ما كاد يبرح رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلى بنيامين نتنياهو مكانه على طاولة التخطيط لإعادة رسم الخريطة الجيوسياسية لمنطقة الشرق الأوسط الجديد، بما يخدم مصالحه والدول الغربية، طامسًا معالمها الممتدة لآلاف السنين، بمساعدة جو بايدن، وحلفائه الأوروبيين، بعد خمسة عشر شهرًا من حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، حتى جلس دونالد ترامب على عرش القيادة، رافعًا شعار ما لم يتحقق بالقوة على يد أسلافه، سيأتى بالأمر المباشر ودون عناء.
للحظة ظن ساكن البيت القديم الجديد، أن باستطاعته ما بين غمضة عين وانتباهتها فعل المستحيل لإسرائيل والأمريكان، وإسعاف ما عجز عن إحيائه آباؤه الأولون، وراح يُطلق بتصريحاته صوب الأردن ومصر، من وراء ستارٍ بإيواء الفلسطينيين فى واديهما الفسيح، وكأن «بلفور» بُعث من مرقده من جديد ليفى بوعده فى «إعطاء من لا يملك لمن لا يستحق» .
لقد نسى ترامب أو تناسى أن طبول الحرب ما قرعت فى جولات عِدَّة مضت مع بلاده وضد طفلها اللقيط بالمنطقة إلا لأجل قدس الأقداس فلسطين ثم البقاع المغتصبة بالجوار، وأن كل بلد من تلك البلاد قدم - ومازال- يقدم قربانًا من الأرواح والدماء الزكية والممتلكات لاستردادها، وها هى الجبهات ملتهبة حتى اليوم من حوله، بل وفوق سمائه وأسفل قدميه، فى البر والبحر، ولن تهدأ ما دامت الرمال العربية تدوسها أقدام أجنبية عنها، وسوف تظل أجيالنا حتى قيام الساعة تحفظ الحدود شبرًا بشبرٍ وذراعًا بذراعٍ، مُتيقنةً أن ما استحال استرجاعه بالأمس حتمًا سيكون هو مُراد الغد لا محال.
ومن ناصر إلى السادات، مرورًا بمبارك وختامًا بالسيسى، كان صوت مصر - كالعادة - صلبًا صلدًا مُدويًا يُسمع من به صمم «لن نُشارك فى ظلمٍ، ولن نقبل بتهجير الفلسطينيين عن أراضيهم» ، مُطالبًا أعلى رأسٍ فى أمريكا وأكبرها فى العالم أجمع بإنهاء معاناة الفلسطينيين وتمكينهم من إقامة دولتهم على كامل سيادتها، فلا سيناء تصلح أن تكون وطنًا بديلًا لغير المصريين، ولا حاكم مصر يملك أن يتنازل لأحدٍ عن حفنة تراب فيها، وهو ما جعل اصطفاف الشعب والجيش والمؤسسات بل والقوى الوطنية المُختلفة قبل المتفقة تبارك الخطوات، وتعلن عن بكرة أبيها التأييد المطلق لقرار القيادة السياسية للبلاد، والخروج إلى الحدود على معبر رفح، وعبر القنوات الشرعية، لإعلان الرفض المصري الشامل لأى تهديد خارجى، والاستعداد الكامل له خلف الدولة مهما كانت التضحيات أو بلغت الخسائر والأثمان.
وعلى الدرب رفع حاكم الأردن راية العصيان ضد أمريكا راعى الصهيونية، بأن رفض زعيمها الملك عبد الله الثانى والشعب الأردنى تلك الدعوات وتوالت الأصوات تصدح من كل حدب وصوب بغطرسة الغرب، من الجامعة العربية بيت القصيد، ثم ألمانيا وإسبانيا وكولومبيا وغيرها من الدول الأوروبية ذاتها، لتوقظ أم الدنيا ضمير العالم للمرة المليون، وتحكى بوضوحٍ رحلتها البطولية مع القضية الفلسطينية، وكيف أن عزيمتها قوية لا تلين، وموقفها ثابتٌ لا يتزحزح، ومبدؤها كلٌ لا يتجزأ فى الدفاع عن الحقوق والمطالب وإن لم تكن تخصها، فما بالك وقد اعتبرت فلسطين رقعةً منها، وجزءًا أصيلًا من أمنها الحيوي والقومي.
أما عن الشعب الفلسطينى، فأعتقد أنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، فقد ثمَّنت المقاومة الفلسطينية الموقف المصري المشرّف، ورفع المواطنون على الأنقاض وفوق الركام لافتات الحب والعرفان لمصر وقائدها، وأكدوا أنهم متشبثون بأرضهم، إما العيش أو الشهادة فيها.
وفى لفتة ولا أروع زحف الفلسطينيون إلى شمال غزة وضواحى القطاع المتهدم سيرًا على الأقدام، نساءً ورجالًا، أطفالًا وعجائز، بعد عقد الهدنة بجهود مصرية قطرية شديدة التعقيد، ليقدموا لترامب وكل من يزايد على وطنيتهم وولائهم لبلدهم البرهان الساطع والقاطع، بأنهم لم ولن يتخلوا عن تراب الوطن، وإن صعدت أرواحهم جميعًا إلى السماء.
وفى النهاية تبقى فى القلب كلمة وددت لو يسمعها العالم قبل ترامب، هى أن الطفل العربى يؤمن منذ صغره إيمانًا راسخًا بأن ما تركه الأجداد للأحفاد لم يكن يومًا نبتًا شيطانيًا أو حرثًا مستباحًا حتى يتخطّفه الطير، أو يتلقّفه الغير، ولكنه ميراث ثمين، وعِرض مكين، وشرف كبير اسمه الأوطان، يتطلب الذود عنها التضحية بكل غالٍ ونفيس، لهذا لن يرحمنا التاريخ وهؤلاء إن وقفت دولنا العربية مكتوفة الأيدى تستمع لهذه الخرافات وتلك التهديدات ، منتظرة اقتطاع أجزاء من أراضيها ومنحها للصهاينة عيانًا بيانًا، كالتى تُسلب شرفها فى وضح النهار على مسمع ومرأى من أشقائها وذويها أصحاب الولاية عليها، وإنه لعار لو تعلمون عظيم، فلتهب الأمَّة العربية وتدفع بكل ما أُوتيت من قوة عما تبقى لها من عزٍ ومجدٍ قبل فوات الأوان.

شركة نوفو نورديسك تجمع خبراء الرعاية الصحية في قمة أفريقية «REACH» لمواجهة التحديات المتزايدة للأمراض غير السارية و منها السمنة والسكري وأمراض القلب
أيمن الجميل: برنامج الطروحات يؤكد جدية الدولة فى تمكين القطاع الخاص وجذب الاستثمارات الأجنبية
Park St تعلن عن انضمام مجموعة من أبرز العلامات العالمية والإقليمية إلى مشروع Park St East بالقاهرة الجديدة





