هاجمت العقاد لقوله إن المرأة لا تصلح لشيء.. واعتبرت «حياة محمد» لهيكل أعظم كتاب
حياة سيدة الغناء العربى أم كلثوم مليئة بالقصص والتفاصيل المهمة، وقصة صعودها من قاع إحدى قرى محافظة الدقهلية إلى قمة المجد والشهرة كانت محور حوار نادر أجرته معها الكاتبة الصحفية الراحلة حسن شاه، ويكاد يكون من أهم اللقاءات التى أجريت معها طوال حياتها، حيث تحدثت فيه عن سنوات طفولتها الأولى واعترفت بأنها كانت تلميذة بليدة فى كتاب القرية وتدبر المقالب فى زملائها، وفرحت كثيرًا لموت «الشيخ عبدالعزيز» الذى كان يتولى تحفيظها القرآن الكريم، وبمناسبة ذكرى رحيلها الخمسين عام 1975، نعيد نشر الحوار بتصرف محدود فى السطور التالية:
أسبوع كامل وأنا أجرى وراء أم كلثوم.. جريت وراءها من القاهرة إلى المنصورة، ومن المنصورة إلى قريتها الصغيرة «طماى الزهايرة»، ثم إلى المنصورة مرة ثانية، وأخيرًا عدت معها إلى القاهرة، وفى خلال هذا الأسبوع عشت مع أم كلثوم وهى تستعد للغناء فى احتفالات عيد النصر بالمنصورة.
وذهبت إلى قريتها الصغيرة التابعة لمركز السنبلاوين، رأيت البيت الذى وُلدت فيه، والبيت الآخر الذى نشأت فيه، والكُتّاب الذى كانت تجلس على أرضه مع باقى أطفال قريتها لتحفظ القرآن وتتلقى ضربات سيدنا الشيخ عبدالعزيز، الرجل الذى قالت عنه أم كلثوم إنها لم تخف فى حياتها من مخلوق سواه.. وسمعت السيد أبوالعينين متولى ابن قريتها وزميلها فى الكتاب يروى لى طرائف عن «عفرتة» أم كلثوم وشقاوتها عندما كانت تلميذة وكيف كانت تذهب مبكرة إلى الكتاب لتكسر ألواح الأردواز لزملائها التلاميذ، وتسكب الحبر على دفاترهم.
وبعد قرية «طماى الزهايرة» بكل ما فيها من أشخاص وأماكن وذكريات كلها تتكلم عن أم كلثوم، عدت إلى المنصورة، وهناك وبين كواليس مسرح النادى الرياضى يوم الاحتفالات بعيد النصر جلست أرقب القروية التى شقت بحنجرتها الذهبية طريقًا ارتفع بها من القاع إلى القمة، من القرية الفقيرة إلى القاهرة العظيمة، من المجهول إلى الشهرة والمجد.. كانت أم كلثوم تستعد لأول مرة بعد الإنعام عليها بنيشان النيل، للغناء أمام الرئيس الذى كرم الفن والعبقرية فى شخصها، ولم تمض أسابيع على هذا الإنعام حتى كرم البطولة والنصر فى المديرية التى أنجبتها، كانت أم كلثوم تستعد للغناء أمام جمال عبدالناصر فى المنصورة.
عصا سيدنا الشيخ
قلت لأم كلثوم وهى تروح وتجيء بين الكواليس فى انفعال سعيد وقلق ومرح:
متى زرت المنصورة آخر مرة؟
- قالت: لم أزُر مديرية الدقهلية كلها منذ عام 1944، فى تلك السنة ذهبت إلى قريتى «طماى الزهايرة» لأحتفل بمولد سيدى العوضي، وهو شيخ له مقام فى بلدنا وكنت بدأت حياتى الفنية وأنا طفلة بالغناء فى موالده.
حدثينى عن أجمل ذكرياتك فى قريتك طماى الزهايرة.
- أجمل ذكرياتى ترتبط بأيام طفولتى وأنا لا أذكر تلك الأيام إلا ويقفز إلى خيالى طيف «سيدنا» الشيخ فى كتاب قريتنا، وتعاودنى ذكريات عصاه التى كثيرًا ما داعبتنى مداعبات قاسية كان ـ الله يرحمه ـ اسمه الشيخ عبدالعزيز وكانت له هيبة عظيمة، ولا يكاد يمر يوم دون أن يعاقبنى عقابًا شديدًا، إن لم يكن بسبب بلادتى وعدم حفظى للدرس، فمن أجل شقاوتى وتدبيرى المقالب لباقى التلاميذ فى الكتاب، كنت باختصار تلميذة بليدة عفريتة، وكان سيدنا الشيخ يكرهني، وكنت أنا أبغضه وأتمنى له الموت، وبالفعل تحققت أمنيتى ومات الشيخ عبدالعزيز، ويومها بلغنى الخبر فكدت أطير من الفرح، ولكن الهواجس ملأت رأسي.. سيدنا الشيخ بحاله يموت.. غير معقول؟.. وأسرعت إلى بيته ورأيته ميتًا ممددًا على السرير فأطمأننت، وزاد اطمئنانى عندما سرت وراء الجنازة ورأيت المشيعين ينزلون به إلى القبر ويقفلونه عليه ويعودون من غيره.
وماذا تذكرين عن أيام كفاحك الأولى عندما كنت مطربة مغمورة فى القرية؟
- أذكر أننى طُلبت لإحياء فرح فى إحدى القرى البعيدة، كنت مريضة بالدوسنتاريا، ومع ذلك وافقت، وكانت وسيلة الانتقال الوحيدة بالنسبة لى وللفرقة هى الحمير، وركبت حمارًا ظل سائرًا بى وأنا فى أشد حالات المرض أكثر من عشر ساعات، وعندما وصلنا إلى البيت الذى سيقام فيه الفرح، فوجئنا بورقة معلقة على الباب مكتوب عليها أن الفرح قد تأجل إلى موعد آخر.
أعظم كتاب
وبدأت أم كلثوم تغير مجرى الحديث وقالت: هناك كتاب لا أستطيع أن أنساه، كتاب «الأيام» للدكتور طه حسين، كتاب عظيم جدًا.
هل هو أعظم كتاب قرأته فى حياتك؟
- أعظم كتاب فى رأيى هو «حياة محمد» للمرحوم الدكتور محمد حسين هيكل فهو موسوعة أدبية تاريخية دينية ليس لها مثيل.
ما هو آخر كتاب قرأته؟
- «الرسالة والرسول» للدكتور نظمى لوقا.
ألم تقرئى كتاب العقاد «المرأة فى القرآن الكريم»؟
- لا.
العقاد يقول فى هذا الكتاب إن المرأة لا تصلح لشيء، إنه ينكر عليها التفوق فى أى ناحية من نواحى الخلق والابتكار والفن.
- قالت فى استنكار: هل قال العقاد هذا؟
نعم، وقد قامت بينه وبين الدكتورة بنت الشاطئ معركة بسبب هذا الكتاب، ما رأيك بصفتك أعظم فناناتنا؟
- ضحكت وقالت: لن أرد عليه بصفتى فنانة، وسأترك الناس الآخرين يردون عليه، وأحب أن أقول للعقاد بهذه المناسبة إن الله خلق الناس من جنسين، وقد منح كل جنس مواهب معينة ليست موجودة بنفس الدرجة فى الجنس الآخر، فلماذا يتباهى أحد الجنسين على الآخر بمواهبه، هل يستطيع العقاد أو غير العقاد أن يعيش بغير المرأة، هل كان العقاد يصبح له وجود أصلا بغير المرأة!
هل قرأت شيئًا من الأدب النسائي؟
- قرأت بعض مؤلفات بنت الشاطئ وسهير القلماوى وأعجبتني.
ألم تقرئى كتاب كوليت الخورى «أيام معه»؟
- لم أقرأه، وإن كنت سمعت عنه، فهذا النوع من الأدب المكشوف لا يعجبني.
إزيك يا حبيبى
وانتقل الحديث فجأة إلى الأغانى عندما قالت أم كلثوم: تعرفي، أنا غير متفائلة بالنسبة لتأليف الأغاني، مؤلفو الأغانى من الشبان أصبحوا يريدون عمل حاجات غريبة وخلاص، حاجات ليس فيها صدق وإنما فيها «حرفنة» دا مش كويس، تصورى مثلا إن أحد مؤلفى الأغانى وصل لدرجة جعل المغنية تقول فيها «إزيك يا حبيبى وإزاى صحتك؟».. بالذمة دا كلام؟
يعنى أنت متشائمة من مستقبل الغناء؟
- لا، أنا غير متشائمة من ناحية التلحين، هناك ملحنون شبان ممتازون جدًا..
مثل من؟
- الموجى ممتاز جدًا، وكذلك الطويل وبليغ.
وما هى أحلى أغانيك فى رأيك؟
- أنا راضية عن جميع أغانيّ من ناحية التلحين، والذى يميز أغنية عن أخرى فى نظرى هو الكلام، ولذا أنا أحب أغنية «سهران» لأن كلامها حلو جدًا، وموضوعها طريف جدًا، فلم يسبق لشاعر أن تحسر على عهد الجفا والحساد بالجمال قبل هذه الأغنية، ولم يسبق لشاعر أن تحسر على عهد الجفا كما فى هذه الأغنية، كل الشعراء لعنوا عهد العوازل وكل الشعراء كرهوا عهد الجفا إلا رامى عندما قال: «كان عهد جميل، حاسد وعذول، والبال مشغول».. وقال: «حتى الجفا محروم منه، يا ريتها دامت أيامه».
< كل أغانيك تتحدث عن الحب، نعيمه وعذابه، آلامه وآماله، هجره ووصاله.. حدثينى عن رزقك فى الحب.. هل هو سعادة.. هل هو شقاء.. وهل الحب الحقيقى يموت؟
- ضحكت وقالت: اسمعي، أنا أعرف كيف أغنى عن الحب ولا أعرف الكلام عنه.
سر نجاحى
< المثل يقول «وراء كل رجل عظيم امرأة» فهل وراء كل سيدة عظيمة رجل.. ومن هو هذا الرجل فى حياتك؟
- نجاحى يرجع الفضل الأكبر فيه إلى المرحوم والدي، فهو الذى اكتشفنى ووجهنى وثقفنى وحافظ عليّ، كان فى استطاعته أن يُثرى سريعًا من ورائي، بأن يجعلنى أغنى فى الكباريهات مثلًا، لكنه فضّل الطريق النظيف الطويل الشاق من أجل مستقبلي، ومن أجل سمعتي.
(«آخرساعة» 18 مايو 1960)
هبطت عليه ثروة من السماء.. بائع صحف يتحول فجأة إلى مليونير!
حوار نادر نشرته «آخرساعة» قبل 60 عامًا.. زوجة الشيخ مصطفى إسماعيل تكشف مفاجآت
زكي رستم: أرفض الأسئلة عن الزواج والعمر| حوار نادر







