د.أحمد رشاد مدير مركز العلاقات الاقتصادية الدولية بمعهد التخطيط القومى:

استراتيجية توطين الصناعة وصفة مصر لعلاج التضخم

د.أحمد رشاد خلال حواره مع محرر «الأخبار»
د.أحمد رشاد خلال حواره مع محرر «الأخبار»


عانت الأسواق العالمية ارتفاعًا فى أسعار السلع من مواد خام وسلع أساسية ووقود بسبب الأزمات العالمية، سواء الأزمة الروسية الأوكرانية وما تبعها من اضطرابات إقليمية تشهدها المنطقة والتى انعكست على سلاسل التوريد العالمية من زيادة تكاليف الشحن والنقل، فأصبحت الدول الكبرى الأكثر إنتاجية وتقدمًا تعانى من إصابة سلعها بالتضخم، سواء أكان هذا التضخم نابعًا من أزمات يعانى منها اقتصاد تلك الدولة أو بسبب التأثر بالأزمات العالمية فانتقل التضخم من الدولة المصدرة لتلك السلع إلى الدولة المستوردة لها لتصاب أسواق الدول به، وكذلك السوق المصرى.. وكانت مبادرة رئيس الوزراء د.مصطفى مدبولى والتى تهدف لتوطين ١٥٢صناعة بهدف تخفيض الواردات طوق النجاة للسيطرة على معدلات التضخم المستورد وللوقوف على تفاصيل هذه المشكلة وجهود الحكومة للتصدى لها كان هذا الحوار مع د.أحمد رشاد، مدير مركز العلاقات الاقتصادية الدولية بمعهد التخطيط القومى.. وإلى نص الحوار:

اقرأ أيضًا | رئيس الإدارة المركزية للمنشآت السياحية بوزارة السياحة والآثار: جهود مكثفة لتقديم أفضل خدمة للسائح فى مصر

كيف انتقل التضخم من الأسواق العالمية إلى اقتصاد الدول؟
يحدث التضخم المستورد نتيجة ارتفاع الأسعار العالمية للسلع الأساسية ومستلزمات الإنتاج والمواد الخام المستوردة من الخارج، وبالتالى ينتج عن ذلك ارتفاع فى أسعار السلع داخل الدول وتزداد الآثار السلبية الناتجة عن التضخم المستورد كلما كانت هذه الدولة أكثر اعتمادية على الخارج فى استيراد الشق الأكبر من احتياجاتها من السلع الأساسية ومستلزمات إنتاجها وبالطبع تأثر الاقتصاد المصرى بالتضخم المستورد مثل العديد من دول العالم لعدة أسباب، ترتبط أغلبها بطبيعة هيكل الواردات فى مصر واعتمادها الكبير على استيراد السلع الأساسية ومستلزمات الإنتاج، والعوامل العالمية التى تؤثر على سلاسل التوريد والأسعار، حيث تشير بيانات البنك المركزى المصرى إلى أن التضخم المستورد قد أسهم بزيادة ملحوظة فى رفع معدل التضخم المحلى، ليصل إلى 38% فى أغسطس 2023 ونحو 32 % فى منتصف العام الماضى 2024.

لماذا تأثر الاقتصاد المصرى بالأزمات العالمية؟
الاقتصاد المصرى جزء من الاقتصاد العالمى وقد تضرَّر، شأنه شأن العديد من دول العالم، بشدّة بداية من جائحة فيروس كورونا، كما لم يسلم الاقتصاد الوطنى من تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية والصراعات الإقليمية فى منطقة الشرق الأوسط، تسببت هذه الأزمات فى زيادة معدلات التضخم فى مصر.. فقد نتج عن أزمة جائحة كورونا اضطرابات كبيرة فى سلاسل التوريد العالمية تسببت فى نقص السلع الأساسية وارتفاع تكاليف النقل والشحن البحرى بنحو 350% على مستوى العالم ومع استمرار الأزمة زادت أيضًا أسعار المواد الغذائية عالميًا بنسبة تتراوح بين 10% إلى 15% خلال عام 2021، مما انعكس بالسلب على أسعار السلع فى مصر.. ونتج عن الحرب الروسية الأوكرانية ارتفاع أسعار القمح بنسبة تصل من 30% إلى ٥٠%، كما أسهمت أسعار النفط المرتفعة فى ارتفاع تكلفة المواد الأساسية، مما زاد من تكلفة إنتاج ونقل السلع الأساسية. وهذا الارتفاع أثر على معدل التضخم السنوى فى مصر من نحو 21.9% فى أواخر 2022، مع وصول معدل التضخم الشهرى إلى نحو 32.7% فى أغسطس 2023 (حسب بيانات البنك المركزى المصرى). وفى (٢٠٢٣-٢٠٢٤) تدخل المنطقة فى اضطرابات نتيجة تطوير الصراع الذى تشهده منطقة الشرق الأوسط والذى أثر على الملاحة فى البحر الأحمر مما تسبب فى تراجع إيرادات قناة السويس وزيادة جديدة فى تكاليف شحن البضائع.

من أين استورد السوق المصرى هذا التضخم؟
إذا تأملنا التوزيع الجغرافى لواردات مصر، وفق بيانات البنك المركزى سنلاحظ أن متوسط قيمة واردات مصر من الدول الأوروبية والآسيوية والولايات المتحدة وروسيا نحو 67.5% من إجمالى الواردات المصرية «خلال الفترة 2021/2022 حتى الربع الثالث من 2023/2024» ، أما الواردات من الدول العربية فبلغت نحو 20.5%، ونحو 12% من دول ومناطق أخرى (دول إفريقية غير عربية، وأستراليا، ودول أخرى) خلال نفس الفترة.. ليتبين مما سبق أن النسبة الأكبر من تلك الواردات تأتى من مجموعة دول كبرى مصابة بالتضخم الركودى، ومن هنا استوردت مصر وباقى دول العالم هذا التضخم من هذه الدول فى شكل تكلفة متزايدة للواردات أثرت بشكل سلبى على تكاليف الإنتاج تسببت فى ارتفاع أسعار السلع فى السوق المصرى.

كيف تتأثر الواردات المصرية بالتوترات الجيوسياسية؟
تنعكس التوترات الجيوسياسية على أسعار السلع فى الأسواق العالمية، وإذا كانت الواردات بشكل عام تحتوى على قدر كبير من السلع الضرورية التى لا يمكن الاستغناء عنها، مثل السلع التموينية الغذائية والوقود والأدوية والمواد الوسيطة والتى تلزم لتشغيل عجلة الإنتاج، فإن ارتفاع الأسعار العالمية لتلك الواردات لا بد أن يترتب عليه استيراد التضخم بشكل واضح، وبالتالى ارتفاع أسعارها فى الأسواق، ولذلك تأثرت الواردات المصرية، فبحسب بيانات البنك المركزى المصرى يتضح أن قيمة واردات مصر من السلع الاستهلاكية والوقود والزيوت ومنتجاتها تمثل أكثر من 40% من إجمالى الواردات السلعية (خلال الفترة 2021/2022 حتى الربع الثالث من 2023/2024)، أما الواردات من السلع الوسيطة فتمثل حوالى 35.5% فى المتوسط، أما واردات السلع الاستثمارية فتمثل نحو 10.8% فى المتوسط، والباقى واردات غير موزعة نحو 13.7%.

إلى أى مدى انعكست التقلبات فى أسعار السلع العالمية على القطاع الصناعى؟
كلما ارتفعت الأسعار العالمية للواردات أدى ذلك إلى زيادة واضحة فى التكاليف المحلية، وسرعان ما يظهر تأثيرها فى زيادة الأسعار النهائية للسلع والخدمات داخل الدولة ولا سيما الواردات من السلع الوسيطة كالمواد الخام والسلع نصف المصنعة ومواد الطاقة، فإن ارتفاع أسعار الواردات من هذه السلع يجر معه سلسلة مضاعفة من الارتفاعات السعرية، كما أن ارتفاع أسعار الآلات والمعدات والماكينات المستوردة سيؤدى بالطبع إلى زيادة تكاليف الاستثمار بالداخل، وبالتالى زيادة أسعار المنتجات النهائية.

ما خطط الحكومة للسيطرة على التضخم المستورد؟
عملت الحكومة على السيطرة على معدلات التضخم المستورد من خلال توطين صناعات فى كل المجالات من أجل خفض الواردات وهو ما أعلن عنه رئيس مجلس الوزراء د.مصطفى مدبولى بخصوص مبادرة توطين 152 صناعة فحددت المبادرة الفرص الاستثمارية بعد تحليل تفصيلى للواردات المصرية على مدار 4 سنوات، وتم إعداد قائمة بالمنتجات ذات الأولوية التى طرحت هذه الفرص الاستثمارية من خلالها.

هل ستنخفض معدلات التضخم العالمى خلال هذا العام؟
تحقيق توقعات صندوق النقد الدولى الأخيرة من تراجع معدل التضخم العالمى إلى 4.2% خلال عام 2025، وإلى 3.5% فى 2026 مرهون بعدم تفاقم التوترات الجيوسياسية فى أوكرانيا والشرق الأوسط، وعدم وقوع كوارث طبيعية كبيرة سواء فى الولايات المتحدة أو غيرها وكذلك عدم تنفيذ الرئيس المنتخب ترامب لتهديداته باتباع سياسات حمائية متشددة من شأنها رفع الرسوم الجمركية على الواردات الأمريكية بصفة عامة والواردات الصينية بصفة خاصة.. وبالتالى عودة الحرب التجارية بين الدول الكبرى.

ما اتجاه معدل التضخم فى مصر خلال العام الحالى؟
يتوقع البنك الدولى أن ينخفض معدل التضخم فى مصر خلال هذا العام إلى 17.2%، وأن يهبط فى عام 2026 إلى مستوى 13.6%. أمّا وكالة «ستاندرد آند بورز» فتتوقع انخفاض معدل التضخم فى مصر إلى 23.6% خلال 2025، ينخفض إلى 15% خلال عام 2026 والطبع فإن هذه التوقعات لمعدل التضخم سواء العالمى أو المحلى لعامى 2025 و2026 هى توقعات متفائلة وتفترض استقرار الأوضاع الاقتصادية والجيوسياسية والبيئية. أما فى حال تفاقم الصراعات الجيوسياسية واندلاع حرب تجارية ووقوع كوارث طبيعية كبيرة سيزداد الأمر سوءا وسترتفع معدلات التضخم العالمية وبالتالى ترتفع أسعار السلع الأساسية ولاسيما الغذاء والطاقة وستتأثر الدول المستوردة لهذه السلع الأساسية ومن بينها مصر بشكل كبير، وبالتالى ارتفاع معدلات التضخم المستورد وسيرتفع معه معدل التضخم المحلى فى مصر.

هل من المتوقع أن تنخفض أسعار الفائدة فى البنوك العالمية خلال هذا العام؟
من المعروف أن البنوك المركزية على مستوى العالم تلجأ إلى استخدام سعر الفائدة للسيطرة على معدلات التضخم وبتراجع معدل التضخم العالمى واستقراره عند 4.2% خلال عام 2025 كما سبق الإشارة.. فيتوقع انخفاض أسعار الفائدة العالمية أو تثبيتها على الأقل حتى نهاية النصف الأول من 2025.