في 16 فبراير 2005، أسدل الستار على صفحة من تاريخ العائلة المالكة المصرية بوفاة الملكة ناريمان صادق، آخر ملكات مصر، عن عمر يناهز 71 عامًا. كانت الزوجة الثانية للملك فاروق وأم آخر ملوك الأسرة العلوية، الملك فؤاد الثاني.

رغم أن فترة حكمها كملكة كانت قصيرة، إلا أن حياتها كانت مليئة بالأحداث التي جعلتها إحدى الشخصيات البارزة في تاريخ مصر الحديث. فمن فتاة بسيطة من الطبقة الوسطى إلى قصر عابدين، ومن ملكة متوجة إلى مطلقة تعيش في الظل، تبقى قصة الملكة ناريمان تجسيدًا للتغيرات السياسية والاجتماعية التي شهدتها مصر في منتصف القرن العشرين.
اقرأ أيضا| الملكة ناريمان متهمة في حادث مرور.. سر السيارة الشيفروليه
** الملكة ناريمان صادق – رحلة من التاج إلى الحياة العادية

* نشأتها وحياتها قبل الزواج
وُلدت الملكة ناريمان صادق في 31 أكتوبر 1933 لعائلة مصرية تنتمي إلى الطبقة الأرستقراطية المتوسطة. كان والدها حسين فهمي صادق يعمل مستشارًا بوزارة العدل، ما وفر لها بيئة راقية وتعليمًا مميزًا. درست في مدرسة النوتردام الفرنسية بالقاهرة، حيث تلقت تعليمًا جيدًا أهلها لمصاف العائلات المرموقة في المجتمع المصري.

كانت ناريمان مخطوبة قبل زواجها من الملك فاروق لشاب يدعى زكي هاشم، وهو محامٍ مصري درس في بريطانيا. لكن حياتها أخذت منعطفًا غير متوقع عندما لفتت أنظار الملك فاروق، الذي قرر أن يجعلها زوجته الثانية بعد الملكة فريدة.
* زواجها من الملك فاروق
عندما التقى بها الملك فاروق، وجد فيها مثالًا للفتاة المصرية ذات الجمال الهادئ والرقي، فقرر الارتباط بها. وبالفعل، فُسخت خطبتها من زكي هاشم، وبدأت استعدادات دخولها القصر الملكي.

خضعت ناريمان لتدريب مكثف على آداب السلوك الملكي، وتعلمت اللغات والعادات البروتوكولية لتصبح ملكة مصر المستقبلية. في 6 مايو 1951، تزوج الملك فاروق من ناريمان في حفل زفاف فاخر أقيم في قصر عابدين، وأصبحت تلقب بـ"زهرة التاج المصري".
في 16 يناير 1952، أنجبت ناريمان ابنها الوحيد الأمير أحمد فؤاد، الذي أصبح فيما بعد الملك فؤاد الثاني عقب عزل والده.
* الثورة وسقوط الملكية
لم يدم زواج الملكة ناريمان طويلًا، إذ سرعان ما أطاحت ثورة 23 يوليو 1952 بالملك فاروق، وأجبرته على التنازل عن العرش لابنه الرضيع فؤاد الثاني، قبل أن يغادر مع أسرته إلى منفاه في إيطاليا.
عاشت ناريمان في روما مع فاروق وابنها لبعض الوقت، لكن الزواج بدأ يشهد خلافات حادة أدت في النهاية إلى الانفصال.
عادت ناريمان إلى مصر عام 1954 بعد طلاقها من فاروق، الذي لم يكن سعيدًا بقرارها، لكنه لم يستطع منعه.

* حياتها بعد الطلاق
بعد عودتها إلى مصر، تخلّت ناريمان عن ألقابها الملكية، وفضلت العيش بعيدًا عن الأضواء. تزوجت مرة أخرى من الدكتور إسماعيل فهمي، وهو طبيب مصري بارز، وعاشت معه حياة هادئة. إلا أن زواجها الثاني لم يدم طويلًا، حيث انفصلت عنه لاحقًا.
فيما بعد، تزوجت ناريمان للمرة الثالثة من الدكتور عدلي ذو الفقار، وعاشت معه حياة مستقرة بعيدًا عن السياسة والشهرة، مكتفية بدور الأم لابنها الملك السابق فؤاد الثاني، الذي ظل يعيش في أوروبا بعيدًا عن مصر.
* السنوات الأخيرة ووفاتها
عاشت الملكة ناريمان حياة هادئة في سنواتها الأخيرة، مبتعدة عن وسائل الإعلام، ولم تشارك في أي فعاليات ملكية أو سياسية. أصيبت بأمراض عدة في أواخر حياتها، ونُقلت إلى المستشفى أكثر من مرة لتلقي العلاج.
وفي 16 فبراير 2005، توفيت عن عمر ناهز 71 عامًا، لتكون آخر ملكات مصر التي عاصرت فترة الحكم الملكي وعاشت بعده لتشهد التحولات الكبرى التي شهدتها البلاد. دفنت في مصر، بعيدًا عن الأضواء، في وداع هادئ يعكس السنوات الأخيرة من حياتها.
* الملكة ناريمان بين الماضي والحاضر
رغم قصر فترة حياتها كملكة، تبقى ناريمان صادق شخصية استثنائية في تاريخ مصر الحديث، كونها آخر ملكة للبلاد وأم آخر ملوكها، كانت رمزًا لمرحلة انتقالية بين الملكية والجمهورية، وشاهدًا على نهاية حقبة وبداية أخرى.
اقرأ أيضا| مهمة دبلوماسية مصرية لتعليم الملكة ناريمان «الإتيكيت»
اليوم، لا تزال سيرتها تثير اهتمام المؤرخين وعشاق التاريخ، حيث تمثل قصتها انعكاسًا للتحولات السياسية التي شهدتها مصر في منتصف القرن العشرين.

«التلمذة الصناعية».. تصحيح مسار أم مغامرة محفوفة بالمخاطر؟
الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟







