منى العساسى: حيرة الحياة .. بين الواقع والطيف

الأديبة المتميزة منى العساسى
الأديبة المتميزة منى العساسى


فى روايتها المهمة «طيف أروى»،  تعيد الأديبة المتميزة منى العساسى، انتاج قصة «أروى صالح»، من خلال «طيبة» بطلة الحكاية المخدوعة فى صوت الحلم والأفكار التى كان يتحدث بها «مراد»؛ الذى خدعها بأفكاره المتحررة، فسقطت فى بئر سحيقة من الظلم والاضطهاد، وبإسلوب سرد سهل وصادق تطرح «منى» سؤالاً مهماً: هل يمكن للتاريخ إعادة إنتاج تفاصيله؟. وفى طريق الإجابة على هذا التساؤل تصحبنا «العساسى»- عبر الرواية الصادرة عن بيت الحكمة للصناعات الثقافية» فى رحلة حياة كُتبت بوعى نفسى عميق، تروى من خلاله حكاية أبطال هم ظلال لشخوص مرّوا فى حياة سابقة، فنقع معها فى حيرة متسائلين: من الحقيقى ومن الطيف؟، فى محاولة الوصول إلى إجابة؛ التقينا «منى العساسى» فى هذا الحوار..

فى «طيف أروى» الجميع يحلم بالخلاص من الظلم والعزلة والاضطهاد والقهر، من أين البداية وكيف يتحقق الخلاص؟
الخلاص، الظلم، العزلة، الاضطهاد؛ مصطلحات فضفاضة وشديدة الإطلاق، وإدراكنا لدلالة هذه الكلمات مختلف باختلاف ثقافتنا وتجاربنا الحياتية، لكن لنتفق أن عالم الرواية جزء من الواقع المأزوم، فكل منا يحمل معاناته داخله، لذا من الطبيعى أن تعانى شخصيات روايتى من أزماتها الخاصة، أما عن تحقق الفكرة فبصدق شديد لا أعلم أن كانت تحققت أم لا، لكن ككاتبه أرجو ان أكون قد استطعت الوصول للقاريء بكل ما تملك شخصيات روايتى من حمولة نفسية، فهذا هو نجاحى بكل تأكيد.
لماذا لجأتِ إلى التنقل فى الزمن بـ»فلاش باك» فى حركة دائرية ولم تجعلى تسلسل الأحداث تصاعديًّا؟
العمل يفرض السياق الذى يدور فيه، أنا لا أرسم خارطة لجغرافيا السرد، ولا أحدد تقنية الكتابه قبل البدء، غالباً ما تتدفق الحكاية حاملة فى طياتها تقنيتها التى تناسبها، ففى رواية «جبل التيه» على سبيل المثال، كان السرد تصاعدياً لا يخلو من «فلاش باك» فى بعض الفصول، بينما فى «طيف أروى»، بدأ من حيث انتهى، مما منحنى سلاسة التحرك فى الزمان والمكان، ومكننى من حرية الحركة فى الحكاية، واستحضار الشخصيات، دون الشعور باقحامها فى المواضع المختلفة.
هل وجدت صعوبة فى الكتابة بسبب تعدد الشخصيات، وتباعدها فى الأماكن؟
لا؛ الصعوبة لم تكن فى تعدد الشخصيات، فى الغالب أنا أكتب دفقة واحدة، والأمر يسير بسلالسة، الصعوبة كانت فى وجود جزء معلوماتى فى خطى السرد الرئيسيين: الأول، خاص بالفن التشكيلي، مما اضطرنى للتوقف كثيراً لجمع معلومات ومحاولة دمجها فى النص بشكل فنى ومتناغم مع عوالم الرواية، والثاني؛ حول «أروى صالح»، وإيجاد تخريج إبداعى لحضورها فى النص.


ما سبب اختيارك «ضمير المتكلم» على لسان «طيبة» بطلة الحكاية ؟
على مستوى القص ككاتبه أحب ضمير المتكلم فهو يجعل السرد أكثر سلاسة وتدفقا وحيوية، بمعنى أنه يقربك من الشخصية، ويجعلك تشعر وكأنها تحدثك أنت وحدك؛ وأتوحد مع أبطال العمل، وأغوص فى عوالمهم النفسية. وعلى مستوى القراءة؛ يهيمن على القارىء ويوطد علاقته بالأبطال، فيشعر وكأنها كتبت من أجله، وأحيانا يقفز فى قلب الحكاية.


لماذا ركزت على الشر المطلق فى شخصية مراد ولماذا انتهت حياته بالقتل؟
الدراما تقوم على الاستثناء، وليس على القاعدة العامة، الشر هو ما يخلق الدراما، ودونه لا يمكن تمييز الخير، إنها طبيعة الفن على أية حال، «مراد» مجرد نموذج من النماذج التى نجدها حولنا، أقرب إلى الشخصية الميكافيلية، يسعى لتحقيق مصالحه الشخصية بأية طريقة ممكنة، ويرجح كفة المصلحة والذات، قبل كل شيء سواء فى العمل أو فى العلاقات الاجتماعية، فهو شخصية مأزومة جداً ومضطربة الى حد كبير. قتلته لضرورة فنية فى المقام الأول، لكن هناك بعد أخر؛ ربما بدافع قناعة شخصية بضرورة التخلص من مثل هذه الشخصيات.


قمت بالإشارة إلى نكسة 67 وفترة السادات التى ألقت بظلالها على حياة «أروى صالح» الملهمة لفكرة الرواية، لماذا؟
نكسة 67 كانت نقطة مفصلية فى التاريخ المصرى كله، تأثر بها الشعب بكامله ليس فقط اليسار الشيوعي، لكن أبعادها على شخصية مناضلة كأروى؛ المنغمسة كلياً فى السياسة، قد تكون أكثر حدة، لكن فى رأيى لم تكن بحدة التحولات العنيفة التى انتهجها السادات فى السنوات التالية؛ التى أطاحت باليسار أو دجنته، وألقت بظلالها على حياة أروى، وهى الشخصية الحساسة التى تدفع برغمها ضريبة الخذلان العام.