في يقيني أن شقة المعمورة البلد، لم تكن المسرح الوحيد لارتكاب جرائم المحامي، بل أنه اعتاد على التنوع في مسارح جرائمه كما اعتاد على التنوع في اختيار ضحاياه، الأمر اليقيني الآخر أن ثمة علاقة بين مفهوم القتل الذي يعتقد فيه، والذي يتقنه إلى حد كبير، وبين الطرق التي أحدثها في كل مرة للقتل، والتي ترجع دوافعه فيها إلى السرقة، على الرغم من أن هذا هو الدافع الوحيد – المعلن حتى الآن – لارتكاب جرائمه، والذي أظن أنه سيتغير حتمًا باكتشاف جرائم أخرى ارتكبها، والتي وصلت حتى الآن إلى 3 وقائع قتل، وجاري البحث عن الجريمة الرابعة.
ويقينًا أيضًا، أن سفاح المعمورة، سبق وأن انتقل بين أكثر من 18 شقة كما أوضحتها التحريات، الأمر الظاهر أنه كان يتخذها مكتبًا له، وهو ما يشير إلى أن هذه الأماكن – من الوارد جدا – أن يكون هناك ضحايا آخرين، الأمر الذي تعكف عليه الآن الأجهزة الأمنية في الإسكندرية، ومباحث قسم شرطة المنتزه ثان، على كشفه وفك طلاسم جرائمه.
حتى كتابة هذه السطور، هناك ثلاث ضحايا لسفاح المعمورة، وأشارت التحريات إلى ثمة وجود ضحية رابعة، على الرغم من اعترافه أن ضحاياه اثنين فقط، لكن اكتشفت الضحية الثالثة، ورغم مواجهته بما آلت إليه التحريات لم يعترف بالجريمة الثالثة، ومن ثم فاحتمالية أن يرتفع عدد ضحاياه احتمالا واردا، والأيام القادمة سوف تكشف المزيد من المفاجآت في الواقعة.
الأمر الآخر الذي لفت الانتباه في واقعة سفاح التجمع؛ أنه شخص يبدو لمن يراه بأنه متزن جدا، وانطوائي، قليل الكلام، وصوته منخفض، يكاد يسمع بصعوبة، وهو ما أشار إليه المحامي محمد سامي، محامي أسرة الضحية الثانية من ضحاياه، الحاجة تركية، والذي حكى، في حديثه لـ»أخبار الحوادث»؛ على أنه سبق والتقى به مرة أو مرتين بمحكمة الإسكندرية، لكنه لم يكن يعتقد فيه أو يرى فيه إلى ما يشير أن أسلوبه إجرامي، أو أن تصرفاته غير طبيعية.
هذا الشخص، على ما فيه ظاهريًا من تدين واحترام، لكن اتضح ما يخفيه عن نفسه، من شهوة للقتل، وحرفية في ارتكاب الجرائم.
في حين أن السيدة، شقيقة المجني عليه السيدة تركية، الحاجة نجاح، قالت إن بوادر العلاقة بين شقيقتها الضحية، وبين المحامي، بدأت عندما ذهبت إليه كي توكله للترافع في قضية لها.
محضر اختفاء
على مدار 130 يومًا عكفت الحاجة نجاح، السيدة صاحبة الـ65 عامًا، على البحث عن شقيقتها المتغيبة، كل المؤشرات وقتها كانت غامضة، سيدة، اسمها الحاجة تركية عبد العزيز، تبلغ من العمر 62 عامًا، ليست متزوجة، تعيش في منطقة الطابية بالإسكندرية، في بيت من طابق واحد، وتعمل مصممة أزياء.
الأمر البديهي حينها أن غرض الاختفاء كان بدافع السرقة، هذا هو ما فكر فيه أهلية المفقودة، لأنها، كانت من فترة قد باعت شقة واشترت أخرى، ووصل فرق السعر بين الشقتين إلى ما يزيد عن 300 ألف جنيه، موجودين في حساب باسمها في البنك، وتسير حاملة كارت الـ»فيزا» في ملابسها.
ولأنها وحيدة، وتعمل في مجال يدر لها ربحًا معقولًا، حيث تصمم ملابس الرجال، وتبيع وتشتري ملابس مستوردة ومحلية، وتوزعها على التوكيلات والمحلات التجارية، كانت ميسورة الحال، وهذا كان واضحًا من كم الخير الذي كانت تقوم به، إلى حد أنها اعتادت على أن تحضر ما يسمى بـ «شنط رمضان» بنفسها، وتضع فيها ما شاء الله لها من الخيرات، من طعام وملبس، وتقوم بنفسها على توزيع هذه الـ»شنط» قبل شهر رمضان، وهو ما قامت به في شهر رمضان الماضي، وفي السنوات الأخيرة، وكانت تنوى أن تكرر ما كانت تقوم به لولا أنها وقعت ضحية لمحامي، قتلها، بغرض السرقة، وكي يخفي جريمته لف جثمانها داخل سجادة، ودفنها أسفل غرفة في مكتبه الكائن بمنطقة المعمورة البلد، وسرق ما معها من مدخرات، وأخفى نفسه تمامًا عن الأنظار حتى لا ينفضح أمره، وبالفعل نجح في بداية الأمر، لكن سرعان ما سقط وكشفت جرائمه، والتي وصلت إلى 3 وقائع، والرابعة في الطريق.
الصدمة
في حديثها لـ»أخبار الحوادث»، قصت شقيقة الحاجة تركية، الحاجة نجاح، تفاصيل تلك الأيام التي وصلت إلى أكثر من 130 يومًا، فترة اختفاء شقيقتها، حيث قالت: «أختى الله يرحمها كانت جميلة، شكلا وموضوعًا، مسبقش ليها الزواج، وكانت تعيش مع والدتنا في منزلنا بالطابية، وعندما توفيت أمى منذ ما يقرب من 15 يومًا، عاشت اختي في هذا المنزل بمفردها، تعمل في تصميم الأزياء، وبالأخص ملابس الرجال، حيث أنها كانت خبيرة في الأقمشة، ولها باع في البيع والشراء، ومختلف الأذواق، ولها زبائن يجيئون إليها مخصوص كي يشتروا منها أو يبيعوا لها».
وأضافت: «كانت الحاجة تركية حريصة طوال حياتها على عمل الخير، وكانت دائمًا ما تجود علي وعلى إخواتها بما معها من أموال، وحتى على أولادنا، لأنها كانت تعتبر نفسها بمثابة أمهم، وهم كذلك اعتبروها، على سبيل المثال بناتي وأولادي كانت حريصة على أن تختار ملابسهم، وتشتري لهم بنفسها ما يريدونه، ليس هذا فقط للقريب وإنما الغريب أيضًا تشتري له من خيرها، لأنها كانت طوال العام تتصدق على الفقراء والمساكين في محيطها، وكانت قبل شهر رمضان، تحضر «شنط رمضان» وتوزعها على الناس، إلى جانب تعلقها الشديد بالله، وحرصها من فترة لأخرى على زيارة بيت الله الحرام، عمرة وحجًا.
واستكملت الحاجة نجاح حديثها قائلة: «أختى الله يرحمها كان عندها مشكلة مع أحد جيرانها، اتخانق معاها وضربها بالقلم، ولما حصل اللي حصل بلغت البوليس وحررت محضرًا، وبعد أن أحيلت الواقعة إلى النيابة، وأثناء وجودها في محكمة الإسكندرية، رأت هذا المحامي، حكت له على تفاصيل الواقعة، وتفاصيل ما تعرضت له من اعتداء، وقتها أوهمها بأنه سيترافع عنها، وأنه سيسعى إلى عودة حقها، وبالفعل وكلته للدفاع عنها، شقيقتي حكت لي عنه، لكنها لم تقل لي أي تفاصيل أخرى، بعد ذلك، عرفت منها أن الحكم في أول درجة لم يكن في صالحها، وأنه طمأنها وقال لها بأنها مسألة وقت، لكنها اختفت فجأة».
وعن شهور الاختفاء قالت: «من حوالي 4 شهور و10 أيام، طلبتها تليفونيا ذات يوم كالعادة لأطمئن عليها، لقيت تليفونها بيرن لكن محدش بيرد، ذهبت اليها في بيتها، ملقتش حد، ظللت اطلبها باستمرار على مدار اليوم واليوم الذي يليه دون جدوى، أنا أول حاجة جات في دماغي إنها ممكن تكون سافرت عمرة، لكن بعد ما مرت 5 أيام، ومش بترد على هاتفها قلت أكيد حصلها حاجة، خاصة وإن معاها فلوس ومعاها كارت الفيزا، لم اتردد ذهبت وحررت محضرًا، لكن مكانش في بالنا إن فيه حاجة خطر، لكن يوم عن يوم بدأ الموضوع يقلق، وفضلت أنا وابن اختى، ندور عليها في كل مكان، ولا حس ولا خبر، وكأن الأرض انشقت وابتلعتها حتى علمنا بالخبر الصدمة».
سفاح قاتل
استكملت شقيقة الضحية الثانية حديثها قائلة: «امام حيرتي هذه لم اتردد أني اسأل المحامي هذا عنها، لكنه قال لي إنها كانت عنده وخرجت، ومبانش عليه أي حاجه، ولم اشك فيه حيث بدا امامي رجل متزن ومتدين، وصوته واطي ومحترم وكلامه حلو، واتضح بعد كدا إن دا كله مش حقيقي، وإنه مجرم سفاح قاتل، معندوش قلب».
في حديثه لـ»أخبار الحوادث»، أوضح المحامي محمد سامي، الموكل بالدفاع عن الضحية الثانية، الحاجة تركية؛ أن مكتبه في نفس الشارع الموجود فيه مكتب المحامي نصر غازي، وأنه لم يلتقيه في الشارع ولو لمرة واحدة، ومكتبه ليست عليه لافتة تدل على وجود مكتب محاماة في الشقة، وأنه رآه مرة أو مرتين في المحكمة، لكن لم يكن يعرفه، ولم يكن معروفًا في أوساط المحامين في الإسكندرية.
واستطرد محمد سامي، تفاصيل ما جرى من التحقيقات مع المتهم قائلا: المتهم اعترف بالجريمتين، أولهما قتل زوجته عرفيًا، والثانية مقتل الحاجة تركية، الضحية الثانية، وعندما اكتشفت الجريمة الثالثة، وربط الخيوط ببعضها، أشارت التحريات إلى أنه وراءها، ووجهت له اتهامات بالقتل، لكنه أنكر في البداية ثم اعترف، وما زال البحث جاريا الآن عن ضحايا آخرين في الواقعة محل التحقيق».
اقرأ أيضا: الفيزا كارت تكشف لغز الضحية الثالثة لـ سفاح الإسكندرية
عدة النصب
وأضاف: «الحاجة تركية حررت له توكيلا كي يترافع عنها لما حد من جيرانها ضربها بالقلم، وأول حكم مكانش في صالحها، وبعد كدا استدرجها لشقته، وقتلها، وسرق ما معها من أموال وفيزا البنك، وهذا باعترافه، ثم وضع جثمانها داخل سجادة، وحفر حفرة في إحدى الغرف، ووضع جثمانها بداخله، بجوار ضحيته الأولى، وطوال هذه الفترة كانت تعاملاته طبيعية، ولم يبد عليه أي آثار تفيد الشكوك فيه، أو أنه وراء اختفائها، حتى أنه نظرًا لخلفيته الدينية، حيث أنه خريج كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، كان يحتال على الناس ببلاغته وحديثه الدائم في الدين، الأمر الذي يجعل البعض يطمئن له، وهذا كله وضح بعد اكتشاف كم الجرائم التي ارتكبها».
واختتم: «من المفترض أنه كانت هناك جلسة أخيرة في الواقعة الذي كان يترافع فيها عن الحاجة تركية، لكن الحاجة تركية محضرتش الجلسة، عشان كانت ماتت، والمحامي بتاعها هو اللي قتلها».
من أجل الجرعة «المدمن قتل جدته»
يذبح زوجته داخل غرفة نومها بسبب خلافات أسرية
بسبب الأبناء يقتحم منزل طليقته







