اتصلت به وعرفته بنفسى طالبًا موعدًا لحوار طويل لمجلة «المسرح» التى كان يترؤسها د.رشاد رشدى، فجاءنى صوته المميز باعتذارلأنه مشغول ومرهق، ووعدنى بأنه سوف يتصل بى على رقم الجريدة لنلتقى، سألنى الناقد الكبير عبد الفتاح البارودى مدير تحرير المجلة عن الحوار فأخبرته بما جرى، فصرخ فى وجهى «الأستاذ زكى لا يتصل بأحد، طارده حتى تلتقى به»، وكان الزميل رؤوف عبده فنان الكاريكاتير العائد من العمل بدولة الكويت حاضرًا، فقال «اتصل به وقل له إنك «جحش» صغير ويشرفك أن تلتقى بالحمار الكبير»، أمتقع وجهى وحسبت أن رؤوف يريد أن يوقعنى فى مقلب من مقالبه، فأوضح لى أن «جمعية الحمير» هى مفتاح زكى طليمات، وأمن على كلامه الأستاذ البارودى عندما قال إن طليمات أسس فى ثلاثينيات القرن الماضى أول جمعية خيرية باسم «جمعية الحمير» وكانت تضم د.طه حسين وعباس محمود العقاد وتوفيق الحكيم وانضم لها فيما بعد المخرج السيد بدير وفتوح نشاطى ونادية لطفى والساخر أحمد رجب وآخرون ورفضت حكومة النحاس باشا فى البداية أن تسجلها بهذا الاسم الغريب، وقال رؤوف عبده «وأنا منهم .. ولم أصل بعد لرتبة حمار» لأن لكل عضو رتبة حسب مدة خدمته فى نشاط الجمعية التى تعمل فى تقديم العلاج المجانى لغير القادرين ولهم مساهمات جليلة مع المستشفيات والمراكز الصحية التى يتم مدها بالأجهزة والمستلزمات الطبية، وتوفير فرص عمل للعاطلين وتقديم مساعدات مالية وملابس للمحتاجين!!
بحثت فى أرشيف الصحف والمجلات القديمة عن «جمعية الحمير» وذهلت مما قرأت عنها وعلمت أن هذه الجمعية بدأت كنوع من التحدى للقصر الملكى وسلطات الاحتلال فى ذلك الوقت، عندما أوعز الإنجليز للملك فؤاد بإغلاق المعهد العربى للتمثيل الذى تحول فيما بعد للمعهد العالى للفنون المسرحية الذى أنشأه زكى طليمات بهدف إيجاد حركة مسرحية عربية مصرية خالصة لا تقوم على ترجمة أو اقتباس الروايات والمسرحيات الغربية فقط، واختار زكى طليمات مع شكرى راغب مدير دار الأوبرا الملكية فى ذلك الوقت شعار «الحمار»، باعتباره الحيوان الأكثر قدرة على التحمل ليكون اسم جمعيتهم الجديدة فى مواصلة النضال من أجل إنشاء المسرح المصرى العربى الذى يريدونه، وبعدها تفرع نشاط الجمعية للدفاع عن «الحمير» التى يتم معاملتها معاملة سيئة، وتفرع النشاط بعد ذلك للعمل الخيرى، وجمع التبرعات لنشاط الجمعية الجزئى فى المجال الطبى وتقديم العلاج المجانى للمرضى غير القادرين، وقدمت الجمعية مساعدات لعدد من المستشفيات الأميرية المتخصصة بالأجهزة الطبية والأدوية، وتوفير فرص العمل للعاطلين، وتقديم المساعدات المالية والملابس للمحتاجين، واشتهرت الجمعية بشكل أكبر فى فترة الثمانينيات مع تزايد نشاطها الخيرى وأخذت تعطى رتبا ودرجات لأعضائها حسب فترة عضويتهم ودرجة تأثيرهم ونشاطهم الخيرى، وتتدرج هذه الرتب من «الجحش» إلى «الحمار الصغير» ثم «الحمار الكبير»، وكل رتبة «حمار» تتضمن رتبا داخلها مثل «حمار لجام» الذى يترقى إلى «حمار ببردعة» ، وهو الفراش الذى يوضع على ظهر الحمار قبل ركوبه، ثم «حمار حدوة»، ثم «حمار كبير»، أما رؤساء الجمعية فى المدن المصرية، وخارج مصر فيطلق عليهم لقب «كبير الحمير»، أما رئيس الجمعية فيحمل لقب أو رتبة «الحمار الأكبر» وحصل على هذا اللقب كل من زكى طليمات، وتوفيق الحكيم، ونادية لطفى، ووزير الصحة المصرى الأسبق محمود محفوظ!

اقرأ أيضًا | يسرا اللوزى: أتصدى للتحرش بـ «لام شمسية».. وتاج تواجه الشياطين
وما أريد أن أصل إليه أن الراحل الجميل رؤوف عبده كان لماحا فى معرفة مفتاح زكى طليمات الذى ما إن أخبرته أننى «جحش» صغير بجمعية «الحمير»، بادر على الفور بتحديد موعد ألتقيه فيه ببيته، وكان الرجل وقتها يعانى بالفعل من متاعب الشيخوخة الصحية، ودار الحوار عن المسرح وأزماته وذكريات الماضى، ونضاله المستميت فى تأسيس الحركة المسرحية المصرية والعربية القائمة على العلم، ومصادماته مع المسئولين عن الثقافة والتربية الذين عرقلوا تأسيس المعهد العربى للتمثيل، وعدائه الراقى ليوسف وهبى بك، وذكرياته مع نجيب الريحانى وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وروز اليوسف التى تزوجها بعد الفنان محمد عبد القدوس، وقابلته فى اليوم التالى لاستكمال ما توقفنا عنده من الحوار، لكنه أهدانى نسخة من مجموعة ملازم تم جمعها لكتاب كان يستعد لإصداره بعنوان «ذكريات ووجوه»، وطلب منى أن أعيدها له فى اليوم التالى بعد أن أحصل منها على ما أريد من إجابات قد تدور فى رأسى.
الأوراق التى سهرت على تفريغها صدرت فى كتاب بنفس العنوان عام 1982، وانتقيت منها ما يجيب عن الأسئلة التى كنت أريد أن أوجهها له، وتعمدت اختيار ما تحمله من حكايات طريفة جمعته بكبار نجوم عصره الذهبى، ومن بينها حكايته مع فيلسوف الكوميديا نجيب الريحانى الذى صعد بالمسرح التجارى من خلال فرقته إلى عنان السماء من خلال المنافسة الساخنة جدًا مع بربرى مصر الوحيد على الكسار، ولم تستطع الفرق الجادة التى تمثلها فرقة جورج أبيض وسلامة حجازى ويوسف وهبى الصمود فى وجه الريحانى والكسار، ولم يصدق زكى طليمات العائد من بعثته الدراسية بالخارج تلك المعادلات التى عصفت بالمسرح الجاد باعتباره واحدًا من رجاله، فظل يكتب مع لفيف من الكتاب والأدباء والفنانين المقالات العنيفة التى تهاجم بضراوة نجيب الريحانى وهزليات كشكش بك و»فرانكو اراب» على الكسار، ونشر هذه المقالات دفع بالريحانى إلى التعاقد مع هذه الصحف لنشر إعلانات مسرحياته لتتوقف عن نشر المقالات التى تهاجمه، ونجحت خطة الريحانى، فطبع زكى طليمات مقالاته فى صيغة منشورات واستأجر من يوزعها على الناس بشارع عماد الدين ولصقها على جدران مسرح الريحانى أثناء الليل، فتولدت الكراهية بين زكى طليمات ونجيب الريحانى الذى لم يكن قد رأى طليمات من قبل أو التقى به إنما كان يعرفه من اسمه الذى يوقع به تلك المنشورات، إلى أن حدثت المقابلة بينهما بالصدفة فى عام 1922 فى مقهى «فينكس» الذى يقع على بعد مائة متر من مسرح الريحانى، وما كادت مراسم التعارف تجرى بينهما على يد صديق حتى بادره الريحانى قائلا «بأه حضرتك .. فلان؟» ، فرد طليمات بكل تعالٍ « أيوه يا أستاذ فلان .. «فبادره الريحانى بغيظ «هى إيه الحكاية بينى وبينك، أكونش اتجوزت الست والدتك؟»، فقال طليمات ساخرًا «يا ريت!» ، فبادره الريحانى «أنا قلت فى نفسى جايز تكون ممثل كحيان .. أو موظف بيغير ريقه على طبق ملوخية؟!
وبنفس السخرية رد عليه طليمات «يا ريت»! فقال الريحانى «أومال نازل فينا طحن ليه؟»، فقال طليمات ببرود «مزاج»! فبادره الريحانى «ومزاج ايه العكر ده .. حضرتك فتوة؟»، قال طليمات بتحفز «عند اللزوم»! ضحك الريحانى وهو يعيد السؤال عن الحقد الذى يكنه له طليمات، فأجابه «أنت بتشتغل فى التمثيل عشان تعمل فلوس»، رد الريحانى «عايزنى اشتغل فى التمثيل والحس صوابعى؟» ، فكان الرد «انت بتضحك على الناس» ! فرد الريحانى «طب ما تعملوا زيى»، فقال طليمات «ما نقدرش نعمل التهجيص بتاعك»!
العبارة كانت قاسية لكن الريحانى تلقاها بضحكة مدوية يخالطها الكثير من الإشفاق فانبرى يتكلم والعرق يتصبب من جبينه وهو يمسحه بمنديل بين يديه قائلا: «انتم بتقدموا فى رواياتكم نابليون ولويس وبلاد تأكل القطط وتركب الأفيال، انا بقدم دقدق وسيد وحلويات وشلبية، الجمهور يريد أن يكون غذاؤه الذى يتناوله مثل المسرح الشعبى الذى يجد نفسه فيه، عايزين الجمهور يحبكم يا بتوع المسرح الجاد، وزعوا عليه قواميس وجربوا، وخلوا الممثلين بتوعكم ما يبالغوش فى مط الكلام والصراخ والتجعير»، احس طليمات بأن الريحانى هزمه بالضربة القاضية فهب واقفا لينصرف لكن الريحانى ناوله المنديل الذى كان يجفف به عرقه قائلا «استنى، المنديل بتاعك الظاهر خدته من جيبك وانا مش واخد بالى، عرقى وعرقك فى منديل واحد، يبقى ها يجى يوم نحب فيه بعض»، ونستكمل غدًا بقية تفاصيل الحكاية.
ميرنا جميل:«الكراش»عن قدرة المشاعر على تجاوز الاختلافات
شيكو:محمد إمام يعشق التفاصيل ومشاهد الأكشن هى الأصعب
«عاشور» «نوال» «روبى» «رامى» أبرز النجوم





