بعد قمة مدريد.. أوروبا إلى اليمين در

 القمة الرابعة لأحزاب اليمين المتطرف الأوروبي
القمة الرابعة لأحزاب اليمين المتطرف الأوروبي


يبدو أن أوروبا حائرة بشأن من يدفع ثمن حماية القارة العجوز، فخلال أقل من 10 أيام، شهدت قارة أوروبا قمتين هامتين الأولى فى عاصمة الاتحاد الأوروبى بروكسل فى بلجيكا، والثانية فى مدينة مدريد بإسبانيا وسط مساعٍ مختلفة لكل قمة.

فى حدث يعتبر الأبرز منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، شهدت مدريد انعقاد القمة الرابعة لأحزاب اليمين المتطرف الأوروبي، شارك فيها جميع القيادات اليمينية الأوروبية المتطرفة، سواء فى الحكم أو خارجه تحت شعار «لنجعل أوروبا عظيمة من جديد»، مستلهمين هذا الشعار من الرئيس الأمريكى دونالد ترامب.

اقرأ أيضًا | فى مؤتمر باريس.. انفتاح غربى على سوريا فى انتظار مرحلة إعادة الأعمار

وقد اتسمت القمة بحملة قوية ضد الاتحاد الأوروبي، مشيرة إلى أنه «متحجر فى الماضي» و»لم يتعلم من أخطائه». كما تمركزت الانتقادات حول قضايا مثل الهجرة غير الشرعية وانعدام الأمن.

رأس القمة زعيم حزب «فوكس» الإسباني، سانتياجو آباسكال، الذى انتخب فى القمة الأخيرة فى باريس العام الماضى رئيساً لتحالف «الوطنيون الأوروبيون» والذى يضم الأحزاب والقوى اليمينية المتطرفة فى بلدان الاتحاد، والذى حصل على 19 مليون صوت فى الانتخابات الأوروبية الأخيرة مطلع الصيف الماضي، وأصبح الكتلة الثالثة فى البرلمان الأوروبي.

كان من بين المشاركين البارزين رئيس الوزراء المجرى فيكتور أوربان، وزعيمة التجمع الوطنى الفرنسى مارين لوبان، ونائب رئيسة الوزراء الإيطالية ماتيو سالفيني، بالإضافة إلى زعيم حزب الحرية الهولندى خيرت فيلدرز.

جاءت القمة تزامنا مع صعود اليمين فى عدة دول أوروبية، خاصة بعد نجاح الأحزاب الشعبوية فى التأثير على السياسات الداخلية، مثلما حدث فى هولندا وإيطاليا والمجر، وفى توقيت حساس، قبل انتخابات البرلمان الأوروبي، حيث يسعى اليمين المتطرف لتعزيز نفوذه السياسى فى مواجهة التيارات الليبرالية واليسارية.

تعكس قمة مدريد تصاعد نفوذ أحزاب اليمين المتطرف فى أوروبا، وسعيها لتعزيز حضورها السياسى من خلال استلهام تجارب دولية، خاصة من الولايات المتحدة. ورغم النجاحات التى حققتها هذه الأحزاب، إلا أنها تواجه تحديات داخلية تتعلق بتوحيد الصفوف وتنسيق الجهود لمواجهة التحديات المشتركة.

سعى المشاركون إلى تعزيز موقع كتلة «وطنيون من أجل أوروبا» فى البرلمان الأوروبي، والتى تُعد ثالث أكبر كتلة تصويتية فيه. ركزت القمة على وضع استراتيجية لمواجهة سياسات المفوضية الأوروبية، متهمين إياها بتشجيع «الهجرة غير النظامية» و»التعصب المناخي» وفرض سياسات بيئية صارمة تهدد الاقتصاد الأوروبي.

كما دعوا إلى «استعادة» أوروبا، وهو تعبير يحمل دلالات قومية محافظة، ويعكس رفض سياسات الهجرة، والمناخ، والتكامل الأوروبى العميق.

رغم أن القمة جمعت قادة يمينيين، إلا أن الانقسامات الداخلية لا تزال قائمة، خاصة بين «المحافظين والإصلاحيين الأوروبيين» بقيادة جورجيا ميلوني، وكتلة «وطنيون من أجل أوروبا»، فالتحدى الأكبر كان محاولة تشكيل جبهة موحدة قبل الانتخابات الأوروبية.

يدرك الوطنيين من أجل أوروبا  جيداً أنهم لن يصلوا بعيداً فى الهياكل الديمقراطية فى بروكسل بدون حلفاء آخرين، حيث أنهم يشكلون حالياً القوة الثالثة فى البرلمان الأوروبى بـ 86 مقعداً، وحتى الآن، لديهم رئيس حكومة واحد فقط من أصل 27.

ترى لوبان إنه على الرغم من انتماء رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلونى إلى حزب سياسى آخر ، وهو حزب المحافظين والإصلاحيين الأوروبيين، فإن «هناك عددا من القضايا التى يمكنهم جميعا الاتفاق عليها، كما أن بعض أعضاء حزب الشعب الأوروبى من يمين الوسط مستعدون للمشاركة أيضا».

كان حزب الشعب الأوروبي، وهو أكبر حزب أوروبى يتبوأ أكبر عدد من المناصب القيادية، يغازل الجماعات التى تقع على يمينه، بعد أن صوت إلى جانب الوطنيين لتخفيف القيود التى يفرضها الاتحاد الأوروبى على إزالة الغابات. ومع ذلك، فقد تمسك الحزب حتى الآن بتحالفه مع الاشتراكيين والديمقراطيين والليبراليين.

ومع ذلك، وعلى الرغم من إظهار الوحدة، لا يزال تحالف باتريوتس من أجل أوروبا ممزقا. ونأت الأحزاب القومية الرئيسية مثل إخوة إيطاليا بزعامة جورجيا ميلونى وحزب القانون والعدالة البولندى بنفسها ، خوفا من احتضان كتلة لا تزال مثيرة للجدل حتى داخل الطيف اليمينى المتطرف ، وتثير الانقسامات الداخلية تساؤلات حول قدرة التحالف على تعزيز سلطته قبل الانتخابات المستقبلية. وفى الوقت نفسه، سارع الحزب الاشتراكى الحاكم فى إسبانيا إلى رفض التجمع ووصفه بأنه «مشهد يمينى متطرف»، بحجة أن تأثيره على السياسة الأوروبية سيكون محدودا. ومع ذلك، مع تقدم الأحزاب اليمينية المتطرفة فى العديد من البلدان وتزايد الاستياء الشعبى من الأحزاب التقليدية، لا يمكن تجاهل زخم الحركة. يبقى أن نرى ما إذا كان هذا الزخم سيترجم إلى نجاح انتخابى دائم.

من جهة أخرى أشاد القادة بعودة ترامب إلى المشهد السياسي، واعتبروها مصدر إلهام لتحركاتهم ونموذجًا يحتذى به فى إعادة هيكلة اليمين المحافظ عالميًا.

وصف فيكتور أوربان ترامب بـ»إعصار» غير العالم فى غضون أسابيع قليلة، مشيرًا إلى أن أحزاب اليمين المتطرف كانت تعتبر سابقًا «مارقة»، لكنها اليوم أصبحت «التيار الرئيسي».

كما وصف خيرت فيلدرز ترامب بـ»أخ فى السلاح»، داعيًا إلى «استرداد» اليمين المتطرف فى أوروبا. ورغم تزامن هذه القمة مع الجدل الواسع حول الهجوم الذى أطلقه ترامب ضد القانون الدولي، بدعوته إلى إخلاء السكان الفلسطينيين من قطاع غزة، وإعلانه عن حزمة عقوبات ضد المحكمة الجنائية الدولية، اقتصرت إشارة البيان الختامى للقمة إلى دونالد ترامب بوصفه «قدوة تحتذى»، وأنه إلى جانب الرئيس الأرجنتينى خافيير ميلي، دليل قاطع على الإرادة السياسية، مدفوعة بالتأييد الشعبى الواسع، قادرة على تغيير مصير الأمم.

أما عن نتائج القمة وانعكاساتها، فقد أظهرت أن خطاب اليمين الأوروبى أصبح أكثر حدة، مع تركيزه على قضايا الهوية، والسيادة الوطنية، ومعارضة الهجرة، ما قد يكسبه دعمًا انتخابيًا فى الانتخابات القادمة.

هذا ولم تنجح القمة فى تحقيق وحدة كاملة، حيث لا تزال هناك خلافات بين الأحزاب اليمينية حول بعض الملفات مثل العلاقة مع روسيا، والسياسات الاقتصادية.

تشكل هذه التحركات تحديًا للاتحاد الأوروبي، إذ قد تؤدى إلى صعود قوى سياسية مناهضة لمؤسساته، مما قد يؤثر على قراراته المستقبلية بشأن التكامل الأوروبي، وسياسات اللجوء، والتغير المناخي.

تمثل قمة مدريد محطة رئيسية فى مسيرة اليمين الأوروبى نحو تعزيز حضوره السياسي، لكنها كشفت أيضًا عن التحديات التى تواجهه فى بناء تحالف قوى وموحد. مع اقتراب الانتخابات الأوروبية، سيكون من المهم متابعة مدى نجاح هذه الأحزاب فى استقطاب الناخبين، وتأثير ذلك على مستقبل الاتحاد الأوروبي.