تُعد قبة الصخرة أحد أروع المعالم الإسلامية وأكثرها قدسية، إذ تتوسط الحرم القدسي الشريف في مدينة القدس، وتشكل تحفة معمارية فريدة من نوعها.
ترجع أهميتها الدينية إلى ارتباطها الوثيق بحادثة الإسراء والمعراج، حيث يعتقد المسلمون أن النبي محمد ﷺ عُرج به إلى السماء من فوق هذه الصخرة المباركة، كما يعتقد البعض أن النبي إبراهيم عليه السلام عزم على التضحية بابنه إسماعيل عليها، وهو ما يزيد من مكانتها الروحية والتاريخية، نقلا عن موقع "islamicart.museumwnf".
ووفقا للموقع يعود الفضل في بناء قبة الصخرة إلى الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، الذي أمر بإنشائها بين عامي 69هـ (688م) و72هـ (691م)، وقد تم تخصيص خراج مصر لمدة سبع سنوات لإنجاز هذا الصرح المعماري المهيب، الذي استُعين في بنائه بأمهر الحرفيين والفنانين من الشام.
تعد القبة اليوم رمزًا خالدًا للهوية الإسلامية والعربية في القدس، حيث يتجلى فيها الإبداع الفني والتقني للحضارة الإسلامية في أوج ازدهارها.

كشف الصخرة وبداية الاهتمام بها
ووفقا للموقع حينما دخل الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه القدس بعد فتحها عام 15هـ (636م)، وجد أن الصخرة كانت مطمورة بالأتربة نتيجة إهمالها لفترة طويلة. وبإحساسه العميق بقدسية هذا المكان، شرع في تنظيفها بنفسه، إذ أمسك بطرف ثوبه، وملأه ترابًا، وألقاه في وادي جهنم المجاور، ليكون بذلك أول من أعاد للصخرة مكانتها بعد الفتح الإسلامي.
بناء قبة الصخرة في العصر الأموي
* دوافع البناء بين الروايات التاريخية
في العصر الأموي، قرر الخليفة عبد الملك بن مروان بناء قبة الصخرة على هذه البقعة المقدسة، لتكون تحفة معمارية لا تضاهى، تعكس عظمة الإسلام وتنافس المباني المسيحية الضخمة في القدس، مثل كنيسة القيامة.
وقد تعددت التفسيرات حول الهدف الأساسي من هذا البناء، حيث انقسم المؤرخون إلى فريقين:
* الرأي الأول: يرى بعض المؤرخين، مثل اليعقوبي، أن عبد الملك بن مروان أراد تحويل أنظار المسلمين عن الكعبة في مكة، التي كانت خاضعة آنذاك لحكم عبد الله بن الزبير، حتى لا يضطر الحجاج السوريون لمبايعته. ويُقال إنه حاول إقناع المسلمين بأن الصخرة المباركة يمكن أن تكون بديلًا للكعبة المشرفة.
* الرأي الثاني: وهو الرأي الأكثر قبولًا لدى المؤرخين المسلمين، ويدعمه المقدسي وعبد القادر الريحاوي، إذ يشير إلى أن الدافع الحقيقي وراء بناء قبة الصخرة هو حماية الصخرة المقدسة من عوامل الطقس، وإقامة مبنى معماري ينافس العمائر المسيحية في القدس، بحيث يكون رمزًا معماريًا إسلاميًا خالدًا.
ووفقا للموقع أيد العديد من الباحثين هذا التفسير، مؤكدين أن عبد الملك بن مروان لم يكن ليمنع المسلمين من الحج، خاصة أنه كان من كبار التابعين، المشهود لهم بالعلم والصلاح، مما ينفي عنه أي نوايا سياسية في بناء هذا الصرح العظيم.
اقرأ أيضًا| المباني الإسلامية| تعرف على تاريخ قبة «الصخرة»

تصميم قبة الصخرة.. تحفة معمارية إسلامية
يُعد تصميم قبة الصخرة من أروع ما أبدعته الهندسة المعمارية الإسلامية، حيث يجمع بين الجمال الفني والدقة الهندسية، وقد استعان الخليفة عبد الملك في تشييدها بأمهر الصناع من أهل الشام، الذين أتقنوا فنون البناء والزخرفة.
أهم مكونات المبنى
1- القبة الذهبية:
ووفقا للموقع تعد القبة من أبرز معالم البناء، حيث ترتفع حوالي 35 مترًا فوق الصخرة المقدسة.
يبلغ قطرها حوالي 20.44 مترًا، وهي مصنوعة من الخشب المغطى بألواح نحاسية مذهبة، ما يمنحها مظهرًا براقًا يخطف الأنظار.
2- التخطيط المثمن:
تتكون القبة من تصميم مثمن الأضلاع، تحيط به أربعة مداخل رئيسية، مما يعكس الدقة الهندسية والتناسق البصري.

3- الأعمدة الرخامية:
ووفقا للموقع تدعم القبة أربعة أعمدة ضخمة، محاطة بـ 12 عمودًا رخاميًا، مما يخلق إحساسًا بالاتساع والرهبة عند دخول المبنى.
4- الزخارف والفسيفساء:
يتميز المبنى بزخارف إسلامية فريدة، حيث استخدمت الفسيفساء الملونة لتمثيل أنماط نباتية وهندسية معقدة.
تظهر آيات قرآنية من سورة الإسراء على إطارات القبة، في إشارة إلى أهمية الصخرة ورحلة الإسراء والمعراج.
5- البلاط الأزرق العثماني:
في العهد العثماني، تمت إضافة بلاط أزرق مذهل يغطي الجدران الخارجية، ليعطي المبنى طابعًا فريدًا يزيده جمالًا وهيبة.

** مكانة قبة الصخرة في الإسلام
تحظى قبة الصخرة بمكانة عظيمة في قلوب المسلمين، نظرًا لارتباطها بأهم حدثين دينيين في التاريخ الإسلامي:
1- الإسراء والمعراج:
يعتقد المسلمون أن النبي محمد ﷺ قد صعد إلى السماء من فوق هذه الصخرة المباركة، بعد أن أسرى به الله من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى.
2- أهمية القدس:
تُعد القدس أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، مما يجعل قبة الصخرة جزءًا أساسيًا من الإرث الإسلامي في المدينة المقدسة.

** قبة الصخرة عبر العصور الإسلامية
على مر العصور، شهدت قبة الصخرة عمليات ترميم وتجديد للحفاظ على مكانتها، وكان من أبرز هذه المحطات:
1- العهد العباسي:
أُجريت بعض الترميمات البسيطة، للحفاظ على المبنى من التلف.
2- العهد الفاطمي:
أُعيد بناء القبة بعد أن تعرضت لأضرار بفعل الزلازل.
3- العهد الأيوبي:
أمر صلاح الدين الأيوبي بإزالة الزخارف الذهبية البيزنطية التي أضافها الصليبيون، وأعادها إلى هويتها الإسلامية الأصلية.
4- العهد العثماني:
قام السلطان سليمان القانوني بتجديد الزخارف الخارجية وإضافة البلاط الأزرق الذي يميز القبة حتى يومنا هذا.
5- العصر الحديث:
تم تجديد القبة أكثر من مرة، وأعيد تذهيبها بالكامل عام 1993، بمبادرة من العاهل الأردني الملك الحسين بن طلال.

قبة الصخرة.. رمز للصمود والهوية الإسلامية
رغم محاولات الاحتلال الإسرائيلي لتهويد القدس، تظل قبة الصخرة رمزًا للصمود الإسلامي في وجه التحديات، فقد حاول الاحتلال مرارًا السيطرة على الحرم القدسي، إلا أن المسلمين لا يزالون متمسكين بحقهم التاريخي في الحفاظ على هذا الإرث العظيم.
قبة الصخرة ليست مجرد تحفة معمارية، بل هي شاهد على التاريخ الإسلامي والهوية المقدسية. منذ بنائها في العصر الأموي، ظلت هذه القبة منارة للحضارة الإسلامية ورمزًا للقداسة والجمال، وبفضل عبقرية الهندسة الإسلامية، استطاع هذا الصرح أن يصمد عبر القرون، محافظًا على بريقه ومكانته الروحية.
وفي ظل التحديات الحالية، تبقى قبة الصخرة أحد أهم رموز النضال الفلسطيني والهوية الإسلامية في القدس، لتذكر العالم أجمع بأحقية المسلمين في هذه الأرض المباركة.

«ساقية تونة الجبل» .. حكاية أقدم وأضخم خزان مياه في مصر
مسلة إسطنبول.. حكاية أثر مصري هاجر من الكرنك إلى قلب الإمبراطورية البيزنطية
أصوات من الماضي.. ذاكرة الشعب على شرائط كاسيت







