ما هى المواطنة ؟ وما علاقة الدين بالمواطنة ؟ وكيف أنه لا يوجد تعارض بينهما
( الهوا سلطان) ، و(ستة أيام) ، و(البحث عن منفذ لخروج للسيد رامبو) ، و(الحريفة) ، و(بضع ساعات فى يوم ما) ، ومجموعة من الأفلام المصرية الجديدة يصنعها كتاب و مخرجون ونجوم شباب مبشرين بسينما مختلفة ، سينما أبطالها وصناعها شباب قريبون جدًا من الجمهور الحقيقى للسينما ، فالسينما بالأساس فن يقدم للشباب ويحكى حكاياتهم وأحلامهم وآمالهم ويعرض آلامهم ، سينما تحكى عن الحب والصداقة والمشاعر المتباينة التى تشغل ذلك الجيل المولود فى مطلع القرن الواحد والعشرين والذى إنتهى رُبعه وصار من الطبيعى أن يظهر لهذا الجمهور نجومه الذين يشبهونهم ، وإستطاع هؤلاء النجوم أن يحصلوا على حب الجمهور فصار هناك جمهور جديد يختار كلا من (عصام عمر) و(نور النبوي) و(أحمد غزي) و(طه دسوقي) و(أحمد داش) و(آية سماحة) و(راكين سعد) و(أسماء جلال) و(سلمى أبو ضيف) وغيرهم من النجوم الشباب الذين صار لهم جمهورهم العريض الذى يدفع لهم ثمن التذكرة ويدخل ليشاهد حكاياتهم بعد أن مل من الحكايات المكررة ، صار هناك المنتج الجريء الذى ينتج فيلمًا بقصة بسيطة تخاطب أحلام الشباب البسيطة ليجد بعدها جمهورًا يعوض له تكلفة الفيلم ويزيده عليها أرباحًا كثيرة ، إنها بداية سينمائية جيدة رغم أنها مازالت تحتاج إلى الكثير من الدعم ،
هناك جهات كبيرة قادرة على إنتاج أفلام عالية التكلفة بنجوم كبار أجورهم لا يتحملها المنتج العادى وتُحقق أرباحًا كبرى ، لكن ذلك لا يعنى أبدًا أن السينما حِكر على ذلك النمط الإنتاجى وحده ولكن على العكس تمامًا فإن السينما قليلة التكلفة كثيرة الفن وحدها هى السينما القادرة على خلق سينما جديدة وعصرية ومعبرة عن هوية ذلك البلد ، الأمر بالطبع ليس سهلًا ولا يقتصر على النجوم الجُدد ولكن السينما الجديدة تحتاج إلى تيار وعى جديد يتمثل فى مخرجين وكتاب وصُناع سينما على درجة رفيعة من الوعى والثقافة والقدرة أيضًا على ضخ حكايات جديدة ، حكايات تعكس طبيعة وروح المصريين فى مواجهة موجة التغريب وإستيراد الهويات التى سادت خلال الثلاثين عامًا الماضية ، لقد عانى الجمهور لسنوات من الفرجة على قصص لا تمت إليهم بصلة وتاه بين (كومبوندات) مليئة بالقصور وشوارع وحارات فقيرة تزعق وترطن رطانة وسجع يرضى أذواق آخرين ويُرسخ صورتهم الذهنية عن فقراء مصر الذين يتميز ذكورهم بالبلطجة ونساؤهم بالفجاجة وسوء الخلق ، أما المهن المتداولة فى تلك الأفلام فهى قاصرة على اللصوص والقتلة وكأننا بلد تم إختصاره فى شارعين ، شارع مليء بالقصور والحفلات الفاحشة وشارع آخر ضيق قذر حقير ليس به إلا مجموعة شباب لصوص نصف عرايا لا يتمتعون بأى درجة من درجات الوعى أو التعليم أو الثقافة لكنهم قادرون رغم كل ذلك الفقر والجهل على التخطيط ، تخطيط شيطانى عبقرى أمريكى التفاصيل مذهلة الإيقاع حتى يحصلون على ثروة القصر الماجن الموجود فى الشارع المجاور ، إنها كذبة سينمائية تعرض على الشاشات من أجل إرضاء جمهور لا يمت لنا بصلة ولا تعكس أى مجتمع على الاطلاق لكنها ترضى مجموعة من الأشخاص يتبادلون الضحك فى غرفاتهم الخاصة ويمدحون بعضهم البعض وينتجون المزيد من الأفلام التى لا تمت للجمهور المصرى بصلة ، وهنا نعود للخطوة الجيدة والإيجابية والتى تمثلت فى تلك الأفلام المصرية الشابة المصنوعة بجودة معقولة ووجوه شابة وكتاب ومخرجين شباب ، إنها خطوة تحتاج إلى الكثير حتى يكتمل مشوار الألف ميل ، يحتاج الأمر ــــ وهو يستحق تمامًا ــــ المزيد من المواهب فى كل المجالات ، يحتاج الأمر إلى دعم كامل وكبير من شركات الإنتاج المحلية وخلق جيل جديد كامل من الكتاب والمخرجين والنقاد أيضًا لتنجو السينما المصرية من فخ التزوير الذى وقعت فيه لسنوات طويلة ، تزوير الواقع وتزوير القصص وتزوير المعانى أيضًا ، فالسينما هى ضمير من الضمائر المهمة ومرآة صادقة من مرايا الحياة فضلًا عن أنها وثيقة مهمة من وثائق الشعوب وتاريخها الإجتماعى ، والسينما فى مصر صناعة وتجارة عريقة ممتدة تستطيع حينما تستعرض شريطها أمام عينيك أن تعرف الكثير عن مصر الأربعينات والخمسينات والستينات والسبعينات والثمانينات والتسعينات ، تستطيع أن تعرف شوارعها وسلوك البشر فيها ، ولا يليق بها أبدًا أن تكون إنعكاسًا مائعًا غامضًا مُضللًا يجعل الأجيال فى المستقبل لا تتعرف على شكل مصر الحقيقى حينما يشاهدون أفلام فترة التضليل السينمائى والهوية المنزوعة لحساب هويات بديلة لا تمت لنا بصلة ، شاهدت فى العامين الماضيين مشاريع دفعات التخرج فى معهد فنون مسرحية وكان بها عدد المواهب التى تُشعرك بالفخر والإطمئنان تجاه المواهب فى مصر كذلك يقدم (خالد جلال) كل فترة عددًا كبيرًا من الشباب والشابات الموهوبين ، وتظل مصر هى البلد القادر على صنع وولادة النجوم والنجمات دون أن تُحدث ولو لحظة واحدة قطيعة بين الأجيال منذ جيل يوسف وهبى وذكى طليمات ونجيب الريحانى وأمينة رزق وفاطمة رشدى وليلى مراد ومرورا بجيل أنور وجدى و من بعده شكرى سرحان وأحمد مظهر وكمال الشناوى ورشدى أباظة وعمر الشريف وفاتن حمامة وشادية وماجدة الصباحى ، ومريم فخر الدين ونادية لطفى وهند رستم وحتى جيل نور الشريف ومحمود ياسين وعادل إمام ومحمود عبد العزيز وسعاد حسنى وميرفت أمين ونجلاء فتحى ونادية الجندى ونبيلة عبيد وليلى علوى والهام شاهين ويسرا ومن بعدهم جيل الوسط محمد هنيدى وأحمد حلمى وكريم عبدالعزيز وأحمد السقا وأحمد عز ومن بعدهم محمد فراج ومحمد ممدوح واحمد داود وأكرم حسنى وتامر حسنى وشيكو وهشام ماجد وأحمد فهمى ووصولًا إلى جيل داش وغزى وعصام عمر وسلمى أبو ضيف وركين سعد وآية سماحة وهدى المفتى ،
ظلت السينما المصرية قادرة على تقديم جيل وراء جيل وأن تربط جمهورها العريض تباعًا بتلك الأجيال دون توقف ، أجيال إستطاعت أن تستحوذ على محبة الجماهير ، ليس فقط فى حدود مصر ولكن تجاوزتها لتشمل حدود الوطن العربى من المحيط إلى الخليج وسيظل النجاح داخل حدود مصر هو النجاح الأكبر والأكثر تأثيرًا ولن يشعر نجم مصر أو عربى بطعم نجاح يوازى طعم النجاح داخل الشارع المصرى ، النجم ينجح بتأييد عن ما يزيد عن مائة مليون إنسان على إختلاف أذواقهم ، إنه ينجح نجاحا مدويا ، نجاحا مع جمهور من الصعب جدًا أن تُضحكه فهو الجمهور صاحب الدم الأخف على مستوى المنطقة العربية وهو الجمهور صاحب الخبرة الأعلى فى المشاهدة ولن يَقنع أو يرضى إلا بالموهبة الحقيقية اللامعة ، ومن هنا كان النجاح فى مصر هو صك النجومية الذهبى الذى يجعل من الموهوب نجمًا لامعًا فى سماء الفن ، من هنا كان الحفاظ على ثروة مصر الفنية واجبًا قوميًا ودعائيًا وسلاحًا حقيقيًا من أسلحة الوعى ،
ربما حبا الله بعض البلدان بثروات معدنية أو مادية ، وكذلك حبا الله أهل مصر بتلك الثروة الفنية الثقافية التى تُميزها وتجعلها سراجًا وهاجًا يضيء لنا نتطلع إليه فيُبدد الظلمة وينعش الروح ويعيد الثقة ويرفع الطاقة الإيجابية ويزيد المواطن فخرًا بمصر و فنها و فنونها و كل فنان نبت على أرضها وأثمر لها فنًا حلو المذاق طيب المعنى عجيب الإبداع .

السيد النجار يكتب: ومـاذا عن..؟
حكايات من دفاتر الآثار
أسرار جائزة مصطفى وعلى أمين







