د/ نادية قطب إبراهيم
مدرس الإذاعة والتليفزيون بكلية الإعلام- بنات- القاهرة
في حياتنا اليومية، نسمع العديد من الأكاذيب، قد تتراوح من بضع كذبات بسيطة إلى أخرى معقدة. يقال إننا نسمع ما بين 10 إلى 200 كذبة يوميًا، وهذا يخلق تحديًا كبيرًا في كشف تلك الأكاذيب.
لطالما سعينا لاكتشاف الطرق المناسبة لكشف الكذب، من استخدام أدوات تعذيب في العصور الوسطى إلى أجهزة كشف الكذب، مرورًا بتقنيات مراقبة ضغط الدم والتنفس، وتحليل توتر الصوت، وحتى تقنيات مثل تعقب حركة العين والمسح تحت الأشعة الحمراء للدماغ. رغم أن بعض هذه الأدوات قد تكون فعّالة في ظروف معينة، فإنها لا تعطي نتائج دقيقة بما فيه الكفاية لتُقبل في المحاكم، كما يمكن خداعها بسهولة مع التحضير المسبق.
لكن، ماذا لو كانت المشكلة ليست في التقنيات نفسها، بل في الافتراض الأساسي الذي يعتمد على فكرة أن الكذب يؤدي إلى تغييرات فيزيولوجية في الجسم؟ ماذا لو اتخذنا نهجًا مباشرًا لتحليل الكذب من خلال دراسة لغة الشخص وكيفية تواصله؟
على المستوى الفيزيائي، نكذب في بعض الأحيان لخلق صورة أفضل عن أنفسنا. نحن نربط أحلامنا بالشخص الذي نطمح أن نكونه، بدلاً من الشخص الذي نحن عليه في الواقع. وفي أثناء انشغال دماغنا بهذه الأحلام، يمكن أن نتجاهل العديد من الإشارات الدقيقة التي تكشف عن كذبنا. العقل الواعي يتحكم في حوالي 5% فقط من الوظائف الإدراكية، بينما الـ 95% المتبقية تحدث في اللاوعي، مما يعني أن معظم تفاعلاتنا وسلوكياتنا غير مراقبة بشكل دقيق.
وفقًا لدراسات الأدب في مجال رصد الواقع، تختلف القصص التي تعتمد على التجارب التخيلية عن القصص التي تستند إلى الحقائق. تشير هذه الدراسات إلى أن خلق قصة كاذبة عن شخص معين يتطلب جهدًا كبيرًا، وينتج عنه نمط لغوي مختلف عن ذلك الذي يُستخدم عند الحديث عن تجارب حقيقية. وقد ساعدت تقنيات "تحليل النص اللغوي" في تحديد أنماط شائعة في لغة اللاوعي للكذب.
أولًا: يُلاحظ أن الكاذبين يشيرون إلى أنفسهم أقل عندما يدلون بتصريحات مخادعة. عادةً ما يتحدثون عن الآخرين باستخدام ضمير الغائب، مبتعدين عن استخدام ضمير المتكلم لتفادي مسؤولية الأكاذيب. على سبيل المثال، من المحتمل أن يقول الشخص الكاذب "لم تكن هناك حفلة في هذا المنزل" بدلاً من "لم أستضف الحفلة هنا".
ثانيًا: يميل الكاذبون إلى استخدام لغة سلبية في حديثهم. هذا يرجع جزئيًا إلى الشعور بالذنب الذي يشعرون به عندما يكذبون. على سبيل المثال، قد يقول الكاذب: "بطارية هاتفي الغبية فرغت، أنا أكره حدوث ذلك."
ثالثًا: عندما يكذب شخص ما، يمكن أن تتغير نبرة صوته بسبب شعوره بالتوتر أو القلق. يمكن أن تكون تغييرات صغيرة، لكنها ربما تُظهر أن الشخص غير مرتاح أو يحاول خداع الآخرين.
رابعًا: يفضل الكاذبون تبسيط الأحداث، لأن عقولهم تجد صعوبة في بناء كذبة معقدة. بناء الأحكام والتقييمات أمر معقد بالنسبة للدماغ، لذا يميل الكاذب إلى تبسيط ما يقوله. على سبيل المثال، في أحد التصريحات الشهيرة للرئيس الأمريكي، قال: "لم تكن لدي أي علاقة مشينة مع تلك المرأة"، وهي جملة قصيرة وبدون تفاصيل معقدة.
أخيرًا: بالرغم من أن الكاذب يفضل تبسيط الوصف، إلا أنهم غالبًا ما يستخدمون جملًا أطول وأكثر تعقيدًا، ويضيفون كلمات غير ضرورية لإخفاء الحقيقة. أحيانًا يتم إدخال تفاصيل دقيقة لا علاقة لها بالموضوع الأصلي، وهو ما يُستخدم لحشو الكذبة وجعلها تبدو أكثر مصداقية.
كيف يمكننا إذًا تطبيق هذه التقنيات لاكتشاف الأكاذيب في حياتنا اليومية؟ أولًا، من المهم أن نتذكر أن معظم الأكاذيب التي نواجهها ليست خطيرة أو مؤذية، بل قد تكون كذبات بسيطة وغير ضارة. ومع ذلك، من المفيد أن نكون واعين لبعض الأدلة التي قد تشير إلى الكذب، مثل قلة الإشارة الشخصية، واستخدام اللغة السلبية، والتفسير البسيط للأحداث، وصياغة الجمل الطويلة والمعقدة التي قد تكون مليئة بالكلمات غير الضرورية. هذه المعرفة قد تساعدنا في تجنب الوقوع في مغالطات أو اتخاذ قرارات خاطئة بناءً على معلومات غير دقيقة، سواء في حياتنا اليومية أو في العلاقات الشخصية.

إيمان راشد تكتب : ميزان العدل
1000يوم من الإبادة!
رد المظالم






