صلاح جاهين.. فيلسوف البسطاء.. سبع صنايع والبخت مش ضايع

صلاح جاهين
صلاح جاهين


تزامنًا مع احتفالات المؤسسات الثقافية القومية بعطاء الشاعر الفذ ،والفنان الشامل المذهل.. صلاح جاهين فى إطار برنامج طموح للاحتفاء بالوجوه المبدعة الخالدة ، وفى ظل خطة معدة لتسليط الأضواء على بصمات النابهين فى الأدب ،والشعر، والفنون المختلفة، وهو الأمر الذى دعت إليه هذه الصفحة مرارًا، حيث طالبت بتكريم كل عطاء مخلص فارق فى تاريخنا، وفق منهج مدروس، وخطة طموح، ولأن الاستجابة جاءت مبشرة رأينا أن نسهم فى ذلك الاحتفاء بالمبدع الكبير الراحل الذى تعددت ألقابه، وتنوعت بصماته .. صلاح جاهين ..صوت الحلم الوطنى ..أمير شعراء العامية، ..الأمة  حين تتجسد فى صوت شاعر، إضافة إلى لقب فيلسوف البسطاء، الأديبة المتميزة والناقدة البارزة د.أمانى فؤاد كتبت لنا هذه الإطلالة التى حاولت التحليق فى آفاق جاهين، المبدع الحالم .. والفنان الشامل ..المنتمى إلى وطنه وأرضه وناسه.

على مَرِّ التاريخ الممتَد، يظَل من المبدعين قِلةٌ قليلة تحمل حِزَم الضوء الفارقة، تلك التى تجسِّد روحَ الأوطان وتطلعاتها، وتمثِّل وَثبَاتٍ راقيةً فى فهْم الوجود والتعبير عنه، إنه إبداع فنى وفكرى يعبِّر عن الجموع، وينغمِس فى همومهم، دون أن يفقِد عُمقَ الرؤية ونضارتها، المبدِع صلاح جاهين، أحد الأسماء الباقية، التى تعبِّر عن روح الأُمَّة المصرية العريقة، ابن ثورة 1952، الذى وُلد فى 25 ديسمبر 1930، وغادر عالَمَنا فى 21 أبريل 1986.



اقر أ أيضًا | «الثقافة السينمائية» يحتفي بـ«صلاح جاهين»

(صلاح جاهين) الشاعر «صاحب الرباعيات»، والسيناريست، وفنان الكاريكاتير، صانع البهجة والفرح، دون التخلِّى عن فلسفة الحياة، مؤلِّف «الليلة الكبيرة»، الذى قدَّم الكثير من الأعمال، التى خلَّدها تاريخ الفن والأدب، ونال بسببها مكانتَه، التى جعلتْه يشغَل حتى الآن موقعًا متفرِّدًا فى تاريخ العطاءات المصرية.

ماذا لو أن «فيلسوف البسطاء»؛ صلاح جاهين، يعيش لحظتنا الحاضرة تلك، ماذا لو بُعِث ثانيةً؟ أظُنه سيُنشِد «بين موت وموت.. بين النيران والنيران.. على الحَبْل ماشيين: الجدَع والجَبَان .. وعجبى علَى دِى حياة!»

تجسَّدت عبقرية جاهين فى امتلاكه رؤية واعية للشخصية المصرية، بطبقاتها كافة، وتنويعاتها، بقُدراتها، وحِكمتها، التى اكتنزتها على مَرِّ التاريخ، امتلَك ثقافةً ذاتَ حِسٍّ وطني، وآمَن بقُدرة الفن على إحداث تغيير فى المجتمع، كما سَعَى للتَّمَاس الدائم مع مشكلات الناس وقضاياهم. وحين شَعَر صلاح جاهين بالفجوة بين الأحلام العظيمة، التى آمَن بإمكانية تحقُّقِها لوطنه، وما حَدَث على أرض الواقع، وخاصةً بعد النكسة؛ شَعَر بعبثية الحياة، وارتطم بالواقع السياسي، واهتزَّت مقومات وجُوده.

تمثِّل «الرباعيات» قِمَّةَ الإنتاج الشِّعرى لدَى جاهين؛ إذ اتَّسمَت بالتكثيف الشديد، والمَيْل إلى الحِكمة والفلسفة، وطرْح معانٍ وجودية وإنسانية شديدة العمق، فى أقل عددٍ من الكلمات، وبأسلوب بسيط بالعامية المصرية، فكان صوت المصرى حين يقول: «أنا شاب. لكنْ عمرى ألف عام، وحيد، لكنْ بين ضلوعى زحام، خايف، ولكنْ خوفى مِنِّي، أنا أخرس، ولكنْ قلبى مليان كلام... وعجبي!».

تعلَّقت أجيال كاملة بالشِّعر لأول مَرَّة، وخاصة وقت المَد الثورى فى 1952، بأشعار صلاح جاهين، جسَّد الحلم، ووضَع جميع فئات الشعب المصرى والعربى فى الصورة، التى شَدَا بها عبد الحليم، احتضن الجموع فى كلماته وصُورَتِه، التى تشِع عملًا وثقافة ومقاومة وتحديًّا، ولسهولة أشعاره وبساطتها، بما تتضمَّنه من عُمق التأمُّل وجَمال الفكرة؛ استطاع النفاذ إلى قلوب المثقَّفين والبسطاء على حَدٍّ سواء.

الشاعر- فى الأصل - هو الذى يمتلك اللغة، وهو مَن بإمكانه أن ينحتَ المفرداتِ، ويبثَّها طاقتَها الشِّعريةَ، ولقد قام صلاح جاهين بهذا على الوجْه الأفضل للعامية، يقول جاهين: «أما اختيارى لِلُّغة العامية فهو نابع من انبهارى بشِعر العامية، وإمكانيات اللغة العامية الرهيبة فى شِعر فؤاد حداد».

ففى «الرباعيات» وغيرها تجلَّت جسارتُه اللغويةُ، حين جذَب من العامية مفرداتِها الحيويةَ، وضفَّرها فى أساليب صياغاته المتنوعة، ومهَّد لها مساحاتٍ متسِعةً من الشِّعرية؛ أيْ الدلالة المحمَّلة بالظِّلال المتعدِّدة، بالتأويل، بالأبعاد الفكرية والفلسفية، بوَهَج الوجدان والمشاعر، بالطزاجة والتَّمَاس مع قلوب البسطاء وعقولهم؛ فجسَّد توقَهم إلى الحرية والكرامة والوعي.

وأحسَب أن انغماس صلاح جاهين فى المجتمع بكل قضاياه، ورغبته فى التقاط نبْضِه الحيوى العميق؛ كان وراء اختياره للعامية المصرية، التى لمَس يقظتَها ونبْضها المتجدِّدَ، فتجلَّى إبداعه فى أنَّه استنطق شِعرية العامية وجمالياتها، واستخدم ما نُسميه اللغةَ الثالثة؛ حيث الفصحى، التى تتداخل مع العامية، قريبة الشبه بها، فأوجَد معادلتَه اللغويةَ الخاصة، واختزل المسافةَ بين الشِّعرية والجَمالية ولُغة الناس اليومية.

وأبدع مقطوعاتِه المليئةَ بالتفاصيلِ والزَّاخرةَ بالحياة، والمترَعة بالفَرح والحركة، كأنها مجموعةٌ من لوحات الرسوم المتحركة، ضمْن الأُطر الأدبية وصياغاتها اللغوية.

أجاد صلاح جاهين الفنونَ المتنوِّعةَ: الشِّعر وكتابة الأغنية، والكاريكاتير، وكتابة السيناريو، مع ثقافة فنية وفكرية عميقة؛ وهو ما أتاح لكلِّ لون فنى يمارِسه تخصيبَه بخصائص الفنون الأخرى، التى يمتلك عوالَمَها ووتقنياتِها وروحَ شِعريتِها، وتجلَّى هذا فى أفضل تجلِّياته فى الأدب، حيث الرباعيات وأوبريت الليلة الكبيرة، والأغنيات الوطنية والعاطفية.

اكتسب من إجادته للفنون التشكيلية والرسومات الكاريكاتِرية خصوبةَ التقنيات وتنوُّعها؛ فلَوَّن أشعارَه، وحدَّد مناطقَ الحركة والسكون بها، المناطق الملوَّنة بالحياة والفرح، والمظلَّلة بالحكمة والفلسفة، كما جعلت كتابتَه مثل مَشاهد تُرى كما تُحَس، تتجسَّد للمتلقى وتأخذ بيده لعالَمها.

كما وظَّف انغماسه فى الواقع الاجتماعى الثقافى والسياسي فى ابداعاته؛ فانسابت حيوية تلتقِط التفاصيل الدقيقة من البَشر وأعماق مشاعرهم وتقاطعاتهم النفسية.

واتَّسمت رسومات جاهين الكاريكاتيرية بالجرأة فى نقْد الأوضاع السياسية، والتعبير عن هموم الحياة اليومية المصرية، لا سيِّما فى عقْدَى الستينات والسبعينات، مع خِفة الظِّل والقدرة على التقاط المفارقة من مفردات الواقع الاجتماعى المتنوعة. فى أحد حواراته، وصَف نفسه بالفنان المتكامل، وقال: «التخصُّص يقتلني، وأنا لا أطيق الحياة بعيدًا عن الفنون المختلفة».

يقول: «قالوا الشقيق بيمُص دم الشقيق، والناس ماهيَّاش ناس بحَق وحقيق، قلبى رَميته وجِبْت غيره حَجَر، داب الحَجَر .. ورْجِعت قلبى رقيق.» هذا هو صلاح جاهين ابن الموروث المصرى الإنسانى الشفيف، المنغمِس فى تراب المحَبة لهذه الحياة، وهذا الوطن العريق.