كان قاضى القضاة يخرج لرؤية الهلال ومعه القضاة الأربعة كشهود ومعهم الشموع والفوانيس، ويشترك معهم المحتسب وكبار تجار القاهرة ورؤساء الطوائف والصناعات والحرف
يزخر الفولكلور الشعبى المصرى بتقاليد ارتبطت خصيصًا بشهر رمضان، فمن مصر انطلق المسحراتى الأول الذى يتجول فى الطرقات بصورة ما زالت مستمرة حتى الآن فى بعض الضواحى، فكان والى الخليفة العباسى المنتصر على مصر عنبسة بن إسحاق (عام 228 هـ) أول من فعل ذلك. ومنها أيضًا عرف العالم الإسلامى تقليد «مدفع الإفطار» على سبيل المصادفة؛ إذ تُحيله بعض المصادر التاريخية إلى عهد الوالى الإخشيدى على مصر «خوشقدم» الذى تزامنت تجربته لمدفع جديد بالمصادفة مع آذان المغرب فى إحدى ليالى رمضان، فظن الناس أن الوالى قصد بذلك تنبيههم وتوافدوا إليه ليشكروه فأقر المدفع كتقليد دائم، فيما يحيله آخرون إلى مؤسس الأسرة العلوية محمد على فى واقعة مشابهة.
فى عام 155هـ خرج أول قاضٍ لرؤية هلال رمضان وهو القاضى أبو عبد الرحمن عبد الله بن لهيعة الذى ولى قضاء مصر، وخرج لنظر الهلال، وتبعه بعد ذلك القضاة لرؤيته؛ حيث كانت تُعَدُّ لهم دكّة على سفح جبل المقطم عرفت بـ «دكة القضاة»، يخرج إليها لنظر الأهلة، فلما كان العصر الفاطمى بنى قائدهم بدر الجمالى مسجدًا له على سفح المقطم اتخذت مئذنته مرصدًا لرؤية هلال رمضان.
كان الاحتفال له تقاليد رسمية، فقد كان الخليفة يخرج فى مهرجان إعلان حلول شهر رمضان من باب الذهب (أحد أبواب القصر الفاطمى) متحليًا بملابسه الفخمة وحوله الوزراء بملابسهم المزركشة وخيولهم بسروجها المذهبة، وفى أيديهم الرماح والأسلحة المطعمة بالذهب والفضة والأعلام الحريرية الملونة، وأمامهم الجند تتقدمهم الموسيقى، ويسير فى هذا الاحتفال التجار صانعو المعادن والصاغة، وغيرهم الذين كانوا يتبارون فى إقامة مختلف أنواع الزينة على حوانيتهم فتبدو الشوارع والطرقات فى أبهى زينة.
وكان موكب الخليفة يبدأ من بين القصرين (شارع المعز بالصاغة الآن) ويسير فى منطقة الجمالية حتى يخرج من باب الفتوح (أحد أبواب سور القاهرة الشمالية) ثم يدخل من باب النصر عائدًا إلى باب الذهب بالقصر، وفى أثناء الطريق توزع الصدقات على الفقراء والمساكين. وحينما يعود الخليفة إلى القصر يستقبله المقرئون بتلاوة القرآن الكريم فى مدخل القصر ودهاليزه، حتى يصل إلى خزانة الكسوة الخاصة، فيغيِّر ملابسه ويرسل إلى كل أمير فى دولته بطبق من الفضة مملوء بالحلوى، تتوسطه صرة من الدنانير الذهبية وتوزع الكسوة والصدقات والبخور وأعواد المسك على الموظفين والفقراء، ثم يتوجه لزيارة قبور آبائه حسب عاداته، فإذا ما انتهى من ذلك أمر بأن يكتب إلى الولاة والنواب بحلول شهر رمضان.. أما الاحتفال بحلول شهر رمضان ورؤية هلاله فى العصر المملوكى، فكان قاضى القضاة يخرج لرؤية الهلال ومعه القضاة الأربعة كشهود ومعهم الشموع والفوانيس، ويشترك معهم المحتسب وكبار تجار القاهرة ورؤساء الطوائف والصناعات والحرف.
وكانوا يشاهدون الهلال من منارة مدرسة المنصور قلاوون المدرسة المنصورية «بين القصرين» لوقوعها أمام المحكمة الصالحية «مدرسة الصالح نجم الدين بالصاغة»، فإذا تحققوا من رؤيته أضيئت الأنوار على الدكاكين وفى المآذن وتضاء المساجد، ثم يخرج قاضى القضاة فى موكب تحف به جموع الشعب حاملة المشاعل والفوانيس والشموع حتى يصل إلى داره، ثم تتفرق الطوائف إلى أحيائها معلنة الصيام.
فى عصر الإمبراطورية العثمانية فى التاسع والعشرين من شعبان كان القضاة الأربعة يجتمعون وبعض الفقهاء والمحتسب بالمدرسة المنصورية فى «بين القصرين»، ثم يركبون جميعًا يتبعهم أرباب الحرف وبعض دراويش الصوفية إلى موضع مرتفع بجبل المقطم حيث يترقبون الهلال.
فإذا ثبتت رؤيته عادوا وبين أيديهم المشاعل والقناديل إلى المدرسة المنصورية، ويعلن المحتسب ثبوت رؤية هلال رمضان ويعود إلى بيته فى موكب حافل يحيط به أرباب الطرق والحرف بين أنواع المشاعل فى ليلة مشهودة.
وفى صباح أول أيام رمضان يصعد المحتسب والقضاة الأربعة إلى القلعة لتهنئة «الباشا» الوالى ليخلع عليهم «قفاطين» كما جرت العادة.
وفى بيوت الأعيان، كانت لهم عادات وصدقات فى ليالى رمضان يطبخون فيها الأرز باللبن، ويملأون من ذلك قصاعًا كثيرة ويوزعون منها على المحتاجين، ويجتمع فى كل بيت الكثير من الفقراء فيوزعون عليهم الخبز ويأكلون ويعطونهم بعد ذلك دراهم، خلاف ما يوزع من الكعك المحشو بالسكر و«العجمية» وسائر الحلوى.
ياميش رمضان
ظهرت روايتان حول سبب تناول الياميش فى رمضان تحديدًا.
تقول الرواية الأولى، إن شهر رمضان تصادف مع موسم بيع الياميش الذى كان يأتى به التجار السوريون ليبيعوه فى وكالة قوصون؛ إذ إن سوريا معروفة بزراعة المشمش.
وذكرت رواية أخرى أن الفاطميين كانت عادتهم توزيع الفواكه المجففة، والمكسرات على أطفال المصريين الذين يدورون فى الشوارع حاملين فوانيس رمضان، وهم ينشدون الأناشيد الرمضانية.
وكان الخليفة يوزع شراب المشمش على المسلمين مع حلول كل هلال لشهر رمضان ليكتسب المشروب اسمه من قمر شهر رمضان.
فى عدد يوليو 1953، خصصت مجلة «الاثنين والدنيا» ملفًا لـ «المكسرات» وخريطة الدول المستوردة منها بالكميات.
يتضح من التقرير كنا نستورد 8000 صندوق «قراصيا» من أمريكا، و1000 صندوق من يوغوسلافيا، ومن المشمش المجفف 90 طنًا من باكستان وسوريا وتركيا وإيران. ومن تركيا وإيطاليا واليونان استوردنا 2500 طن من «التين المجفف»، و1150 طن زبيب من اليونان وسوريا وتركيا.. استهلكت القاهرة وحدها من قمر الدين فى هذا العام 18000 لفة، وبلغ ما صرف زيادة عن السكر على المقررات لأهالى القاهرة 1000 طن فى رمضان.. للجنوب وللسودان خاصة أصناف ياميش خاصة، تضمن توفرها الحكومة، على رأس أنواعه «الخروب»، حيث استوردت مصر 50 ألف طن «من الأصناف الشعبية»، حسبما تم تصنيفه، أما «الفستق» فأرسلت إيطاليا وتركيا منه 16 طنًا، وبلغ مجمل ما تم استيراده من «اللوز» 530 طنًا، من بينها 30 طنًا من الصنف الإسبانى الجيد، أما الباقى فمن إيطاليا.
تركيا وإيطاليا مورد أساسى لـ «ياميش رمضان» خلال عام 1953، واتضح ذلك من مواطن الاستيراد ويضاف عليهم أيضًا «البندق» و«الجوز»، إلا أن الأخير اشتركت فيه أيضًا سوريا، أما الياميش الرسمى وهو «البلح» فكان يأتى إلى القاهرة من الشمال والجنوب ومن الصعيد والواحات، وكان يقدَّر ما تستهلكه المائدة المصرية 30 ألف طن.

السيد النجار يكتب: ومـاذا عن..؟
حكايات من دفاتر الآثار
أسرار جائزة مصطفى وعلى أمين







