يُعد سبيل قايتباي في الحرم القدسي الشريف أحد أبرز المعالم التاريخية الإسلامية التي تعكس روعة العمارة المملوكية في القدس.
بني هذا السبيل في القرن الخامس عشر بأمر من السلطان المملوكي الملك الأشرف قايتباي ليكون منبعًا للمياه العذبة في قلب المسجد الأقصى، حيث وُضِع أمام باب ميضأة الرجال (المطهرة) لتوفير المياه اللازمة للوضوء، وكان يُعرف أيضًا بـ"سبيل السلطان قايتباي".

يتميّز هذا السبيل بضخامته وجماله الهندسي، حيث يضم نقوشًا وزخارف مملوكية غاية في الإبداع، فضلًا عن قبته الفريدة التي تميزه عن غيره من الأسبلة. ورغم مرور العصور المختلفة، لا يزال هذا السبيل شاهدًا على التاريخ الغني للحرم القدسي ودوره المهم في حياة المسلمين والزائرين على مرّ العصور.
لكن كيف نشأت الحكايات حول سبيل قايتباي؟ ولماذا ارتبط في أذهان الناس بأساطير وقصص مدهشة؟ وكيف تطوّر السبيل بين الماضي والحاضر؟ هذا ما سنستعرضه في التقرير التالي.
اقرأ أيضا| حكايات |«مآذن القاهرة في رمضان» منارات الروح والتاريخ

** أصل الحكايات والأساطير حول سبيل قايتباي
عبر الزمن، نسج الناس العديد من الحكايات حول سبيل قايتباي، بعضها استند إلى حقائق تاريخية، وبعضها الآخر ارتبط بالخرافات والأساطير الشعبية. ومن أشهر هذه الحكايات:
1. أسطورة الماء المبارك
تروي بعض الروايات الشعبية أن الماء الذي كان يتدفق من سبيل قايتباي يحمل بركة خاصة، وأنه كان يُعتقد بأنه يعالج بعض الأمراض ويمنح القوة والنشاط لمن يشرب منه. وقد ارتبط هذا الاعتقاد بالتقديس العام لمياه الحرم القدسي الشريف.
2. حكاية البئر السرية
يعتقد بعض المؤرخين أن هناك بئرًا قديمة مخفية تحت السبيل، يقال إنها متصلة بشبكة مياه سرية تمتد إلى أماكن أخرى داخل الحرم القدسي. وكان يُعتقد أن هذه المياه تأتي مباشرة من "عين سلوان"، مما أضفى على السبيل هالةً من التقديس.

3. حكاية السلطان والرؤيا
تقول إحدى الروايات الشعبية إن السلطان قايتباي رأى في منامه نورًا عظيمًا يخرج من موقع السبيل، مما دفعه إلى اختيار هذا المكان تحديدًا لبنائه، ليكون منبعًا للخير والبركة.
4. السبيل الذي لا يجفّ
كان البعض يؤمن بأن الماء في سبيل قايتباي لا ينضب أبدًا، مهما مرّ عليه الزمن، في إشارة إلى عناية الله بالحرم القدسي وحفظه من الجفاف، وهو اعتقاد يعكس إيمان الناس العميق بأهمية المكان وقدسيته.
** السبيل بين الماضي والحاضر: تاريخ وإرث معماري خالد
1. تاريخ إنشاء السبيل
شُيد سبيل قايتباي عام 889هـ / 1482م في عهد السلطان الأشرف قايتباي، أحد أقوى سلاطين المماليك. وكان الهدف الأساسي من إنشائه توفير المياه للوضوء للمصلين في المسجد الأقصى، خاصةً أن الحرم الشريف كان دائم الازدحام بالمصلين والزوار.
يعد السبيل جزءًا من مشاريع السلطان قايتباي العمرانية في القدس، حيث شملت جهوده ترميم بعض معالم الحرم القدسي، وتعزيز البنية التحتية للمياه فيه. وقد أُعيد بناء السبيل أكثر من مرة للحفاظ على استمرارية تدفق المياه فيه، خصوصًا خلال الفترات العثمانية وما بعدها.

2. التصميم المعماري الفريد
يتميز سبيل قايتباي بتصميم معماري مملوكي بديع، حيث يتكون من:
قبة مثمنة الشكل، تغطي البناء وتُزين بزخارف هندسية بديعة.
كتابات ونقوش قرآنية تحيط بجدرانه، تؤكد على الطابع الديني والوظيفة المقدسة للسبيل.
أعمدة رخامية وأحجار مزخرفة تحمل الطابع المملوكي المميز.
محراب صغير في إحدى زواياه، يُعتقد أنه كان يُستخدم للصلاة والدعاء.

يُعتبر هذا السبيل من أروع الأسبلة الإسلامية، ليس فقط في القدس، بل في العالم الإسلامي كله، نظرًا لدقة تصميمه وجمال زخرفته.
3. حالة السبيل اليوم والمحاولات الإسرائيلية لطمس هويته
على الرغم من مرور أكثر من خمسة قرون على إنشائه، لا يزال سبيل قايتباي قائمًا في ساحة الحرم القدسي، لكنه يواجه اليوم تهديدات متعددة بسبب محاولات الاحتلال الإسرائيلي لطمس المعالم الإسلامية في القدس.
تم استهداف السبيل خلال محاولات الاحتلال لتغيير معالم الحرم القدسي، حيث تعرض لأعمال تخريب جزئية.
تم تقييد استخدام السبيل، إذ مُنع المسلمون أحيانًا من الوصول إليه خلال فترات التوتر السياسي.
تمت إزالة بعض النقوش الإسلامية في محاولة لتغيير طابعه الإسلامي، لكن الجهود الفلسطينية لا تزال قائمة للحفاظ عليه.
رغم هذه التحديات، يظل السبيل رمزًا للصمود والهوية الإسلامية في القدس، حيث تسعى الأوقاف الإسلامية والجهات المعنية لترميمه والحفاظ عليه كجزء لا يتجزأ من المسجد الأقصى.
اقرأ أيضا| «سبيل نفيسة البيضاء».. تحفة عثمانية في قلب القاهرة التاريخية

** دور الأسبلة في الحضارة الإسلامية وأهميتها في المجتمع
كان إنشاء الأسبلة تقليدًا معماريًا وإنسانيًا هامًا في الحضارة الإسلامية، حيث لم يكن دورها مقتصرًا على توفير المياه فقط، بل كانت تعكس روح التكافل الاجتماعي في المدن الإسلامية.
1. الأسبلة كأوقاف خيرية
كان الحكام والسلاطين يحرصون على إنشاء الأسبلة كأوقاف خيرية لتوفير الماء للمحتاجين والمارة والمصلين، وكان هذا يُعتبر من أعظم أعمال البر والإحسان.
2. السبيل كعنصر معماري فني
لم تكن الأسبلة مجرد منشآت وظيفية، بل كانت تحفًا معمارية مبهرة، حيث زخرفها المهندسون بالنقوش والآيات القرآنية والخطوط العربية الجميلة.
3. ارتباط الأسبلة بالحياة الاجتماعية والدينية
كانت الأسبلة تُعد أماكن لقاء وتجمّع، حيث يجتمع الناس حولها، ويتبادلون الأخبار، مما جعلها جزءًا من الحياة الاجتماعية والثقافية للمدينة الإسلامية.
في هذا السياق، يظل سبيل قايتباي أحد أعظم الأسبلة في التاريخ الإسلامي، ليس فقط بسبب تصميمه المعماري الفريد، ولكن أيضًا بسبب دوره الديني والاجتماعي في خدمة المسجد الأقصى ومُرتاديه.

يعد سبيل قايتباي في الحرم القدسي الشريف شاهدًا حيًا على عظمة العمارة الإسلامية وأهمية الأسبلة في التاريخ الإسلامي. على الرغم من مرور أكثر من 500 عام على إنشائه، لا يزال السبيل يحمل عبق التاريخ وروح الوقف الإسلامي، ويستمر في أداء دوره في خدمة المصلين في المسجد الأقصى.
في ظل التحديات التي يواجهها المعلم اليوم، يبقى الحفاظ عليه واجبًا على جميع المسلمين، كجزء لا يتجزأ من التراث الإسلامي والهوية المقدسية. وبين الماضي والحاضر، يظل سبيل قايتباي رمزًا للأصالة والصمود في قلب القدس الشريف.

"الخالدين".. حكاية مقابر تحولت إلى متحف مفتوح لتاريخ مصر
أوتار الحضارة الخالدة.. رحلة الموسيقى والإبداع عبر آلاف السنين
ليس بالبناء وحده عاش الفراعنة.. حكاية "منيو" الحياة اليومية بمصر القديمة





