أصل الحكاية|

«مشروع التجلي الأعظم».. رؤية تراثية عالمية لتطوير «سانت كاترين»

صورة موضوعية
صورة موضوعية


في قلب سيناء، حيث تلتقي الروحانية بجلال الطبيعة، انطلق مشروع "التجلي الأعظم" ليعيد إحياء واحدة من أقدس البقاع في العالم، مدينة سانت كاترين، هذه المنطقة، المسجلة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو منذ عام 2002، تمثل رمزًا للسلام والتسامح الديني.

اقرأ أيضًا| أرض الفيروز منتجع متكامل لإحياء التراث السيناوى

بتوجيهات القيادة السياسية، بدأ تنفيذ المشروع في يوليو 2020 ليعكس مكانة سيناء التاريخية والدينية ويعزز من قيمتها السياحية والاقتصادية.

وفي هذا السياق، أكد الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، أن مشروع "التجلي الأعظم" يمثل قيمة عالمية استثنائية تهدف إلى خلق مزار روحاني على جبل موسى وجبل التجلي، وإحياء مسار نبي الله موسى، مع الاستثمار الأمثل لمقومات سانت كاترين الطبيعية والتراثية.

 مشروع التجلي الأعظم وقيمته الحضارية والتراثية:

أولًا: مشروع التجلي الأعظم – رؤية شاملة:

انطلق مشروع التجلي الأعظم في 21 يوليو 2020، عندما زار الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، سانت كاترين برفقة عدد من الوزراء والمسؤولين، حيث تم الاستماع إلى رؤية كافة الأطراف المعنية، بما في ذلك رهبان دير سانت كاترين، مفتشو الآثار، مسؤولو البيئة، وأهالي المنطقة. وفقًا للدكتور ريحان، تم وضع خطة المشروع بما يتماشى مع معايير اليونسكو، وبدأ التنفيذ الفعلي في عام 2021 عبر 14 مشروعًا رئيسيًا.

اقرأ أيضًا| افتتاح معرض التراث السيناوي بجامعة العريش

ويهدف المشروع، إلى إنشاء منطقة سياحية متكاملة تغطي مساحة 2 مليون متر مربع، تربط بين جبل موسى وجبل سانت كاترين، وتوفر أكثر من 5000 فرصة عمل في مختلف المجالات، من الهندسة إلى الحرف التقليدية، ما يعزز من التنمية المستدامة في المنطقة.

ثانيًا: ارتباط التراث السيناوي بالمشروع:

يشدد الدكتور ريحان على أن مشروع التجلي الأعظم لا يقتصر على تطوير البنية التحتية فقط، بل يجب أن يشمل الحفاظ على التراث الثقافي اللامادي لسيناء، الذي يمثل قيمة عالمية تستحق التوثيق والتسجيل في اليونسكو.

يشمل هذا التراث الحرف التقليدية، الفنون الشعبية، العادات والتقاليد، وأنماط المعيشة، حيث يمكن تقديم ملف خاص بعنوان "منتجات التجلي الأعظم"، يكون بمثابة علامة تجارية للمنتجات السيناوية المميزة.

اقرأ أيضًا| محافظ شمال سيناء يفتتح متحف التراث السيناوي بالعريش

ثالثًا: الصناعات والحرف التراثية في سانت كاترين:

تشكل الصناعات التقليدية جزءًا مهمًا من هوية سيناء، إذ تحترف النساء السيناويات حياكة الخيام البدوية من شعر الإبل والصوف، وتصنعن ملابس تقليدية مصبوغة بجذور النباتات.

كما تشتهر سيناء بصناعة الكليم البدوي، الذي يحمل نقوشًا مستوحاة من البيئة الصحراوية، بالإضافة إلى الحلي اليدوية التي تعكس التراث السيناوي.

ويضيف الدكتور ريحان أن هناك مشروعات رائدة في تطوير الصناعات التراثية، مثل مشروع السيدة سليمة، الذي حصل على منحة من المفوضية الأوروبية، وتمكنت من خلاله من تدريب مئات السيدات البدويات على إنتاج مشغولات يدوية فريدة تمثل روح سيناء.

رابعًا: العادات والتقاليد السيناوية:

يبرز التراث السيناوي في الممارسات الاجتماعية والعادات الفريدة، مثل تقاليد الزواج التي تتضمن مهرًا خاصًا لكل فتاة، حيث يكون مهر بنت العم خمسة جمال، بينما يكون مهر العروس من خارج القبيلة عشرين جملًا.

أما مراسم الزواج، فتقام في خيمة كبيرة تُعرف بـ"البرزة"، وترافقها احتفالات تشمل الرقصات البدوية مثل "الدحية"، حيث يؤدي الرجال رقصة جماعية على أنغام الربابة.

اقرأ أيضًا| افتتاح معرض التراث السيناوي بجامعة العريش

خامسًا: المطبخ السيناوي – هوية متجذرة في التاريخ:

يتميز المطبخ السيناوي بأكلات مستوحاة من الطبيعة الصحراوية، مثل الجريشة، العصيدة، الدفينة، والمفروكة. كما يُعرف السيناويون بطريقة خبز فريدة، حيث يُخبز الخبز على الجمر أو فوق الصاج، ما يمنحه نكهة مميزة.

سادسًا: الطب التقليدي في سيناء:

يعتمد سكان سانت كاترين على الأعشاب الطبيعية في الطب التقليدي، حيث يستخدمون اللصف لعلاج الروماتيزم، والقيصوم لعلاج التهابات العين، والعاذر لمشاكل المعدة.

ويشتهر الدكتور أحمد منصور في المنطقة بكونه أحد أبرز المعالجين بالأعشاب، حيث يجمعها بنفسه من جبال سيناء، وهو ما تم توثيقه في الفيلم الوثائقي "حكيم سيناء".

سابعًا: النباتات الفريدة في سانت كاترين:

تضم سيناء مجموعة نادرة من النباتات الطبية، مثل شجرة الطرفاء التي تُعرف بشجرة "المن"، والتي كانت مصدر طعام لبني إسرائيل خلال رحلة التيه، كما يستخدم السيناويون عشبة الشيح لتبخير المنازل وطرد الثعابين، إضافة إلى كونها عنصرًا أساسيًا في بعض الأطباق التقليدية.

اقرأ أيضًا| «شمال سيناء»: منتجات تراثية بأذواق أوروبية

ثامنًا: المنتجات السيناوية كجزء من مشروع التجلي الأعظم:

يؤكد الدكتور ريحان ضرورة تبني مفهوم "منتجات التجلي الأعظم"، بحيث تُدمغ جميع المنتجات السيناوية بهذا الاسم، ما يمنحها هوية تجارية عالمية ويوفر لها حماية قانونية. كما يقترح أن يتم تسجيل هذه المنتجات في اليونسكو ضمن قائمة التراث الثقافي اللامادي، مما يساهم في تسويقها عالميًا وتعزيز السياحة الثقافية في سيناء.

تاسعًا: دعم وتسويق المشروع عالميًا:

يشير الدكتور ريحان، إلى أهمية إشراك شركات كبرى في عملية التسويق والترويج لمشروع التجلي الأعظم، من خلال تطوير نماذج تراثية مستوحاة من سانت كاترين، مثل مجسمات لشجرة العليقة المقدسة، وجبل موسى، ومقتنيات مستوحاة من دير سانت كاترين، ما يسهم في دعم السياحة الثقافية والبيئية في المنطقة.

اقرأ أيضًا| صور| متحف شرم الشيخ يستعرض بعض مقتنياته الهامة

يعد مشروع التجلي الأعظم نموذجًا فريدًا للتنمية المتكاملة التي تجمع بين الحفاظ على التراث والتطوير السياحي والاقتصادي، من خلال استثمار المقومات الثقافية والبيئية لسانت كاترين، يمكن لهذا المشروع أن يصبح مركزًا عالميًا للسياحة الروحية والثقافية، مع تعزيز الهوية التراثية لأهل سيناء. 

وكما أشار الدكتور عبد الرحيم ريحان، فإن دمج التراث السيناوي ضمن المشروع والترويج له عالميًا هو المفتاح لضمان استدامة هذه المبادرة الفريدة.