تُعد مقابر بني حسن بمحافظة المنيا واحدة من أهم المواقع الأثرية التي تعكس جوانب الحياة الدينية والاجتماعية خلال فترة المملكة الوسطى في مصر القديمة، ومن بين أهم الاكتشافات في هذه المنطقة، النماذج الجنائزية الفريدة التي وجدت في المقبرة الصخرية لما يُسمى "ثاوي".
تتميز هذه النماذج بدقة تفاصيلها وجمال ألوانها، وتُظهر مشاهد جنائزية تعكس العادات والتقاليد المصرية القديمة، يعرض المتحف المصري بالقاهرة نموذجًا خشبيًا مذهلًا يُجسد امرأتين تحملان أشياءً رمزية، مما يجعل هذا النموذج مثالًا رائعًا على البراعة الفنية والرمزية الدينية في تلك الفترة.
* الموقع والأهمية التاريخية لمقابر بني حسن
تقع مقابر بني حسن على الضفة الشرقية لنهر النيل في محافظة المنيا، وتُعتبر واحدة من أبرز المواقع الأثرية التي تعود إلى المملكة الوسطى (حوالي 2055-1650 ق.م)، تضم هذه المقابر نقوشًا ومنحوتات تُصور جوانب مختلفة من الحياة اليومية، مثل الأنشطة الزراعية والصناعية، بالإضافة إلى المشاهد الجنائزية التي كانت تعكس معتقدات المصريين القدماء عن الحياة بعد الموت.
* النماذج الجنائزية لمقبرة "ثاوي"
عُثر في مقبرة "ثاوي"، إحدى المقابر الصخرية ببني حسن، على مجموعة من النماذج الجنائزية المصنوعة من الخشب المطلي، تُعد هذه النماذج شهادة فريدة على الطقوس والعادات الجنائزية التي كانت تهدف إلى ضمان رحلة آمنة للمتوفى في العالم الآخر.
* وصف النموذج الجنائزي الخشبي
من بين هذه النماذج، يبرز نموذج خشبي ملون يصور امرأتين تؤديان طقوسًا جنائزية.
المرأة الأولى: تحمل إوزة ذات أجنحة مفرودة، وهي رمز يُعتقد أنه يُشير إلى التقديمات الغذائية التي كانت تُقدم للمتوفى.
المرأة الثانية: تضع سلة على رأسها، وهي إشارة إلى حمل المؤن أو الهدايا التي تُقدم في الطقوس الجنائزية.
النموذج مصنوع بدقة متناهية، ويتميز بالألوان الزاهية التي تُبرز التفاصيل الدقيقة للملابس والشعر والإكسسوارات، مما يعكس المهارة الفنية التي كانت تُستخدم في صناعة هذه النماذج.
* الرمزية الدينية للنموذج
تُجسد هذه النماذج الجنائزية بعض الرموز الدينية والمعتقدات الخاصة بالحياة الآخرة في مصر القديمة.
الإوزة: ترمز إلى الوفرة والحياة الأبدية.
السلة: تمثل العطاء والهدايا التي تُقدم للآلهة أو المتوفى لضمان قبوله في العالم الآخر.
المرأة: كانت تُعد رمزًا للحماية والرعاية في الطقوس الجنائزية، حيث تمثل النساء دورًا هامًا في الممارسات الدينية والاجتماعية.
* الخصائص الفنية للنموذج
المواد المستخدمة: الخشب المطلي، وهو مادة شائعة في تلك الفترة لصناعة النماذج الجنائزية نظرًا لخفة وزنه وسهولة نحته.
الألوان: أُستخدمت الألوان الطبيعية المستخرجة من المعادن، مثل الأزرق اللازوردي والأصفر والأحمر، مما يضفي لمسة فنية رائعة على النموذج.
التفاصيل الدقيقة: تُظهر الملامح التفصيلية للوجه واليدين والعناصر الأخرى براعة الحرفيين المصريين في التعبير عن المشاعر والرموز الدينية.
** عرض النموذج في المتحف المصري
النموذج مسجل تحت الرقم 37564 ويُعرض حاليًا في قاعة كنوز مكيتر بالدور العلوي من المتحف المصري بالقاهرة. يُعد هذا النموذج واحدًا من أبرز المعروضات التي تجذب اهتمام الزوار والباحثين نظرًا لقيمته الأثرية والفنية.
* الأهمية الثقافية والجنائزية
تُبرز هذه النماذج الجنائزية العلاقة الوثيقة بين الحياة اليومية والمعتقدات الدينية في مصر القديمة. كان يُعتقد أن مثل هذه النماذج تساعد المتوفى في رحلته إلى العالم الآخر من خلال تمثيل الأنشطة والممارسات التي تُعد ضرورية لاستمرار الحياة.
* تحديات الحفظ والترميم
نظرًا لقدم هذه القطع الأثرية وحساسيتها، تتطلب عملية حفظها وترميمها تقنيات متقدمة للحفاظ على الألوان والمواد الأصلية. وقد بذل المتحف المصري جهودًا كبيرة لضمان بقاء هذا النموذج بحالة جيدة ليكون مصدرًا للإلهام والمعرفة للأجيال القادمة.
تمثل النماذج الجنائزية في مقبرة "ثاوي" ببني حسن مزيجًا فريدًا من الفن والدين في مصر القديمة. يُظهر النموذج الخشبي المعروض في المتحف المصري جوانب مهمة من الحياة الجنائزية، ويُبرز براعة المصريين القدماء في توثيق معتقداتهم من خلال الأعمال الفنية. ستظل هذه النماذج كنزًا ثقافيًا يُبرز عمق الحضارة المصرية وأهميتها عبر العصور.

حكايات مصرية خالدة.. كيف حفظ الزمن رسالة ابن لوالده لآلاف السنين؟
«ساقية تونة الجبل» .. حكاية أقدم وأضخم خزان مياه في مصر
مسلة إسطنبول.. حكاية أثر مصري هاجر من الكرنك إلى قلب الإمبراطورية البيزنطية







