فى القاهرة، قمة انعقدت لكى تعتمد خطة مصرية، تهدف إلى إعادة إعمار قطاع غزة دون تهجير سكانه، وخلال القمة، تحدث الرئيس السيسى عن السلام القائم على الحق والعدل، وعن وقوف مصر مع الحق دومًا مهما كانت الظروف.
لو شئت الحديث عن الحسابات السياسية، فالحقيقة أن القيادة المصرية تسير عكس اتجاه الكثير من الحسابات السياسية انتصارًا للحق والمبادئ، فهى تقول «لا» لخطة تدعمها قوى كبرى، وتقدم خطة بديلة تحشد لها كل التأييد الممكن، من أجل الحفاظ على القضية الفلسطينية.
قبل القمة بأيام، تحدث يائير لابيد رئيس الوزراء الإسرائيلى السابق، وزعيم المعارضة الحالي، عن خطة تدير مصر خلالها قطاع غزة، وتتولى مسئولية ضبط الأمن لمدة تتراوح من 8 لـ15 عامًا، مقابل إسقاط ديونها الخارجية!
العرض «المعلن» الذى وجهه يائير لابيد، تبلغ قيمته المالية نحو 155 مليار دولار (ديون مصر حاليًا)، فما بالك بما تم عرضه سرًا وفى الغرف المغلقة طوال 16 شهرًا؟
فى أكتوبر 2023، وبعد أيام فقط من المهزلة التى جرت فى السابع من أكتوبر دون حساب العواقب، وقف رئيس مصر فى مؤتمر صحفى مع المستشار الألمانى أولاف شولتس، ليعلن بوضوح عن رفض مصر أى طرح يستهدف التهجير، وما فُهم من سياق الحديث وقتها أن ثمة عرض ما قُدم للرئيس خلال المباحثات، وكان الرد بالرفض القاطع الحاد، والحاسم.
من أكتوبر 2023 وحتى مارس 2024، عاشت مصر وفقًا لأرقام المؤشرات الاقتصادية أسوأ شهور أزمة النقد الأجنبي، والتى بدأت حدتها تخف تدريجيًا بعد الإعلان عن صفقة رأس الحكمة والتدفقات الدولارية التى جاءت لاحقًا.
خلال تلك الأشهر، كان الحديث عن التهجير وعن العروض المقدمة لمصر لتحفيزها على قبوله، علنى فى الإعلام الإسرائيلى وأحيانًا غير الإسرائيلي.
فى أسوأ 6 أشهر، واصلت مصر رفضها لكل ما تم طرحه، رغم أن قبول أى عرض كان يعنى نهاية فورية لأزمة النقد الأجنبي، وانخفاضًا سريعًا جدًا للتضخم، فضلًا عن عدم اللجوء لمزيد من التعويم كما حدث فى مارس، وهى أمور بالحسابات السياسية تصب فى مصلحة النظام السياسى واستقراره.
لكن مصر، قيادة وشعبًا، رفضت ولا تزال وستظل، أى مساس بأرضها مهما كانت الضغوط أو الإغراءات، ومصر، بذلت ولا تزال وستظل جهودًا هائلة لكى تحافظ على القضية الفلسطينية من التصفية استغلالًا لحماقة ارتُكبت دون أى فهم أو إدراك أو حساب للعواقب.. هو انتصار للمبادئ، وهى رغبة فى بلوغ السلام القائم على الحق والعدل، حتى ولو كان العالم يُسحق بين ثنائية الحمق والتطرف، لأن التاريخ -ولو بعد حين- سيذكر من تمسك بالمبادئ وناضل من أجلها، وسيتحدث طويلًا عن دولة مارست بمنتهى الحكمة سياسة تستهدف السلام، ولم تكتف بالحديث عنه كشعار يزين سياسات هى أبعد ما تكون عن السلام.
توثيق الخطوات المصرية واجب علينا جميعًا، فهناك أجيال ستأتى لكى تبحث بين سطور ما نكتبه عن الحقيقة، فعلينا أن نسهل تلك المهمة، وأن نخبرهم بكل الطرق أن فى هذا الزمن شرفاء حقيقيين.

اتفاق مبدئى!
فى غزة.. الوقت من دم
إيمان راشد تكتب: ميزان العدل






