كنوز| تحية كاريوكا تحاور «سليط اللسان» !

تحية كاريوكا - سناء البيسى ترسم لقاء تحية بالبندارى - جليل البندارى
تحية كاريوكا - سناء البيسى ترسم لقاء تحية بالبندارى - جليل البندارى


طلب الكاتب أنيس منصور رئيس تحرير مجلة « الجيل « من الفنانة تحية كاريوكا أن تُجرى حواراً مع الكاتب سليط اللسان جليل البندارى، وكأنه أراد أن يطرق الحديد بالحديد، فتحية وجليل كان بينهما ما صنع الحداد، «كاريوكا» اشترطت على أنيس أن ينشر الحوار بدون حذف كلمة، وحضرت اللقاء الفنانة سناء البيسى التى كانت تمارس الرسم فى ذلك الوقت، ووجد جليل البندارى أن شلفطتات «البيسي» أحسن من أن يرى الناس صورته فقال لها: « أحسن صورة رُسمت لي، أستخرجى منها دستتين لأوزعها على المعجبات»، وهيا بنا نص الاشتباك بين تحية كاريوكا وسليط اللسان جليل البندارى .

اقرأ أيضًا| شاركت في المقاومة.. ما لا تعرفه عنه تحية كاريوكا

تحية: كم يبلغ عمرك؟

جليل: عشرين سنة نقد .

تحية: تقصد 20 سنة طولة لسان !

جليل: بعض ما عندكم، أنتِ الآن تلعبين دور صحفية فيجب مراعاة الأدب !

تحية : لا يمنع أن أبدى رأيى فيك لأنك بتتدخل فى حياتنا وتجرح شعورنا ؟ 

جليل : أنا لا أجرح شعور الناس، الطبيب إذا أراد أن يعالج إنساناً فإنه يطلب أن يحلل دمه، وأنا أحياناً استعمل المشرط لكى أحلل عملاً فنياً وهذا مبدأ معروف، عندما يطرح الفنان عمله يصبح فى حوزة الجمهور، ويحق للنقاد والجمهور انتقاد أعماله وتصرفاته، وعندما أقول إن تحية كاريوكا تجيد «هز البطن»، فلا يعتبر هذا الكلام قذفاً أو سباً، بل يعتبره القانون مدحاً، لأن المعروف عن تحية أنها راقصة وتحترف «هز البطن»، أما إذا تكلمت عن سيدة أخرى غير الفنانات وقلت: إنها تجيد الرقص فإن القانون يعتبر هذا سباً وقذفاً، ويصبح من حقها أن تقاضيني. 

تحية : هذا المبدأ لم تأخذ به المحاكم؟

جليل: بل أخذت، وآخر قضية كسبها عبدالوهاب وإحسان عبدالقدوس وصلاح عبدالصبور من محمد البحرابن سيد درويش عندما تعرضوا له، وقالوا: إنه كان يتعاطى المكيفات، وكل الذين تناولوا حياة وفن سيد درويش بالدراسة لم يغفلوا تصرفاته الخاصة. 

تحية : ولماذا تمنع الآخرين عن الحديث فى حياتك الخاصة؟

جليل : أنا مش نجم وحياتى الخاصة لا تهم الناس .

تحية : أنا غير مقتنعة .

جليل : لأنك غبية! 

تحية : وأنت أغبى لأنك لم تستطع أن تقنعنى بوجهة نظرك ! 

جليل : من غير أباحة! الفرق بينى وبينك إنك نجمة وصورتك دائماً أمام الناس، أما أنا فأكتب من وراء الكواليس، أنت تلتقين بالناس وجهاً لوجه، وأنا ألتقى بهم عندما أخلو مع القلم والورق. 

تحية: ولكنك كاتب مشهور ومن حق الناس تعرف عنك كل شيء ؟

جليل : ومن قال لك أنى مشهور؟ 

تحية: على الأقل مشهور بقلة الحيا، مش أنت «جليل الأدب « ؟ 

جليل : أنا «أبيح» ولست قليل الأدب، والأبيح لا يضر الغير أما قليل الحيا بيؤذى المجتمع! 

تحية : ما الذى جعلك تشتغل ناقداً سينمائياً ؟ 

جليل : أنا بدأت حياتى كاتب قصة، وأنتِ عرفتينى من قلمى .

تحية : وأنتَ عرفتنى منين ؟ 

جليل : من الصاجات وهز البطن !

تحية : لو لم تشتغل صحفياً كنت تتمنى تكون ايه ؟

جليل : جراح بيطرى علشان أخفف آلام الطيور والحيوانات، وخاصة القرد الذى أشعر نحوه 
بعاطفة، وكلانا رسالته الترفيه عن الناس .

تحية : هذا صحيح لأن وجودك أكبر دليل على صحة نظرية داروين!

جليل : وأنتِ تعرفين داروين منين؟ 

تحية : من الكتب يا «جليل الأدب» ، ليه بطلت تكتب أغاني؟ 

جليل : الحياة فى الغنوة ألذ من كتابتها

تحية : ايه الأغنية التى كتبتها من قلبك ؟

جليل: كل أغنية كتبتها لها عندى ذكريات ولها قصة زى أغنية «سوق على مهلك» لشادية، كتبتها يوم وفاة صديقى المذيع عبدالوهاب يوسف وجاء جزء كبير منها رثاء فيه فى المقطع الذى أقول فيه «على ايه تجرى كفاية علينا العمر بيجرى من حوالينا». 

تحية : أيهما أهم الكلمات أم النغمة ومن هو أحسن مطرب ؟ 

جليل : الكلمة تسبق اللحن وهى الأصل، وأنا لا أستمع إلى المطربين الرجال ! لأننى لا أطيق منظر رجل يغنى حتى لو كان عبدالوهاب وفريد الأطرش وعبدالحليم حافظ. 

تحية : ما رأيك فى فيلم «وإسلاماه» وتجسيدى لشخصية شجرة الدر؟ 

جليل : الفيلم يذكرنى بالسائح الأمريكى الذى يتباهى بالطربوش فى شوارع القاهرة، ورأيى أنك راقصة وممثلة عظيمة !!

اقرأ أيضًا| تحية كاريوكا عدوة النمل

تحية : من هو أحسن ناقد ؟

جليل : كمال الملاخ لأنه كتب نقداً فى 1954 عندما اكتشف خطأ تاريخيًا وقع فيه جميع المثالين والرسامين الذين رسموا «آدم وحواء» لهم « سرة « فى البطن، والمفروض أن «آدم» خُلق بدون سرة، وكذلك حواء التى خُلقت من ضلوعه ! 

تحية : لماذا تجرى وراء الأخبارأكثر من النقد؟ 

جليل : الأخبار تحتوى على معلومات يستفيد منها القارئ، أما النقد فهو رأى قد يكون مفيداً أو لا أحد يستفيد منه، والناقد يصف كل عمل فنى بأنه ردئ وفاشل، يخشى أن يصف أى عمل بأنه جيد وناجح حتى لا يُتهم بأنه يقوم بعمل دعاية قبض ثمنها !

تحية : ما هو أضعف نقد قرأته؟

جليل : النقد الذى كتبه صديقى عبدالفتاح البارودى لأغنية عبدالوهاب «لا تكذبي» فقد تساءل عن المجال الدرامى فى هذه الأغنية مثلما يتساءل عن أرسطو فى أى شيء يكتبه، مع أن عبدالوهاب بلغ ذروة الدراما فى لحنه لقصيدة كامل الشناوى فى البيتين» : فرأيت انك كنت لى قيداً حرصت العمر ألا أكسره فكسرته ورأيت أنك كنت لى ذنباً سألت الله ألا يغفره فغفرت». 

تحية : لو كانت لك ابنة ممثلة وتصرفت تصرفاً يسيء إليك ؟ 

جليل : فى حال الإساءة لى أكتب قصة حياتها بالرصاص، وليس بالقلم الرصاص. 

«الجيل» - 30 أكتوبر1961

 

توفيق الحكيم يحدد أهمية ومتطلبات «كرامة الفكر»

القوة الحقيقية للقلم هى أن يستطيع أن يقول ما يريد، وقتما يريد أن يقول!، والرجولة الحقيقية هى أن يبذل المرء دمه وماله، وراحته وهناءه، ودعته واطمئنانه، وأهله وعياله، وكل أثيرٍ عنده وعزيز عليه، فى سبيل شيء واحد هو «الكرامة»، والكرامة الحقيقية هى أن يضع الإنسان نفَسه الأخير فى كفَّة، وفكرته ورأيه فى كفَّة، حتى إذا ما أرادت الظروف وزنَ ما فى الكفتين رجحت فى الحال كفَّة رأيه وفكره.

كل عظماء التاريخ كانوا كذلك، ومصرعرفت ذات يومٍ رجالًا كثيرين من هذا الطراز، رجالًا لم يترددوا فى تضحية كل شيء من أجل فكرةٍ، والنزول عن كل متاع من أجل رأى، بمثل هؤلاء الرجال ربحت مصر كثيرًا فى حياتها المعنوية والفكرية، بل إننى لا أبالغ إذا قلت إن الأمم لا تُبنى ولا تقوم إلا على أكتاف هؤلاء، وإن الخطأ المخيف هو يوم تخلو أمة من أمثال هؤلاء، نعم، وإنه ليُخالِجنى الآن شيء من القلق؛ فناموس اليوم هو وَطء الفكرة بالأقدام ركضًا خلف الجاه الزائف والمال الزائل! ولقد حُقَّ لنا جميعًا أن نسأل : هل يطول غضب الله علينا فلا يُظفرنا بهؤلاء العظماء الذين يستطيعون أن يردوا الاعتبار إلى قيمة الرأي، ويُطهروا النفوس من درن المادة، ويعيدوا المُثل العليا النبيلة إلى مجدها القديم؟

هذا قول قلتُه منذ أعوام، وأقوله اليوم أيضًا، وأنا واثقٌ أن فى مصر عددًا كبيرًا من العقلاء الذين يستطيعون تمحيص المسائل، وبحث المشكلات، وإبداء الرأى الذى ينفع البلاد، ولكنهم يطوُون الرأى فى الصدور، أو يهمسون به فى الآذان، ولا يعرضونه بجرأة، أو ينادون به فى إيمان، خشية أن يتعرضوا لهجوم، أو يلحق مصالحهم ضرر موهوم، هذا التنحى من الناضجين والأكفاء عن المشاركة فى توجيه الرأى العام، هو الذى يُوجد فى مجال الآراء حالة تشبه الحكم المطلق ؛ إذ تَستبد فكرةٌ واحدةٌ بعقول الناس، ويطغى رأيٌ واحد على تفكير الجماهير، فتؤمن دون مناقشة بالقول الغالب، وتنساق دون وعيٍ بالرأى الجارف، نحن الذين نفرض على أنفسنا الحكم المطلق، إننا نُفضِّل دائمًا أن نقبل رأى غيرنا الذى لا نؤمن به، على أن ندفع فى سبيل رأينا بعض الجهد أو بعض الغُرم، ما من نظامٍ فى الوجود يكفُل الحرية لإنسانٍ يخشى أو يكسل أو يهمل فى إبداء رأيه الحر، إذا أردتم الكرامة الآدمية افحصوا كل رأى بعقولكم، ولا تقبلوا جزافًا وبغير تفكيرٍ آراء غيركم، إن الكلب على مروءته مُحتقَر، لا لشيء إلا لأنه قبِل بلا صعوبة أن يضع أصدقاؤه فى عنقه قيدًا وإن كان من ذهب !
توفيق الحكيم من كتاب «تحت شمس الفكر»

 

هل سمعتم عن «الزمبوك»؟

أقصد هل روى لك جدك أو أبو جدك أو حتى والدك العجوز عن البلسم العشبى العجيب لعلاج القطوع والحروق والجروح والبواسير المعروف فى الصيدليات ومخازن الأدوية باسم «الزمبوك» المُستورد من ألمانيا؟

ها هو إعلان عنه منشور فى مجلة «آخر ساعة» تقول سطوره: «كل منا معرض للإصابات كل يوم، فأحتفظ بعلبة «زمبوك» دائماً وكن مستعداً لتشفى أى قطع فجائى أو حرق أو لدغ أو إصابة أخرى.. إن لهذا البلسم النباتى الشهير قوة خارقة فى التطهير تجعله أفضل ما يُستعمل للإسعاف الأولى لأنه يبيد الجراثيم المؤذية التى تسمم الدم فيمنع الألم ويزيل الالتهاب ويُنمى جلداً جديداً سليماً..

الزمبوك يُباع فى كل الصيدليات ومخازن الأدوية بسبعة قروش ونصف القرش.. الوكلاء شركة صنع «الزمبوك» خالٍ من الدهون الحيوانية، وها هو إعلان آخر فى مجلة «المصور» عن هذا المنتج بعنوان «الزمبوك» لعلاج القروح الناتجة عن تغيرات الطقس»، وإعلان ثالث فى مجلة «اللطائف المصورة» بعنوان «الزمبوك..

الدهان العشبى لشفاء الإكزيما والجروح والقطوع»، وظل الزمبوك متربعاً على عرشه حتى تطورت المضادات الحيوية، وشيئاً فشيئاً انحسر الزمبوك حتى اختفى بحلول الستينيات، لكن مع صعود موجة العلاج بالأعشاب أعادت شركة باير للأدوية وشركة أخرى بريطانية إنتاج خلطة الزمبوك تحت نفس الاسم التجارى، وينتشر حالياً فى دول جنوب إفريقيا وتايلاند وماليزيا وإندونيسيا

■ على مهلكم ياللى بتلعبوا بالمهج والقلوب
■ وفاكرين القسوة فى الحب شيء مطلوب
■ وما تنسوش إن اللعب ده له أدب وأصول
■ والغالب فى لحظة ممكن يصير مغلوب
بيكار

 

«علقة» ساخنة لزهرة العلا لهروبها من البيت !

ما زلت أتذكر القصة القصيرة التى قرأتها فى طفولتى وكانت تحكى عن طفلة فقدت أباها وعانت من قسوة زوج أمها فقررت أن تهرب فى إحدى السفن فى غفلة من الحراس، ابتعدت السفينة عن الميناء واكتشف الركاب وجود الطفلة التى روت عذاباتها لركاب السفينة فتبناها أحد الركاب، وتطورت حياة الطفلة فأصبحت فيما بعد شخصية لامعة، والحق أننى اندمجت فى تفاصيل هذه القصة لسبب واحد هو أننى كنت أعيش فى الإسكندرية ..

والبواخر كل يوم تمخر أمامنا عباب البحر، وبمنتهى السذاجة قررت أن أقوم بنفس الدورالذى قامت به الطفلة فى القصة التى قرأتها وتأثرت بها، أملاً فى أن أصبح شخصية لامعة مثلها لكن خطتى لم تنجح، وأعادونى من الباخرة الى بيتنا فى حراسة البوليس، ويومها نلت «علقة « من أبى لن أنساها فى حياتى، وأقسم أبى يومها ألا أغادر باب البيت بعد عودتى من المدرسة، وهكذا سُجنت فى طفولتى فى عالم شيق هو عالم البيت، وأصبح سطوح البيت هو الأفق الكبير الذى أطل منه على ملامح الحياة فى الشارع، صدیقاتی يقمن بزيارتى وغير مسموح لى بأن أزورهن . 

وعلى سطوح بيتنا كنت أقضى وقتى مع زميلاتى، ومن شدة الضيق والملل من الفراغ الذى كنت أقضيه فوق السطوح، فكرت فى أن أكوِّن من صديقاتى فرقة تمثيلية نتسلى بها ونقتل الملل الذى كنت أشعر به، عدت الى مجلات الأطفال وأخذت منها بعض التمثيليات القصيرة التى كانت تُنشر فيها بهدف تعويد الأطفال على الصدق وعدم الكذب والاهتمام بالدراسة، وبالطبع كنت أسند الى نفسى أدوار البطولة حتى أحظى بالتصفيق، وشاع فى الحى خبر التمثيليات التى نلعبها فوق سطوح منزلنا فوجدت الأطفال يزحفون الى السطوح، فقررت أن يكون الدخول لمشاهدة التمثيلية بباكو شيكولاتة أو بسكويت، انتعشت الفـرقة بالإيراد المُتحصل من الحلوى. 

وحدثت المفاجأة التى أغلقت مسرحنا الى الأبد بسبب غارة طائرات الألمان على الاسكندرية فى أيام الحرب العالمية الثانية، وأصبح من العسير علينا أن نصعد الى السطوح . 

ورحلت مع أسرتى الى القاهرة لنعيش بعيداً عن صفارات الإنذار والضرب بالقنابل والصواريخ وبرغم حالات الفزع التى كان الناس يعيشونها فى ذاك الوقت، كان ذهنى مشدوداً بقوة إلى بيتنا فى الإسكندرية، والسطوح الذى كونت عليه فرقة تمثيلية كانت حدیث أهل الحى، وكانت الأحاديث دائماً مقترنة باسمى بصفتى صاحبة الفكرة التى نفذتها، وأنعشت سرور أطفال الحى مثلما أنعشت بضاعة بائعى البسكويت والشيكولاتة والحلوى !

 ومرة أخرى عاودتنى فكرة التمثيل فى القاهرة عندما كبرت وكبرت معى مواهبی واتسعت مداركى،  وفى هذه المرة رحت اسأل عن عنوان المعهد العالى للتمثيل الذى التحقت به وتخرجت فيه، وعملت فى المسرح والسينما، وفى كل مرة يصل فيها تصفيق الجمهور لأذنى أتذكر قصة الطفلة التى حاولت أن تهرب على الباخرة، وأتذكر السطوح الذى شهد أول فرقة تمثيل قمت بتكوينها، واعتقدت أنها كانت شقاوة عیال كبرت معى وجعلت منى ممثلة.

زهرة العلا «الكواكب» - 29 أغسطس1961

 

العميد سامى عبدالعزيز

بقلم: حمدى رزق

لم يستغرق اللقاء الأخير مع أستاذى الدكتور «سامى عبدالعزيز» سوى دقائق معدودة. لفتنى ظهوره فى معرض الكتاب، كان يقلب فى العناوين، يبحث عن عنوان كتاب شغله، اتجهت إليه، بشَّ وهشَّ، وكان عناقًا حارًّا على شوق، سبحان مَن له الدوام، وكأنه كان العناق الأخير.

الكتابة عن طيب الذكر صعبة، الفراق صعيب على المحبين، وكان بيننا ما يشبه الوِرد الصباحى، والوِرد هو ما اعتاده الشخص بشكل يومى ومنتظم.
كان يبكر مثلى كالعصافير، يسبق شروق الشمس، يفضل أن يستقبل أشعتها طازجة، يستقبل نور الصبح يصحى الفجر بنفس راضية، ويرسل للأحبة أجمل الكلمات.

فى حياتنا ناس جميلة، نفتقدها، كانت روحه طيبة، يلون صباحات محبيه بالبهجة، وكنت أرد مغتبطًا بوردة منتقاة من بستان المحبة، يغتبط بالورود كثيرًا، فيفيض قلبه بالمحبة.

سأفتقد تعليقاته على فيض خاطرى، الكتابة كما يخبرنا العم «صلاح دياب» من فيض الخاطر، والفَيْضُ بمعنى الكثير الغزير، فيوضات طيب الذكر الدكتور سامى كانت فيوضات صباحية.

مَن علمنى حرفًا، وهو مَن علمنى الحروف كلها، كان أستاذًا لجيلى فى كلية الإعلام، وتخرج على يديه عديد من الأعلام، يذكرونه بكل خير.. ويقينًا صدمهم خبر الرحيل الحزين.

الكتابة فى محبة طيب الذكر الدكتور سامى عبدالعزيز فرض عين على المحبين، ونجتهد لتأدية الفروض جميعًا، نعوض تقصيرًا فى حقه، ونتذكر طيب ذكراه.
وكأنه سرادق إلكترونى، تلون «التايم لاين» بالحزن الشفيف، والفيس بوك صفحاته الحزينة مزينة بصورته، وتغريدات شتى على «إكس»، فجعها خبر رحيله، سبحان مَن له الدوام.

مات راضيًا مرضيًّا، شاء الله أن يمضى مغتبطًا، نال جائزة الدولة التقديرية، أسعدته، تقدير مستحق، كان يستحقها منذ زمن بعيد، كله بأوانه.
جائزة الدولة التقديرية استحقاق للدكتور سامى عبدالعزيز، أستاذنا فى كلية الإعلام. كم أسعدت المحبين. تعويض عما فاته من تكريم مستحق، وَرَد اعتبار لمَن اجتهدوا فى عملهم، وأخلصوا لوطنهم، ولم يَمُنُّوا على أحد، بذلوا ولم يُتبعوا ما أنفقوا من أعمارهم فى خدمة الوطن مَنًّا وَلَا أَذًى، ظلوا على العهد حامدين شاكرين صابرين محتسبين.

كثيرون كانوا يعرفون الدكتور الشهير سامى عبدالعزيز من إطلالاته التلفزيونية، وكنت ألقبه بـ«العميد»، ثلة من المحبين مَن لمست مفاتيح شخصيته عن قرب، كم كان وادعًا، صوته خفيض بعامة، عالٍ فى حق الوطن، ومفتاح قلبه الموهبة، يقدر الموهوبين، ويعطف على المبدعين، ولا يبخل بالنصيحة على طلابه الدارسين، ونِعم المعلم فى محرابه.

ويقف فى الصف الوطنى محاذيًا عند عزف النشيد، ويلهج لسانه بلادى لكِ حبى وفؤادى، ولم يقنط يوم ادلهمت الخطوب، ولم يحزن يوم نكران الجميل، ولعق جراحه برطب لسانه، وطابت نفسه دومًا، وعاد سيرته الأولى معلمًا ومبدعًا، ومحبًا للخلايق، مبتسمًا فى وجه مصر الصبوح، ويُصبِّح على أحبابه بوردة وجملة موحية بالأمل.

جائزة الدولة التقديرية، وإن تأخرت عليه، لم يطلبها، ولكنها اختارته، كافأته على حسن الصنيع، والإخلاص فى العمل، والدأب فى طلب العلم، ومؤلفاته الملهمة إعلاميًّا.

العميد سامى عبدالعزيز، الله يرحمه، كان مدرسة إعلامية متطورة تمزج بين الأكاديمى نظريًّا والتطبيقات العلمية، ولا يبارى فى تخطيط الحملات الدعائية كفن مسيس، ندرة من بين الأكاديميين مَن جمعوا بين العلم والحياة التى عاشها العميد سامى باستشراف المزيد من الإبداع، عاش مبدعًا، وفى موته صمت مبدع بليغ.

●●●

كنوز : لست من تلاميذه،  لكنه كان صديقا عزيزا، واستاذا قديرا،  والاجدار بالكتابة عنه تلميذه الصديق حمدي رزق،  وداعا د ٠ سامي عبد العزيز  ٠

عاطف النمر