دخل السودان الشقيق منعطفا خطيرًا هذا الأسبوع مع الإعلان عن توقيع ميثاق سياسى يضم ميليشيا الدعم السريع وبقايا وجيوب عدد من الحركات المسلحة المنقسمة على ذاتها فى إقليم دارفور وكردفان والنيل الأزرق إلى جانب بعض القوى السياسية التي تفتتت بفعل عوامل عديدة وارتمى جزء منها في أحضان الميليشيات التى يقودها محمد حمدان دقلو (حميدتي) وتحظى بدعم بعض الدول في الإقليم.
الخطر هنا في أن محاولات دفع السودان نحو التقسيم من الواضح أنها تمضى على قدم وساق، وبغض النظر عن نجاح المكونات السياسية والمسلحة التى ظلت قابعة لعدة أشهر فى العاصمة الكينية نيروبي في محاولة الوصول إلى تشكيل حكومة موازية للحكومة السودانية المعترف بها دوليا التي تتخذ من بورتسودان مقراً لها منذ استيلاء ميليشيات الدعم السريع على العاصمة الخرطوم، فإن معالم الخطر الوارد من الجنوب يتمثل فى أن هناك أطرافا لديها طموحات وراء الحرب الراهنة وقد نكون أمام حكومتين متنازعتين كما الحال بالنسبة للوضع الراهن فى ليبيا واليمن ومحاولات القوى المعادية لانفصال إقليم «أرض الصومال» فى الصومال.
منذ أن بدأت الحرب قبل ما يقرب من عامين فى السودان كان واضحا أن رائحة التشرذم والتفتت منتشرة في الأجواء السودانية، والأمر يرجع إلى عوامل مختلفة بعضها تاريخية نظرا لوجود مكونات إثنية وقبلية عديدة إلى جانب تجربة انفصال الجنوب التي تظل حاضرة في ذاكرة السودانيين حتى هذه اللحظة رغم مرور ما يقرب من 15 عامًا عليها، إلى جانب أسباب آنية بضعها فرضتها الحرب مثلما الحال بالنسبة للتشظى السياسي والقبلي والمجتمعي الواضح والبعض الآخر يرجع إلى تركيبة السياسيين السودانيين أنفسهم وعدم قدرة القوى المدنية في أن تبنى حائط صد أمام المؤامرات الدولية التى تستهدف السودان ووحدته.
منذ أن جرى الحديث عن «حق تقرير المصير» تحديدا في العام 2020 أى قبل ثلاث سنوات من اندلاع الحرب، بدأت روائح الانقسام الكريهة تفوح فى السودان، وذلك تحديدا عبر الاتفاق المفاجئ الذى وقعه رئيس الوزراء السودانى السابق عبدالله حمدوك حينما كان فى موقعة بذلك الحين مع حركات مسلحة تتعالى لديها النبرات الانفصالية مثل الحركة الشعبية شمال جناح عبدالعزيز الحلو وهو ضمن الموقعين على الميثاق السياسي الحالي إلى جانب الدعم السريع.
الغريب فى الأمر أن الميليشيات التى يقودها دقلو ترفع شعارات تتشدق بالديمقراطية وحقوق الإنسان فى حين أنها تبحث عن فرض واقع سياسى على السودانيين أنفسهم الذين يلفظونها بفعل الجرائم التى ارتكبها بحق منذ أن أشعلت الشرارة الأولى للحرب، وبعد أن ساهمت فى تهجير أكثر من 11 مليون سودانى خارج أراضيهم، وهو ما يجعلنا أمام واقع معقد بحاجة لأن يتم التعامل معه بأدوات فاعلة لفرملة خطط التقسيم الحالية.
ومثلما تعد مصر هدفا رئيسيا من إشعال الأوضاع على الحدود الشرقية فى قطاع غزة منذ حرب السابع من أكتوبر فإن ما يحدث فى الجنوب الآن يشير أيضا إلى أن الهدف هو مزيد من عوامل زعزعة الأمن والاستقرار على الحدود الجنوبية التى ظلت لسنوات تمثل خطرا جراء تواجد جماعات الإسلام السياسى والتنظيمات المسلحة فى السودان، هذا بالإضافة إلى الخطر الوارد من الغرب بفعل استمرار عوامل الانقسام فى ليبيا بين حكومة موجودة فى الشرق وأخرى فى الغرب وتسيطر على العاصمة طرابلس.
يشير الواقع إلى أننا أمام حدود مشتركة مع دول ينخر داخلها سوس الصراعات بحثا عن دفعها نحو الانقسام، وهو من شأنه ترسيخ مبادئ غياب الدولة الوطنية التى تظل مصر تدعهما على طول الخط وترى بأن الحفاظ على مؤسساتها موحدة سدا منيعا أمام محاولات التقسيم.
بالعودة إلى الموقف الراهن فى السودان فإنه مع تعدد مبادرات وقف الحرب ظلت المبادرة المصرية التى قادها الرئيس عبدالفتاح السيسى والمعروفة باسم «مبادرة دول الجوار» لوقف الحرب وتم الإعلان عنها بعد أيام من اندلاع الصراع، وكذلك مؤتمر القوى المدنية الذى استضافته القاهرة فى شهر يونيو الماضى واستطاعت من خلاله جمع كافة القوى والمكونات السياسية السودانية على مائدة واحدة والخروج بمبادئ متوافق عليها حول وقف الحرب هى المحاولات الأبرز لوقف الصراع.
ويمكن القول بأن استضافة مصر ملايين السودانيين الذين فروا هاربين من الحرب اللعينة والمنسية فى آن واحد يجعل هناك قوة ناعمة تفوق قدراتها أى محاولات لفرض واقع يلفظه السواد الأعظم من السودانيين، وأن التحرك لجمع السودانيين على مائدة واحدة مرة أخرى يعد سبيلا مهما فى الوقت الحالى لكى لا يتعاظم خطر تتشكل معالمه قادم من الجنوب.
أفاعى «الإخوان» (14) .. صالح عشماوى .. أحد مؤسسى النظام الخاص
صلاح دندش يكتب : تخاريف
أيمن بدرة يكتب: الملك الكروي بين الإنجليزي والمصري







