت فى كل المواطن، ومسألة التفريق بين الاستشهاد والشهادة مهمة جدا ويغفلها الكثير، وسيأتى نقاشها.
◄ إسقاط التكليف
ومسألة إسقاط التكليف عن المرأة فى موطن معين لا يعنى نقصاً فى الدين، لأن صاحب الشرع هو من أسقطه عنها، وهذا الإسقاط ليس خاصاً بها، بل هناك تكاليف تسقط عن الرجل وعن الطفل فى ظرف معين، وهناك رخص وهناك تيسيرات وغيرها، وكل هذا لا يعتبر نقصاً فى الدين، بل الدين كامل عند كل من أسقط الله عنه سبحانه تكليفاً من التكاليف بعذر ما. وهذه الرواية وأخواتها من الروايات التى جاءت فى المرأة كرواية (المرأة خلقت من ضلع أعوج)، و(الصلاة لا يقطعها إلا الحمار والمرأة والكلب الأسود) و(رأيت أكثر أهل النار من النساء) و(ديتها نصف دية الرجل) و(لو رضى الله عن أحدكم أصلح له دابته وامرأته) وغيرها، إما أنها مختلقة موضوعة، أو نزعت من سياقها ورويت بألفاظ مختلفة عن أصلها، فظهرت بهذه الصورة المخالفة لقيم وأحكام القرآن الكريم».
ويتابع القيسى فى دراسته: «ومن يتعمق فى دراسة سبب ذلك يجد أن للثقافة اليهودية أثراً فى ذلك، إذ هى تنظر إلى المرأة على أنها كانت السبب فى إغواء آدم وإخراجه من جنته، ولذا بنوا على ذلك أشياء كثيرة تحتقر المرأة، منها نظرتهم لحيضها على أنه عقوبة لذلك الذنب، وهذا يجعلها فى وقت حيضها نجسة معزولة عن الحياة، وهذه الثقافة رغم مخالفتها لديننا إلا أنها أثرت نوعاً ما فى ثقافتنا، وأظن أنها كانت الجذور الأولى فى التأثير فى الخطاب الإسلامى المتشدد نحو المرأة. تسربت هذه الثقافة بلا شعور منا عبر الثقافة اليهودية التى أدخلها من أسلم من اليهود وكان إسلام بعضهم فيه شك، وللأسف فإن بعض هذه الثقافة قد تسربت إلينا فصارت روايات تنسب -زورا- إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، برغم أن من يتأمل شخصية المرأة فى القرآن وشخصيتها فى هدى النبى عليه السلام الذى استمده من الكتاب يجد غير ما ينسب إليه، وأولى لنا أن ننزهه مما نسب إليه زوراً من أن ندافع عن تلك المرويات الظنية التى تخالف ما هو أقوى منها».
◄ نماذج تاريخية
يدعم هذا الرأى التجربة التاريخية التى تنصف المرأة فالكثير من الدراسات الحديثة كشفت تمتع المرأة المسلمة بالكثير من الحقوق ووصلت إلى أعلى المناصب، فهناك شجر الدر التى تولت سلطنة مصر، والسيدة الحرة الملكة أروى التى حكمت اليمن كله وكانت أول حاكمة فى تاريخ المسلمين، كما حكمت السلطانة رضية سلطنة دلهى فى الهند، فضلًا عن دور المرأة فى انتقال المعرفة الدينية، فمعروف الدور التاريخى لأم المؤمنين السيدة عائشة رضى الله عنها، فى نقل الكثير من الأحاديث النبوية بحكم ملازمتها لزوجها النبى صلى الله عليه وسلم، وقدر أرخ كتاب أسماء سيد (المرأة ونقل المعرفة الدينية فى الإسلام)، لدور المرأة فى نقل المعرفة الدينية، كما أن حضور المرأة واستخدامها لحقوقها التى أقرها الإسلام من حرية البيع والشراء والاشتراط على الزوج فى عقد الزواج، نجدها بوضوح فى أوراق البردى التى وجدت فى مصر ومن ضمنها العديد من عقود الزواج، وقد تناول هذه المسألة بالدراسة يوسف رابوبورت فى كتابه (الزواج والمال والطلاق فى المجتمع الإسلامى فى العصور الوسطى). فالإسلام كرم المرأة وحفظ حقوقها ووضعها على قدم المساواة مع الرجل، لكن الأزمة فى أفهام الناس التى تريد أن تنتصر لميراث القبيلة، وهو أمر يجب التصدى له بالاستناد إلى الفهم الصحيح للقرآن والسنة الصحيحة.
«آخرساعة» تكشف تفاصيل رحلة السادات إلى حيفا عام 1979
أرض الفيروز بعيون أهلها .. عيد التحرير.. سيناء تنتصر بالتنمية
اللواء خالد مجاور محافظ شمال سيناء: زمن الإرهاب انتهى.. ونخوض معركة العبور الاقتصادى







