بعد الاختصار

«بروجى» عرين الأسود

عمرو جلال
عمرو جلال


الزمن تغيرت معادلاته والدول أصبحت لا تُقاس فقط بقدراتها وإمكاناتها العسكرية بل بحسابات قوى الدولة الشاملة.

يطلق على الإشارات الصوتية المستخدمة لنداء الجنود داخل الوحدات العسكرية مصطلح «النوبة» والتى يتم إطلاقها باستخدام أداة النفخ الموسيقية «البروجى».. الهدف من استخدامها تنبيه الأفراد، وجمعهم فى توقيتات محددة.

وبعد انطلاق «بروجى» صباح الأحد الماضى داخل مقر قوات الصاعقة -عرين الأسود والأبطال الفدائيين- كنت حاضرا مع وفد رفيع من رؤساء التحرير والزملاء المحررين العسكريين المعتمدين لزيارة مقر القوات برفقة عدد من طلبة وأعضاء هيئة تدريس الجامعات.. الزيارة تأتى بالنسبة لى فى توقيت مهم حيث القلق ينتاب المصريين فى ظل ما تموج به المنطقة من أحداث مشتعلة وتوقعات ترى أن هناك وقائع كبرى ستحدث فى الشرق الأوسط خلال الشهور القادمة، وأن تتابع الأحداث فى غزة ثم لبنان وسوريا لن يتوقف حتى مع دخول الهدنة فى فلسطين حيز التنفيذ وحتى مع اعتلاء دونالد ترامب سدة الحكم فى البيت الأبيض.

ذكريات عديدة مرَّت أمامى كشريط سينمائى به العديد من المشاهد المهمة، فخلال تلك الزيارة ومن داخل نفس هذا المقر شاهدت انطلاق مجموعات من قوات تأمين الممتلكات العامة والخاصة خلال ثورتى 25 يناير، 30 يونيو وما بذلوه من جهد خاص فى فترة خطيرة من عمر الوطن، ومن هذا المقر أيضا تدربت وخرجت قوات النخبة التى كانت بمثابة رأس سهم فى عمليات مكافحة الإرهاب فى سيناء وظلت تعمل بفدائية طوال ١٠ سنوات من عمليات التطهير لجماعات سوداء أرادت تقسيم الوطن، وتكبدت قوات الصاعقة خلال تلك الفترة أكبر عدد من الشهداء الذين حفروا اسماءهم فى قلوب المصريين من بينهم منسى ورامى حسنين وأحمد الشبراوى ودبابة الصاعقة خالد مغربى والجندى البطل على على وعشرات آخرون ستبقى أسماؤهم خالدة على مر التاريخ لما قدموه من بطولات تكتب بماء الذهب، وستظل تتوارثها الأجيال على مر العقود.

خلال الزيارة شاهدنا مجموعة من العروض الحية لبعض التدريبات القتالية الراقية للقوات الخاصة فى البر والبحر والجو.. رأيت الانبهار فى عيون طلاب الجامعات، خاصة وهم يشاهدون القائد يؤدى التمرين الذى يفعله الجندى والضابط، ويشاركه نفس الطعام، وصوت «البروجى» يوقظهما معا، ويذهب كل منهما إلى عنبره آخر اليوم للنوم.. داخل تدريبات الصاعقة الشاقة الجميع يخلع رتبته العسكرية، لا تعرف وأنت تشاهدهم من منهم الضابط، وضابط الصف، والجندى.. الجميع سواسية ويحملون لقبا واحدا فقط وهو فدائى.. كل زيارة لمقر الصاعقة نرى إضافة مختلفة من حيث التدريب والتسليح وأساليب المواجهة..

القيادة العامة للقوات المسلحة تولى قوات الصاعقة اهتماماً خاصاً، من حيث الإمكانيات والوسائل المتاحة والمتطورة، لتأهيل الأفراد والوصول بهم للشكل الأمثل لبطل مقاتل، ولهذه الأسباب تحرص كل الدول الصديقة والشقيقة على حصول قواتها الخاصة على فرقة مكافحة الإرهاب المصرية التى أصبحت علامة جودة عالمية مسجلة باسم الجيش المصرى بسبب الخبرة والنجاح الكبير الذى تحقق للتخلص من منتخب عالمى من الإرهابيين استخدموا أساليب لم تواجهها الجيوش النظامية من قبل.. وخلال الزيارة شاهدنا ضباطا وجنودا يمثلون ٣٠ دولة تم ارسالهم فى بعثات للحصول عليها.

ما رأيناه بلا شك هى رسالة واضحة بدون ضجيج أن القوات المسلحة المصرية قادرة دائما وعلى أتم استعداد لحماية هذا الوطن..

ما نحتاجه اليوم أيضا هو «بروجى» يدوى صداه فى عقل وقلب كل مصرى ونوبة صحيان ضرورية لأن الزمن قد تغيرت معادلاته والدول أصبحت لا تُقاس، فقط، بقدراتها وإمكاناتها العسكرية، التى تؤهلها للدفاع عن حدودها أو غزو أى دولة أخرى.. ذلك المفهوم انتهى لتصبح هناك معادلة يجب أن تجتمع معا لتحقيق ما يسمى بحسابات قوى الدولة الشاملة التى من خلالها تتحقق الحماية من التهديدات والمخاطر المحيطة، وترتكز هذه القوى الشاملة على وحدة أبناء الوطن، وتعزيز الاقتصاد، وتطوير البنية التحتية والتعليم، ودعم الابتكار التكنولوجي، وتحفيز النمو الصناعى والزراعي، بما ينعكس على تطوير القوات المسلحة عبر تحديث المعدات العسكرية، والتدريب المستمر، وتطوير استراتيجيات دفاعية فعالة..

بعض الدول تغافل أبناؤها عن سماع صوت ذلك «البروجى» وذهبوا فى مزيد من النوم أو التنويم، وكانت النتيجة أن من يتباطأ فى مغادرة سرير الغفلة يتعرض للعقاب.