في قرية جريس بمحافظة المنوفية، لا يقتصر الطين على كونه مجرد خامة، بل هو ذاكرة متحركة تنبض بالحياة، تنتقل عبر الأجيال لتشكل هوية القرية. ورغم أن صناعة الفخار في جريس قديمة قِدَم التاريخ، إلا أن أهلها لا يتعاملون معها كمجرد مهنة تقليدية، بل كفن وابتكار قادر على التطور والاستمرار. فكيف استطاعت هذه القرية الصغيرة أن تحافظ على إرثها في زمن الحداثة؟ وما الذي يجعل فخار جريس متفردًا عن غيره؟
وفي حوار مع العم "حسن أبو زيد"، أحد أقدم الحرفيين في جريس، تحدث بحنين عن الماضي قائلاً "زمان، كان الفخار هو كل حاجة في بيوتنا. كنا بنستخدمه للشرب، للطهي، وحتى للتخزين. كانت الأفران التقليدية شغالة ليل نهار، والناس كانت بتجيلنا من كل مكان تشتري. دلوقتي الدنيا اتغيرت، بس الفخار لسه عايش لأنه مش مجرد حاجة نستعملها، ده فن."
عندما سألناه عن التغيرات التي طرأت على المهنة، أشار إلى دخول الأدوات الحديثة مثل العجلات الكهربائية والأفران المطورة، والتي سهلت الإنتاج ولكنها، في رأيه، أخذت جزءًا من "روح الصناعة اليدوية". كما تحدث عن قلة الإقبال من الأجيال الجديدة، لكنه عبّر عن سعادته برؤية بعض الشباب يعيدون إحياء الحرفة بلمسات إبداعية حديثة.
للتعرف أكثر على أسرار هذه الحرفة، قررنا خوض تجربة يوم كامل في ورشة أحد الحرفيين الشباب. بدأنا بملامسة الطين النيلي، ذلك المزيج الطري الذي يحتاج إلى توازن دقيق بين الماء والتراب ليصبح جاهزًا للتشكيل.
جلسنا أمام عجلة الفخار، وبينما كانت تدور بسرعة تحت أيدينا، حاولنا تشكيل كوب بسيط. كانت التجربة أصعب مما تبدو، حيث يتطلب الأمر تحكمًا دقيقًا في الضغط بالأصابع لتشكيل القطعة دون أن تنهار. بعد عدة محاولات، وبمساعدة الحرفي، نجحنا في صنع إناء صغير، لكن التحدي الأكبر كان في مرحلة الحرق داخل الفرن، حيث يتحول الطين إلى فخار صلب.
ما تعلمناه من هذه التجربة أن صناعة الفخار ليست مجرد عمل يدوي، بل هي فن يحتاج إلى الصبر والإحساس بالتوازن. كل قطعة تحمل في داخلها قصة، وكل حركة لليد تترك بصمتها على الطين.
وفي لقاء مع مجموعة من شباب جريس، كان هناك تباين في الآراء حول مستقبل صناعة الفخار. أحمد، 27 عامًا، يعمل في مجال الفخار لكنه أدخل عليه تقنيات حديثة، مثل الرسم بالليزر والنقش اليدوي، وقال:
"أنا شايف إن الفخار ممكن يكون مهنة مستقبلية لو عرفنا نسوقه كويس، ونطور المنتجات بحيث تناسب العصر."
أما سلمى، طالبة جامعية تساعد والدها في بيع الفخار عبر الإنترنت، فتؤكد أن التسويق الإلكتروني منح الحرفة فرصة جديدة للحياة:
"دلوقتي الزبون مش لازم ييجي الورشة، ممكن يشوف المنتجات على الإنترنت ويطلبها. عندنا عملاء من القاهرة والإسكندرية وأحيانًا من دول تانية."
اقرأ أيضًا| نجوى علي رئيسًا لوحدة «منصة أيادي مصر» بمحافظة الأقصر
لكن في المقابل، يرى البعض أن الاعتماد على هذه المهنة وحدها قد لا يكون كافيًا، خصوصًا مع التحديات الاقتصادية وارتفاع أسعار المواد الخام. ومع ذلك، فإن الشغف بهذا الفن يدفع العديد من الشباب للبحث عن طرق إبداعية لإبقائه حيًا.
كيف يمكن أن تصبح جريس مركزًا عالميًا لتصدير الفخار المصري؟
على الرغم من أن صناعة الفخار في جريس تحمل تاريخًا عريقًا، إلا أن فرصتها في التصدير لا تزال تحتاج إلى تطوير. هناك عدة خطوات يمكن أن تضع القرية على الخريطة العالمية في هذا المجال
اقرأ أيضًا| «نماذج رائدة ونقاط مضيئة».. قرى مصرية تصل العالمية
أهمها التسويق الرقمي والتجارة الإلكترونية:
يجب أن تتبنى الورش المحلية استراتيجيات رقمية حديثة، مثل إنشاء متاجر إلكترونية على منصات عالمية مثل "إتسي" و"أمازون هاند ميد"، حيث يزداد الطلب على المنتجات الحرفية الفريدة.
والتعاون مع المصممين العالميين:
يمكن للحرفيين التعاون مع مصممي الديكور والموضة لابتكار تصاميم تجمع بين التراث المصري والأساليب العصرية، مما يزيد من جاذبية الفخار للأسواق الأوروبية والأمريكية.
والاعتراف الدولي وعلامة الجودة:
إنشاء علامة تجارية موحدة لفخار جريس، مع شهادات توثيق الجودة، يمكن أن يعزز الثقة في المنتج المصري ويفتح له أسواقًا أوسع.
والتوسع في السياحة الحرفية:
يمكن استغلال شهرة جريس في مجال الفخار لجذب السياح عبر تنظيم ورش عمل وتجارب مباشرة للزوار، كما تفعل دول مثل المغرب والهند في مجالات مشابهة.
اقرأ أيضًا| القري المنتجة| أشمون.. سفراء التصدير للخارج
وبين الماضي والمستقبل:
الفخار في جريس ليس مجرد صناعة، بل هو تراث حي يتطور ويتكيف مع الزمن، بفضل حب صانعيه وإبداعهم. وبينما تتغير استخداماته وأشكاله، يبقى جوهره متجذرًا في روح القرية، شاهدًا على قدرة الإنسان على تحويل أبسط المواد إلى قطع تنبض بالجمال والتاريخ.

محافظ الجيزة يتفقد لجان امتحانات الشهادة الإعدادية فى أبو النمرس
محافظ الجيزة: أعمال توسعة وتطوير لشارع كفر طهرمس
محافظ الجيزة يتفقد موقع أعمال تطوير طريق المريوطية







