لا يغيب عن ذاكرة جميلة جميلات شارع الصحافة «الأخبار» أبناؤها البررة الذين لمعوا على صفحاتها، أحبوها ومنحوها إبداعاتهم فأحبتهم ومنحتهم المناصب القيادية، واليوم تحيى كتيبة «الأخبار» الذكرى الثالثة لغياب نجمها الكاتب الكبير ياسر رزق الذى تولى رئاسة تحريرها لأول مرة فى 18 يناير 2011 وأحدث بها ثورة حقيقية فى الشكل والمضمون وارتفع توزيعها، جاءت سنة الإخوان الكئيبة التى أبعدته عن بيته ومحبوبته، تلقفته «المصرى اليوم» ليرتقى بها تحريريًا ويقفز بتوزيعها حتى انقشعت الغمة بثورة 30 يونيو التى استعادت هوية مصر، عاد ياسر رزق لبيته محمولًا على الأعناق رئيسًا لتحرير «الأخبار» للمرة الثانية ورئيسًا لمجلس إدارة «أخبار اليوم» ليستكمل تجربته، ويفضح بـ «الورقة والقلم» جرائم الجماعة الإرهابية، وما كانت تنتويه وتسعى إليه، وعملت كتاباته على بث الأمل بواقع مختلف ومستقبل أفضل لجمهورية جديدة عمادها الحكم الرشيد والبناء والتنمية فى عهد الرئيس عبد الفتاح السيسى الموصوف منه بالأمانة والإخلاص وعشق مصر والمصريين برؤية إستراتيجية لبناء دولة مدنية حديثة تقوم على المواطنة والحداثة والتقدم لنيل المكانة التى تليق بها.
راحلنا المحتفى به اليوم من مواليد 17 نوفمبر 1965 بمحافظة الإسماعيلية، تخرّج فى كلية الإعلام جامعة القاهرة عام 1986، تدرب أثناء دراسته فى «الأخبار»، وعمل محررًا عسكريًّا، وتولى فى 1995 رئاسة القسم العسكرى، وفى 1999 أصبح مندوبًا لها برئاسة الجمهورية، وفى 2005 أسند إليه رئاسة تحرير مجلة «الإذاعة والتليفزيون»، وفى 18 يناير 2011 عين رئيسًا لتحريرها، وأثبت بمهنيته أنه أميز أبناء دفعته، طموحه للتجديد كان بلا حدود، كثير القراءة وواسع الاطلاع ومتابع جيد للأحداث المحلية والعربية والدولية، صاحب قلم رشيق يعتمد على غزارة المعلومات وعمق التحليل، ينتمى فى كتاباته لأسلوب الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل، اقترب منه وتشرب بأفكاره ورؤاه وتحيز له وأجرى معه عدة حوارات مطولة أصدرها فى كتاب عنه، ولو أردنا أن نتعرف على محطات من مسيرة ياسر رزق التى بدأت من الإسماعيلية وانتهت فى القاهرة، تأخذنا الذاكرة لمقال مهم وبديع كتبه فى 3 أكتوبر 2021 بعنوان «نسائم من ذكرى تلك الأيام» يكشف فيه ما عاناه فى صغره فى الهجرة القسرية من الإسماعيلية مع أسرته بسبب العدوان الإسرائيلى، يحدثنا عن والده الصحفى فتحى رزق الذى بقى فى الإسماعيلية مراسلًا حربيًا لمطبوعات «أخبار اليوم»، ويصف لنا ياسر الصغير صورة للأسبوع الذى عاشه مع والده بالإسماعيلية المهجورة فيقول «على جانبى الطريق تطل من الحوائط عبارات وعيد للعدو ورسوم بلون الحجر الأحمر لرئيسة وزراء العدو جولدا مائير ووزير الحرب موشيه ديان، تقفز كأشباح مذعورة تطاردها قدم عملاقة لجندى مصرى تكاد تسحقها، كأنما الرسوم رؤية صادقة تتنبأ بواقع آت، يقطع السكون نبرات حانية لصوت أب شاب، تغضن جبينه مبكرًا بفعل أحزان سنوات ست تجرعها فى بلد لم يفارقه طوال أيام النكسة والاستنزاف وأوقات الريبة بين اللا سلم واللا حرب، المرارة تملأ قلبه وهو يرى بعض مبانيها ركامًا، وبعض زملائه شهداء، ويفارق جل أهلها مهجّرين فى مدن شتى بأرجاء الجمهورية، يشير الأب إلى الرسوم على الجدران قائلًا: «سوف نحارب، سوف نرجع يومًا، إن لم يكن على يدى أنا وجيلى، فعلى أيديكم، أو على أيدى أبنائكم»، ينصت ياسر الصغير إجلالًا لشجن يغلف نبرات أبيه الحبيب، كان يراه طيلة أسبوع يرنو إلى سماء بحيرة التمساح، وذات مرة سأله عما يبحث فى سماء البحيرة، فأجابه «إنها طيور النورس التى هاجرت، إذا عادت فسوف نعود، أمنيتى أن أرى فى حياتى جسرًا بين ضفتى القناة»، ولم يستوعب الطفل بسنه الصغيرة مقصد أبيه!
ينقلنا ياسر الصغير لمحطة الانتصار فى فقرة يقول فيها: «يأتى صوت من الراديو، يذيع بيانًا عسكريًا، يدوى الحى الذى كان يؤوى مهجرين من أبناء مدن القناة بهتاف «الله أكبر» كأنه أصداء لنفس هتاف ينطلق من حناجر مئات الآلاف من الجنود العابرين، يسمع الصغير فى البيان كلمات «عبور وقتال وعلم مصر يرتفع»، للحظة ينتابه الخوف على والده، ثم يتذكر حديثهما وهو يكاد يراه يجد الطيور تعود إلى سماء البحيرة، والجسر الذى كان يحلم به يمتد على القناة!
نقفز لمحطة أخرى يقول فيها: «يتوقف القتال بعد تحقيق النصر، وتسكت المدافع، ترتفع الهامات، وتُسترد الكرامة، ترجع النوارس إلى سماء بحيرة التمساح وقناة السويس ويعود أبناء القناة بعد سبع سنوات من التهجير وتستأنف الملاحة بالقناة، ويعود الطفل وأسرته، وفى أول زيارة لسيناء جمع حفنات من الرمال وضعها فى قرطاس من الورق للذكرى، ويعدو قطار الزمن يلتهم سنوات العمر سراعًا تحت عجلاته التى لا ترحم، يرحل الأب بعدما تحقق حلمه وهو يتابع علم مصر يرتفع فوق العريش، وبعدها يرى رأى العين انسحاب إسرائيل من سيناء فى رفح وشرم الشيخ، ويغدو الطفل شابًا، وصحفيًا، محررًا عسكريًا، يستهل مشواره بمتابعة الاحتفال بخروج العدو من طابا، وبعدها بثلاثة أيام احتفال رفع علم مصر من آخر حبة رمل مصرية فى تلك البقعة المقدسة فى ١٩ مارس ١٩٨٩، ويحمل معه قطعة صخر من جبل علامة الحدود رقم «٩١»، يضعها فى دولاب الذكريات مع قرطاس رمال سيناء!
٤٨ عامًا مضت على نصر أكتوبر المجيد، وصار الطفل كهلًا، لا يكاد يبين فى رأسه شعيرات سوداء وسط غزو الشعر الأبيض، وسط مشاغل الحياة، يختلس الكهل أوقاتًا يحادث فيها صغاره الذين صاروا فى سن الرجال، يتقمص روح والده حين كان يحادثه، يروى لهم عن جيل فضل غموس الكرامة على لقمة العيش، يروى لهم قصصًا عن شهداء يطلون علينا من عليين، كالفريق أول عبدالمنعم رياض، والعميد إبراهيم الرفاعى، والعميد أحمد حمدى الذى فارق الحياة عند رأس كوبرى عبور الجيش الثالث، والرائد طيار عاطف السادات شقيق الرئيس السادات، الذى أبى أن يهبط بطائرته المصابة داخل خطوط العدو حتى لا يتم أسره وهو شقيق رئيس الجمهورية. ونصل للمحطة الأخيرة فى المقال التى يقول فيها الكاتب الكبير ياسر رزق «صار قلب الكهل موجوعًا بفعل الأيام، لكنه مازال أخضر يورق بالأمل، حين يرى جيل أبنائه يوارى آثار خط بارليف بإنشاء قناة جديدة، ويشق بدل جسور عبور المقاتلين، أنفاق وجسور تعمير سيناء، وينشر العمران والخير والنماء فى ريف مصر وحضرها وصحاريها ويعوض فى سنوات معدودة، عقود الفرص الضائعة، صار وجدان الكهل مفعماً بالثقة، فى أن هذا الجيل لن يعانى جرح الكرامة الذى أدمى قلوب جيل أجداده، بفضل جيش قوى قادر على صون الأرض والكبرياء، وعلى أن يكرر انتصاره فى أكتوبر الذى حققه مرة، فى كل مرة، إذا لزم الأمر، ولم يعد الكهل فى حاجة لأن يورث أبناءه قرطاس رمال سيناء ولا حجر طابا، فسيناء كلها لن تكون أبداً عند أجيالنا المقبلة ذكرى!
رحم الله راحلنا الكبير فى القامة والقيمة وتأكد يا ياسر أنك مازلت ساكنًا فى ذاكرة محبيك وأساتذتك وزملائك وتلاميذك، ولن ننساك أبدًا.
عاطف النمر
تقدير من الكبار لكبير القامة والقيمة

الشاهد على «سنوات الخماسين»
يعتبر كتاب «سنوات الخماسين بين يناير الغضب ويونيو الخلاص» من أهم ما كتب ياسر رزق طوال مشواره الصحفى الثرى، كان شاهدا ومشاركا وراصدا لكل ما سجله بأسلوبه التوثيقى البديع فى هذا الكتاب الوثيقة، وفى العنوان الفرعى للكتاب إشارة لما تضمنه من تفاصيل السنوات الحافلة بالأحداث ما بين المأزق والخلاص فى حقبة فاصلة من تاريخ مصر، ويتناول الكتاب شخصيات فاعلة ومحركة للأحداث، وأشار ياسر رزق فى المقدمة إلى أن الكتاب ليس محاولة لكتابة تاريخ فترة بعينها، وإنما هو انطلاق منها لقراءة الحاضر فهذا ليس أوان التأريخ لما جرى فى مصر فى العقد الثانى من الألفية الجديدة الذى كان أكثر الحقب صعوبة وتقلبا وأشدها جزرا ومدا فى التاريخ المعاصر، وقال إنه كمواطن، وجد وطنه على حافة جرف مهددا بالسقوط من حالق، وأنه وثق لهذا كصحفى وكشاهد على محطات حاسمة ووقائع فاصلة ومواقف فارقة معظمها فى طى الكتمان قد عايشها وعاينها وأنه فى هذا الجزء من ثلاثية الجمهورية الثانية حاول رصد وقائع مرحلة الانتقال الأولى حين تولى المجلس

العسكرى إدارة الدولة حين كانت تترنح بفعل رياح ثورة ومخططات كبرى أرادت تغيير خريطة المنطقة بحراب أبنائها، وضمن تفاصيل فصول الكتاب السبعة نتعرف على سقوط جماعة الإخوان وظهور رجل الأقدار، وطريق الرئيس السيسى إلى الاتحادية، وقال عن السيسى إنه منذ بواكير خدمته العسكرية لفت انتباه المشير طنطاوى منذ أن جاء المشير وزيرا للدفاع وقائدا أعلى للقوات المسلحة فى 1991 وكان السيسى وقتها برتبة رائد وبرز بين زملائه بكفاءته اللافتة واجتهاده ومثابرته وحرصه على نهل العلم، فضلا عن سماته الشخصية ومنها الصدق والأمانة وعفة اللسان، وتميزه فى التحليل الاستراتيجى والتنبؤ بمسار الأحداث وقد تبدى هذا بجلاء فى بحث إجازة الزمالة فى الاستراتيجية من كلية الحرب الأمريكية العليا فى 2006 وكان البحث بعنوان «الإسلام السياسى والحكم فى الشرق الأوسط».
مدبولى: الاتفاقية تدعم تنفيذ برنامج الطروحات الحكومية
الشـــوربجى يعـتـمد الهــوية البصــريـة الجديدة لسوشيال ميديا «روز اليوسف»
تسليم 43 عقدًا للمصانع والورش بـ «شق الثعبان»






