شخصيات لا تنسى| ملح الأرض وحلوها «٢ - ٢»

عزت العلايلى مع محمود المليجى فى فيلم «الأرض»
عزت العلايلى مع محمود المليجى فى فيلم «الأرض»


تحدثنا أمس عن تطور الوعى السياسى والاجتماعى عند الفنان عزت العلايلى فى أواخر الأربعينيات وبدايات الخمسينيات ، ووجد نفسه - كما قال لى - مرتبطاً بثورة 23 يوليو 1952 التى جاءت كانتفاضة - من وجهة نظره - لتحقيق أحلام الشعب والقضاء على التفاوت الطبقى الذى رصده منذ طفولته ، وحباً فى الثورة ظهر لأول مرة فى السينما من خلال فيلم « يسقط الاستعمار» الذى قام ببطولته الفنان حسين صدقي، وظهر العلايلى فى دور صغير جداً ضمن من يهتفون بعبارة «الجلاء التام أو الموت الزؤام» ، والتحق عزت للعمل بوظيفة صراف فى إحدى المصالح لرعاية أسرته بعد رحيل والده المفاجئ والتحق للدراسة المسائية بالمعهد العالى للتمثيل العربى عام 1955 لكى لا تتعارض مواعيد الدراسة مع عمله الصباحى الذى لا يستطيع الاستغناء عنه ، ومن غرائب الأمور أن الموظف البيروقراطى المسئول عن تلقى طلبات الالتحاق بالمعهد كاد أن يحرمنا من موهبة عزت العلايلى عندما رفض قبول أوراقه بحجة أنه تأخر عن الموعد المحدد للتقديم، وقال لى عزت: إنه فكرمن يأسه فى تمزيق أوراق التقديم ، وتشاء الصدفة البحتة أن يظهر فى طريقه ممدوح أباظة عميد المعهد فناشده بأن يقبل أوراقه بتأثر شديد ، ولولا تفهم العميد للموقف لكان مسارعزت العلايلى قد تغير بالكامل ، وتتلمذ العلايلى على يد فتوح نشاطى ونبيل الألفى وعبد الرحيم الزرقانى ود. محمد مندور ود. لويس عوض ، وتوسم الجميع فيه ما ينتظره من مستقبل باهر فى عالم النجومية ، إذ كان عزت فى هذه الفترة شديد الاعتداد بنفسه حتى فى الأدوار الصغيرة التى كان يسندها له أساتذته أثناء فترة الدراسة ، ومن الغريب أنه فور تخرجه لم تتح له الظروف الالتحاق بالفرقة القومية مما دفع به للعمل بفرقة يوسف وهبى التى أعاد تشكيلها من جديد عام 1960 لتصوير تراثه وتسويقه للتليفزيونات العربية ، وبعد شهرين من عمله بتلك الفرقة ومشاركته فى مسرحيتى « راسبوتين - والدفاع « ترك عزت الفرقة اعتراضاً على ديكتاتورية نجمها الأول وصاحبها يوسف وهبى بك ، واتجه مباشرة للتليفزيون عندما علم بحاجة التليفزيون لخريجى معهد التمثيل ، وعمل مديراً للاستديو الذى كانت تترأسه تماضر توفيق ، وبعد ستة أشهر بدأ مرحلة الكتابة والإخراج التليفزيونى وظهراسمه على برنامج « رحلة اليوم « وتوالى إخراج عددٍ من البرامج  وكان من بينها: « الفن الشعبى - صحتك - عالم الحيوان - رسالة».

اقرأ أيضًا| لهذا السبب.. عزت العلايلي يتصدر التريند

■ ■ ■

أدرك العلايلى أن هناك صراعاً بين سياسات وزير الثقافة ثروت عكاشة ووزير الإعلام د. عبد القادر حاتم ، فتقدم مع زميله الفنان رشوان توفيق بمشروع يُرضى طموح د. حاتم عن طريق إعداد بعض مسرحيات شكسبير وموليير لتصويرها وعرضها من خلال التليفزيون ، وأعُجب الوزير بالفكرة التى كانت نواة لفرق  التليفزيون المسرحية  لكى تنافس فرق وزارة الثقافة المسرحية ، وحققت فرق التليفزيون نهضة مسرحية غير مسبوقة عندما أشرف عليها السيد بدير ، وولدت من خلالها نجومية  عزت العلايلى ككاتب ومخرج وممثل برع فى مسرحية «شيء فى صدري» وجسد بعدها شخصية الشيخ يوسف فى مسرحية «الأرض « التى شارك فى بطولتها فى السينما بشخصية «عبد الهادي» التى صنعت نجوميته على يد يوسف شاهين ، وقبل ذلك أعد مسرحية « ثورة قرية « عن قصة « ثورة فلاح « لأمير الصحافة محمد التابعى التى أخرجها حسين كمال  ، وعمل مساعد مخرج عندما حول رواية « بعد الغروب « للكاتب محمد عبد الحليم عبد الله لمسرحية بنفس الاسم ،  وانتقل من مرحلة الإعداد لمرحلة التأليف عندما كتب مسرحية «الطوفان» بتشجيع من السيد بدير، وأكد لى ذات مرة أنه شارك فى كتابة سيناريو فيلم «الاختيار»  مع يوسف شاهين عندما أعجبته قصة «يوم الحساب» لنجيب محفوظ ، وكان من المقرر أن العلايلى يقوم بإخراج الفيلم ويقوم يوسف شاهين ببطولته، لكن يوسف تردد ورشح للعلايلى رشدى أباظة للقيام بالدور ، كان وقتها رشدى مشغولاً فى تصوير أكثر من فيلم فعاد يوسف ليرشح له عبد الحليم حافظ للقيام بالدور، واعتذر « العندليب» لخلو الفيلم من الصبغة الغنائية ، وانتهى الموقف بقيام عزت ببطولة الفيلم الذى أخرجه يوسف شاهين وكأن الظروف كانت ضد أن يقف عزت خلف الكاميرا ويقف أمامه يوسف شاهين ممثلاً !! 

اقرأ أيضًا| حكايات كولومبو| كواليس اعتقال عزت العلايلي واتهامه في مخطط اغتيال

■ ■ ■

احتراف العلايلى للتأليف والإعداد يكشف عن دقة اختيار أدواره بدقة وبما يختزنه فى داخله من خلفية ثقافية تجعله يؤمن بأن مصر فرعونية الجد وعربية الأب وآمن بالفكر العروبى القومى الذى جسد به الفيلم السورى «عملية فدائية « والفيلم اللبنانى « بيروت يا بيروت « لفيلم « القادسية « المشترك بين مصر والعراق وشاركته بطولته: سعاد حسنى وأخرجه صلاح أبو سيف ، واعتزاز عزت العلايلى بمصريته وعروبته هو ما دفع به لإنتاج فيلم «لا « الذى أسُند إخراجه للمخرج الجزائرى أحمد راشد ، ولكن حسن فؤاد رحل قبل استكمال السيناريو فتوقف المشروع ، وقام قبلها العلايلى ببطولة فيلم «الطاحونة « الجزائرى مع المخرج أحمد راشد ، وقام ببطولة الفيلم المغربى «سأكتب اسمك على الرمال» للمخرج عبد الله المصباحى ، وكل هذا يثبت أن عزت العلايلى من أكثر نجوم السينما الذين تعاملوا مع العديد من جهات الإنتاج العربية ، وهو من أشد المؤمنين بأهمية التفاعل بين الفنانين والمثقفين العرب ، لطرح همومهم وقضايا الأمة برؤى فنية مشتركة على اعتبار أن الفن هو الذى يوحد الشعوب.

ويعجبنى فى النجم الكبير عزت العلايلى أنه كان - رحمه الله - من أهم الفنانين الذين لديهم  رصيد ثقافى وسياسى ووعى بفاعلية الدور الذى يلعبه ، ويدرك العلاقة التفاعلية بين الفن والمجتمع ، وينحاز دائماً لتجسيد شخصية المواطن المصرى والعربى البسيط بسماته الأصيلة ، ولا يهوى تقديم الشخصيات الأجنبية المتفرنجة التى لا تتفق مع ملامح وجهه ، وكان على وعى بما وهبه الله من تكوين جسمانى فى طول القامة التى فرضت عليه انتقاء الشخوص المناسبة لهذا التكوين حتى يتعايش معها بصدق ويصل بها إلى الناس بإقناع شديد ، وكان يميل دائماً للشخصية النقية المناضلة التى تدافع عن حقوق الآخرين بما تحمله من قيم أخلاقية وجمالية ، ولم يغير تلك المفاهيم منذ أن التقطه المخرج حسن الإمام عام 1964 لتجسيد دور طالب الحقوق الوطنى القائد للمسيرات الشبابية فى فيلم «بين القصرين « الذى أدى فيه 7 مشاهد متناثرة ، واستطاع العلايلى أن يسرق عين المتفرج بجسده الفارع وحركته المدروسة التى جسد بها 9 مشاهد فقط فى فيلم «الجاسوس»مع المخرج نيازى مصطفى سرق بها الكاميرا من النجوم الكبار لتمكنه من الإحاطة بشخصية ضابط المخابرات الذى يشارك فى عملية ضبط شبكة جاسوسية تعمل لحساب إسرائيل !! .

■ ■ ■

تنوعت وتيرة العزف عند عزت العلايلى فى سيمفونيات الأداء التى قدمها طوال مشواره مع كبار المخرجين فى الخمسينيات والستينيات والمخرجين الشبان فى نهاية السبعينيات والثمانينيات ، وكان فى أفضل حالاته مع صلاح أبو سيف ويوسف شاهين الذى اتفق معهما كثيراً فى الرؤى، وتألق مع حسين كمال وخيرى بشارة وتوفيق صالح  وهنرى بركات ، وكان ذكياً فى تنويع أعماله السينمائية والمسرحية بتنوع كل مرحلة زمنية لعب فيها أدوار أهل القمة وأدوار أهل القاع ، فهو فى أدوار أهل القمة يبحث عن حقوق الغلابة وحقوق الوطن ، وفى أدوار أهل القاع يجسد معاناة البسطاء وهمومهم وحقهم فى الحصول على الحياة الكريمة ،  ومنحه هذا التنوع البقاء على مقعد متميز بين كبار النجوم  بصدق المعايشة الذى جلب له الجوائز وشهادات التقدير فى العديد من المهرجانات السينمائية والمسرحية المحلية والعربية ، وتقديراً لقامته وقيمته اختارته المهرجانات السينمائية عضواً ورئيساً بلجان التحكيم ، وشرفت بمشاركته فى عضوية لجنة تحكيم الدورة الخامسة بالمهرجان القومى للمسرح ، واتفقنا واختلفنا فى هذه اللجنة التى كان يترأسها والخلاف لم يفسد بيننا الود والصداقة والمحبة ، رحم الله النجم الكبير عزت العلايلى الذى سيظل خارج دائرة النسيان ، وغداً نلتقى مع شخصية أخرى لا تُنسى .