التناقض بين الرئيس ومؤسسات بلاده يؤكد أن القاهرة حليف أساسي

العلاقات الاستراتيجية بين مصر وأمريكا أكبر من «ترامب»

الرئيس السيسي ونظيره الأميركي دونالد ترامب
الرئيس السيسي ونظيره الأميركي دونالد ترامب


تُعد العلاقات المصرية الأمريكية واحدة من أكثر العلاقات تعقيدًا وتشابكًا فى منطقة الشرق الأوسط، حيث تستند إلى تاريخ طويل من التعاون الاستراتيجي والمصالح المتبادلة، لكنها فى الوقت ذاته تمر بفترات من التوتر والخلافات، خاصة عندما يتعلق الأمر بالقضايا الإقليمية الحساسة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. فقد لعبت مصر، لعقود طويلة، دورًا محوريًا فى دعم القضية الفلسطينية، سواء من خلال الجهود الدبلوماسية والسياسية، أو عبر دورها كوسيط فى محاولات تحقيق التهدئة بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل.

■ الرئيس السيسي يستقبل عدد من لجان الكونجرس الأمريكي

في السنوات الأخيرة، شهدت العلاقات بين القاهرة وواشنطن محطات من التوافق والتباين، حيث تحرص مصر على الحفاظ على شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، لاسيما في المجالات العسكرية والاقتصادية، لكنها في الوقت نفسه لا تتردد فى اتخاذ مواقف مستقلة وحازمة حين يتعلق الأمر بأمنها القومى أو الثوابت الوطنية التى تتبناها فى سياستها الخارجية، وقد برز هذا التوجه بوضوح فى الموقف المصرى الصارم من مقترح تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة إلى سيناء، وهو المقترح الذى أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طرحه ضمن رؤيته لحل القضية الفلسطينية

◄ اقرأ أيضًا | ترامب يأمر بإنهاء اتفاقية النفط مع فنزويلا

◄ قرار مستقل

ورغم أن مصر ترتبط بعلاقات قوية مع الولايات المتحدة، إلا أن ذلك لا يعنى أنها على استعداد للتنازل عن سيادتها أو مصالحها القومية تحت أى ظرف، فقد دأبت القيادة المصرية على تبنى نهج متوازن فى علاقتها مع واشنطن، يقوم على الحفاظ على التعاون المشترك مع تأكيد الاستقلالية فى القرارات السيادية، وهذا ما جعل الموقف المصرى فى هذه الأزمة حاسمًا، حيث رفضت القاهرة بشدة أى محاولات لفرض واقع جديد على حسابها، وأكدت أنها لن تقبل أن تكون طرفًا فى مخطط يؤدى إلى تصفية القضية الفلسطينية، وتعتبر مصر أن أى محاولة لتوطين الفلسطينيين داخل أراضيها، بما فى ذلك سيناء، تمثل انتهاكًا لسيادتها الوطنية، وترفض القاهرة أيضًا فكرة التهجير إلى سيناء لأنها تتعارض مع الأسس التى تقوم عليها القضية الفلسطينية، فإذا تم نقل الفلسطينيين إلى سيناء، فإن ذلك قد يُعتبر بمثابة إلغاء لحق العودة الذى يعد من الثوابت الفلسطينية، كما أن تهجير الفلسطينيين إلى سيناء لا يقتصر تأثيره على مصر فقط، بل قد يكون له انعكاسات واسعة على المنطقة ككل، إذ يُمكن أن يؤدى إلى خلق خلل أمنى جديد فى المنطقة، الذى قد تستغله جماعات متطرفة أو إرهابية، علاوة على ذلك، قد يتسبب هذا المخطط فى تدهور العلاقات المصرية - الفلسطينية، فمصر، التى لطالما كانت داعمًا رئيسيًا للقضية الفلسطينية، قد تجد نفسها فى موقف صعب إذا قبلت بهذا المخطط، حيث سيُنظر إليها على أنها تساهم فى إضفاء الطابع الدائم على لجوء الفلسطينيين، وبالتالى تحميلها مسئولية الأزمة الفلسطينية.

■ لقاء سابق بين الرئيس السيسي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب

◄ المخاوف

أثار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جدلاً واسعا خلال الأيام الماضية بشأن تلويحه بوقف المساعدات إلى مصر والأردن إذا لم تستقبلا اللاجئين الفلسطينيين بموجب خطة التهجير المزعومة لديه، لكن فى الوقت ذاته كانت اللقاءات المهمة التى عقدها وزير الخارجية السفير بدر عبدالعاطى مع نظيره الأمريكي ماركو روبيو، وعدد من أعضاء الكونجرس الذين تبادلوا الزيارات مؤخرا إلى مصر بجانب استقرار العلاقات على المستوى العسكرى مع البنتاجون جميعها صبت فى صالح التأكيد على أهمية ومتانة العلاقات الثنائية بين البلدين بخاصة أنها دخلت نطاق الشراكة الاستراتيجية.

وأبلغ وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطى نظيره الأمريكي ماركو روبيو فى واشنطن، بتأييد الدول العربية للفلسطينيين فى رفضهم خطة ترامب لتهجيرهم من غزة والسيطرة على القطاع، وكذلك استقبل الأسبوع الماضى وفدا من مجلس النواب الأمريكي.

وأشاد الوزير عبد العاطي بالتفاعل النشط بين مصر والكونجرس، وأثنى على الدور الذى لعبته الإدارة الأمريكية الحالية فى التوصل لاتفاق وقف النار فى غزة، مشيرا إلى تطلع القاهرة لأن تواصل الولايات المتحدة دورها الرئيسى فى تنفيذ مراحل الاتفاق، وضمان تنفيذ بنوده كافة من كل الأطراف.

ورغم أهمية هذه التحركات إلا أن البعض من المحللين يرون أن غياب تأثير المؤسسات الأخرى من البنتاجون والخارجية الأمريكية والكونجرس على قرارات الرئيس دونالد ترامب الذى يستخدم نظرية الرجل القوى عبر الاعتماد على مساعديه اليمينيين يمكن أن تدعم فكرة حدوث تناقض حقيقى وليس شكليًا فى توجهات المؤسسات الأمريكية تجاه الدولة المصرية، بخاصة أن ترامب ذهب باتجاه تنفيذ وعوده بشأن عقوبات وقعها على أوروبا وكندا والمكسيك.

◄ حليف مُهم

لكن فى المقابل فإن الواقع يشير إلى أن خسارة الولايات المتحدة حليفا مهما مثل مصر يمكن أن يضاعف خسائرها فى المنطقة لأسباب مختلفة بينها الأهمية الاستراتيجية لمصر على ساحل البحر الأحمر وكذلك البحر المتوسط وارتباط ذلك بحركة التجارة وغيرها من التحركات اللوجستية، كما أن خسارة مصر يترتب عليها خسارة دول عربية أخرى، ومن الممكن أن يقوض السلام مع إسرائيل وقد تتمكن مصر من توجيه بوصلة العرب نحو اتخاذ مواقف لا تخدم سياسات الولايات المتحدة فى المنطقة.

■ نهى بكر

◄ نهى: سياسة أمريكا قد تختلف من إدارة لأخرى

وقالت الدكتورة نهى بكر أستاذة العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية، إن التناقض بين تصريحات الرئيس  دونالد ترامب وتصريحات الكونجرس ووزارة الخارجية الأمريكية تؤكد أن السياسة الخارجية الأمريكية قد تختلف آليات تنفيذها من إدارة لأخرى، ومن السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية عبر الطرق الطبيعية، أو من مركز فكر لآخر حيث قد تسعى إدارة معينة أو بعض أعضاء من الكونجرس إلى استخدام العقوبات كأداة للضغط على دول معينة، بينما تسعى إدارات أو بعض أعضاء الكونجرس أو مراكز فكر إلى تعزيز العلاقات الاستراتيجية لأسباب أمنية أو اقتصادية.

◄ مُكافحة الإرهاب

وأضافت: «قد تختلف الرؤية بين الحزبين الجمهورى والديمقراطى حول آليات التنفيذ ولكل من مراكز الفكر توجه قد يختلف عن الآخر ولكن تظل الثوابت هى دعم الولايات المتحدة الأمريكية لإسرائيل»، مشيرة إلى أن مصر هى دولة مستقرة فى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، مما يعزز من أهميتها كحليف للولايات المتحدة فى مواجهة التحديات الأمنية والإرهابية.

وأوضحت أن مصر شريك هام للولايات المتحدة فى مكافحة الإرهاب حيث تساهم مصر فى جهود مكافحة الإرهاب فى المنطقة، وتعتبر شريكًا مهمًا فى محاربة تنظيمات إرهابية مثل داعش والقاعدة، مما يجعل التعاون الأمنى أمرًا ذا أولوية عالية بالنسبة للولايات المتحدة، كما أن وجود نظام سياسى مستقر فى مصر يعتبر جزءًا من الحفاظ على الاستقرار فى المنطقة، حيث تلعب مصر دورًا فى موازنة القوى فى الشرق الأوسط ولها دور فى حل الأزمات والصراع الفلسطينى الإسرائيلي.

وأردفت: «يميل أغلب الديمقراطيين ومراكز الفكر التابعة لهم لأن تستمر مصر فى أن تحصل على مساعدات عسكرية واقتصادية أمريكية، وتوفر هذه المساعدات أداة لدعم مصر دون استخدام العقوبات ويبقى من المهم أن يبقى التوازن بين الدعم والضغط فى العلاقات الدولية، ومن الشائع استخدام مزيج من الدعم والضغط كآلية لتحقيق الأهداف، مما قد يؤدى إلى تصريحات متناقضة».

■ الدكتور عاطف سعداوي

◄ سعداوي: العلاقة بين دولتين وليس رئيسين

◄ غير الممكن

ومن جانبه قال الدكتور عاطف سعداوي، الباحث المتخصص فى الشأن الأمريكي، إن الحديث عن وجود تناقضات بين مؤسسات الإدارة الأمريكية قد لا يكون موجودا وفى حال كان ظهورًا شكليًا، فهو يمكن وصفه بأنه «تناقض واقعي»، وأن العلاقة بين مصر والولايات المتحدة هى علاقة بين دولتين وليس بين رئيسين، ورغم أن هناك صلاحيات واسعة للرئيس الأمريكى على المستوى الخارجى لكن يبقى التساؤل ما إذا كان سينفذ تهديداته من عدمه؟، لأن الهدف من التصريحات الأخيرة هو الضغط للحصول على تنازلات فى ملف غزة.

وأكد أن الاتجاه لتجميد المعونات أمر غير قابل للتنفيذ لأن المعونة بالأساس هى قائمة على علاقة بين مؤسستين وهى المؤسسة العسكرية فى مصر والبنتاجون فى الولايات المتحدة، كما أن تقليصها ليس قرارًا بيد الرئيس وحده ولابد من عرض الأمر على لجنة الاعتماد والموازنة فى الكونجرس، وهناك مصالح مشتركة بين البلدين وقد يكون ما تحتاجه الولايات المتحدة من مصر يفوق الحاجة المصرية إليها، وبالتالى فى حال جرى تنفيذ هذه الوعود فإن الولايات المتحدة ستظهر كمن تعاقب نفسها.

◄ قرار مؤسسات

وأوضح أن ضغوطات ترامب تستهدف تحقيق هدف واحد يتعلق بضمان عدم عودة الأوضاع فى قطاع غزة إلى ما كانت عليه قبل حرب السابع من أكتوبر، وأنه لا يوجد خطة واضحة لديه للتهجير والدليل على ذلك كثرة التعديلات والتصريحات والتراجع فيها خلال الأيام الماضية، وأن الهدف ألا تصبح غزة مصدر تهديد من جديد لإسرائيل، وأن يضغط على الوسطاء وفى القلب منهم مصر وقطر للضغط على حماس نحو إبعادها عن حكم غزة ونزع سلاحها.

■ الدكتور سعيد صادق

◄ صادق: العلاقات الثنائية لديها جذور مهمة

فيما أكد الدكتور سعيد صادق، الباحث المتخصص فى الشأن الأمريكي، أن السياسة الخارجية الأمريكية تديرها مجموعة من المؤسسات بينها الكونجرس والبنتاجون والسى آى إيه والرئاسة ووزارة الخارجية، وهناك تنسيق بين هذه المؤسسات ومن الصعب اتخاذ قرار دون التشاور أو التباحث فيما بينهم، لأن هناك تقييمات تضعها أجهزة المخابرات والمؤسسة العسكرية الأمريكية قد تختلف عن المؤسسات الدبلوماسية مثل الخارجية أو الرئاسة ودائما ما يكون لدى البنتاجون رؤى بضرورة الحفاظ على استقرار العلاقات مع مصر.