على أطراف الزمن، حيث تمتزج الحرف بالهوية، تقف قرية ساقية المنقدي بالمنوفية كقصيدة حية ترويها أنامل صُنّاعها، ليست مجرد قرية على خارطة الريف المصري، بل ورشة مفتوحة على الإبداع، حيث يتحول الصدف الهش إلى تحفٍ صلبة تحمل بصمة التاريخ، ويتعانق مع الأرابيسك في مشهد يعكس عبقرية الحرفي المصري، في أزقتها، لا تسمع سوى صوت الأزاميل وهي تنحت تفاصيل الجمال، ولا ترى إلا أعينًا تتأمل كل قطعة وكأنها تحفة ناطقة بحكاية البحر والتراث.

حكاية الصدف والأرابيسك.. فن التفاصيل الدقيقة
منذ عقود طويلة، لم تكن صناعة الصدف مجرد مهنة في ساقية المنقدي، بل إرثًا تتوارثه الأجيال، تمامًا كما هو الحال مع فن الأرابيسك، تلك الزخارف الخشبية المتشابكة التي تعدّ من أعظم إبداعات الفنون الإسلامية، وُلد الاثنان من قلب الحضارة المصرية، حيث اجتمعت دقة الحرفيين مع عشق التفاصيل، فكان من الطبيعي أن يتكامل الصدف والأرابيسك في تحف فنية تُزين الأثاث والمشغولات اليدوية، فتجمع بين ليونة البحر وصلابة الخشب.

في ورش ساقية المنقدي، يتعامل الحرفيون مع قطع الصدف كما لو كانت قطع ألماس، يتم تقطيعها بدقة وتطعيمها داخل الأخشاب المحفورة بنقوش الأرابيسك، فتخرج قطع فنية فريدة، سواء كانت صناديق مزخرفة، أو طاولات شرقية، أو أبوابًا تعكس سحر العمارة الإسلامية.

إبداع يتحدى الزمن.. من الماضي إلى المستقبل
رغم أن هذه الفنون تحمل بصمة الماضي، فإنها وجدت طريقها إلى الحداثة، حيث بدأ الحرفيون في تطوير تصميماتهم لتواكب الأسواق العصرية. فلم تعد الأعمال مقتصرة على الطراز الإسلامي التقليدي، بل أصبح هناك دمج بين الأرابيسك والأنماط الحديثة، لتناسب ديكورات المنازل العصرية والفنادق الفاخرة.
لكن كما يحتاج الصدف إلى يد حانية تحميه من الكسر، تحتاج هذه الصناعة أيضًا إلى دعم يحميها من الاندثار. فبين نقص المواد الخام، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وضعف الترويج لهذه الحرف عالميًا، يواجه الحرفيون تحديًا كبيرًا للحفاظ على هذا الإرث الفني.

ساقية المنقدي.. بصمة مصرية تتحدث كل اللغات
لا تزال ساقية المنقدي تحتفظ بمكانتها كإحدى القرى المصرية الرائدة في الصناعات الحرفية، ويظل صناعها سفراء للفن المصري الأصيل، وبينما يتجه العالم نحو تقدير الفنون اليدوية كرمز للأصالة، تقف هذه القرية شاهدة على أن الصنعة المصرية لا تموت، بل تتجدد مع كل جيل، تمامًا كالأمواج التي لا تتوقف عن معانقة الشاطئ.

وزير الصحة: مدينة اللقاحات بالإسماعيلية مشروع للأمن القومي
ارتياح بين طلاب الأدبي بالإسماعيلية الأزهرية بعد امتحان اللغة الإنجليزية
مكتبة الإسكندرية و«الإيسيسكو» تبحثان إطلاق مشروعات مشتركة لصون التراث






