يشهد العالم غداً تنصيب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة.. ويمكن القول إن ترامب هو الرئيس الأمريكى المنتخب الوحيد الذى بدأ نفوذه حتى من قبل أن يتسلم السلطة رسمياً.. بل ان ظلاله فى المشهد الدولى قد بدأ يلوح منذ أعلن نيته خوض السباق الانتخابى الرئاسى قبل إجراء الانتخابات بنحو عامين، وهى أكبر فترة زمنية لحملة انتخابية لرئيس أمريكى فى التاريخ.. ومنذ إعلان ترشحه، وتجددت موجة ضخمة لشعبيته، وقد بدأ العالم يستعد بالفعل لعودته.
وسياسات ترامب تقوم على عدة عوامل.. أولها المواقف والتعهدات الانتخابية.. وفى حين كانت سياسات ترامب مخيفة للبعض مثل الصين، لكن الخوف طال أيضا حلفاء بلاده مثل أوروبا وكندا.
اقرأ أيضًا | وسط مخاوف وهواجس دولية .. ترامب فى البيت الأبيض غدًا
والرجل الذى تولى فترة سابقة، معروف بسياسته المتشددة تجاه حلفائه من الناحية التجارية، فى سياسة التعريفات، بل حتى أيضا من الناحية الدفاعية.. فهو أقرب لبيع المظلة الأمنية الأمريكية للحلفاء.. يظهر ذلك جليا فى الناتو الذى يطالب أعضائه بدفع المزيد للمؤسسة لصالح تخفيف الأعباء على أمريكا أو حتى عند أماكن تمركز القوات الأمريكية فى كوريا الجنوبية واليابان، اذ طلب منهما فى أخر فترة رئاسته الأولى مضاعفة المال المدفوع لواشنطن، مقابل بقاء القوات الأمريكية حامية لهم من أخطار كوريا الشمالية.. والواقع أن ذلك يشير إلى منظور ترامب للأمر برمته.. فالتقديرات السائدة حاليا تقول بإن المظلة الأمنية التى تمنحها الولايات المتحدة ثمنها الهيمنة الأمريكية فى النطاق الدولي.. لكن ترامب والانعزاليين فى السياسة الخارجية يرون أن هيمنة الولايات المتحدة واقع يفرض ذاته، وليست فى حاجة لأحلاف تكلف البلاد الأموال.. وبنفس المنطق، لا يتحمس ترامب للدفاع عن الأوروبيين فى مواجهة روسيا، وهو ما يعزز بدوره الدعوات لدى الأوروبيين لإنشاء قوة عسكرية أوروبية موحدة.
كما أن ترامب وبنفس المنطق، وعد بإنهاء حرب أوكرانيا، فالرجل لا يرى فائدة من دعم كييف بعشرات المليارات من الدولارات، فى وقت يرغب فيه بخفض عجز موازنة بلاده وتقليل الإنفاق، كما انه يرى أن أحداً (مثل روسيا) لن يجرؤ على تهديد أمريكا، ويتفاخر ترامب دوما بأن موسكو «لم تجرؤ» فى عهده على ضم أى أراضٍ لها من أوكرانيا.. ويتصل بذلك العامل الثانى الذى تقرأ فى إطاره سياسات ترامب، وهو اعتماد الرجل على صورته الشخصية.. فحتى من قبل ان يتسلم الحكم، بدأ الحلفاء والأعداء على السواء الاستعداد لأربعة أعوام أخرى من إدارته، ورصدت «الجارديان» البريطانية فى تقرير سابق خطوات اتخذتها لندن لحل الخلافات مع باريس، والعودة على استحياء، ولو ظاهرياً، لأحضان الاتحاد الأوروبى مرة أخرى، ربما للشعور بالاستقواء أمام التحديات المحتملة المجهولة.. ولا تخف العلاقات السيئة والإهانات الصريحة التى وجهها ترامب لرئيس الوزراء البريطانى كير ستارمر الذى كان يدعم صراحة منافسته كامالا هاريس.
والصورة الذاتية لترامب، أشار إليها ترامب نفسه كصورة «رادعة»، إذ نقل تقرير نشرته «فورين بوليسي» فى وقت سابق عن لقاء إعلامى أجراه ترامب إبان حملته الانتخابية وسئل فيه عما سيفعل إذا قامت الصين بضم تايوان.. فقال الرجل إن الصين لن تفعل ذلك فى ظل إدارته.. وقال نصاً: إن الرئيس الصينى تجمعه به علاقة احترام «لكنه يعلم إنى مجنون» فلن يقيد اختياراته فى رد الفعل.
ترامب نفسه ألمح فى حوار سابق له إنه لا يتخيل سيناريو يضطر فيه الجيش الأمريكى لخوض حرب من أجل تايوان.. وأنه سيتأكد من محاصرة الصين عبر المواجهة الاقتصادية والتجارية لكى لا تتمكن من فعل ذلك يوماً ما.
أما السمة الثالثة لسياسات ترامب، فهى التناقض فى بعض الأحيان الذى يسفر عن سياسات غير متوقعة ومواقف مفاجئة.
هذا التناقض يظهر جلياً حتى الآن فيما يتعلق بسياساته فى الشرق الأوسط.. ومن أبرز الأمثلة ما يتعلق بحرب غزة. فالرجل حذر حركة حماس الفلسطينية «بدفع ثمن باهظ» إذا لم يتم إطلاق سراح الأسرى قبل تنصيبه، بينما نقل عنه مراراً أنه لا يعتقد بوجود أسرى إسرائيليين أحياء لدى الحركة.. كما ظهر هذا التناقض فى إدارته الأولى عندما عرض خطته للسلام المسماة بصفقة القرن وقال إنها السبيل الوحيد لـ»إنشاء دولة فلسطينية» بينما كان ذلك صلب ما يرفضه، ولا يزال، الإسرائيليون.. المواقف المتناقضة والمفاجئة تجلت أيضا فى اتصاله المباشر (خلال إدارته الأولى) مع الزعيم الكورى الشمالى كيم جونج اون، وفى إدارته المقبلة مع خطوات غير متوقعة بدعوته الرئيس الصينى لحفل التنصيب من جهة بينما يهدد بلاده بحرب تجارية لا هوادة فيها من جهة أخرى.
وكذلك موقفه الغامض من إيران بعكس فترته الأولى، إذ نقل عنه استعداده للتفاوض مع ايران بشأن صفقة نووية جديدة، خلافاً لسياساته السابقة بتشديد الضغط على طهران من خلال العقوبات وذلك بعد الانسحاب من الاتفاق النووى معها عام ٢٠١٨.
هذا التناقض والسياسات المفاجئة يؤشر للعامل الرابع والهام وهو تجاوز الرجل للمؤسسات.. وتقليديا كان يقال إنه لا يهم من يحكم أمريكا لأن الحكم هو حصيلة ونتاج سياسات ومؤسسات أقصى خلافاتها على أولويات حزبية دون السياسة العليا للبلاد.. لكن ترامب أثبت أن الرئيس الأمريكى يستطيع أن يفرض رأيه على المؤسسات الحاكمة بل يوجهها بما يرضى توجهاته وآرائه ويتحكم فى نهج تحقيق ما يرى أنها سياسة بلاده العليا حتى وإن كلفه ذلك تغيير النهج بنسبة ١٨٠ درجة بما يربك الحسابات الدولية والعالم تماما.
وقال تقرير نشرته مجلة فورين أفيرز فى وقت سابق، فإنه منذ ظهوره على الساحة السياسية الوطنية قبل عقد من الزمن، قام ترامب بتفكيك الحزب الجمهورى وإعادة بنائه على صورته الخاصة. وظهرت شخصيات مثل جى دى فانس، النائب المنتخب لترامب، والسيناتور الجمهورى من ميزوري، جوش هاولي، الذين يتبعون نهج ترامب فى السياسة الشعبوية. وقد منح الناخبون الأمريكيون فوزًا كاسحًا لهذا النمط الجديد من القيادة المحافظة.
والرجل الذى وعد بإنهاء الحروب وعدم ادخال جيش بلاده فى أى معارك خلال إدارته قد يؤدى لإشعال معارك بالفعل دون قصد. هذا ما كتبه الباحث د. أحمد نبيل فى مقال نشره معهد دراسات السياسات الأمريكى وقال فيه إنه رغم عدم وجود إجماع حول التأثير الدقيق للشعبوية، يتفق المحللون على أن الزعماء الشعبويين ينظرون إلى النظام العالمى بنظرة عدم ثقة باعتباره مكانًا معاديًا. وهم يعطون الأولوية لما يرون أنه «مصلحة الشعب» والسياسات المناهضة للنخبة. وترتبط هذه السياسات بخصائص مثل عدم اليقين وعدم الثقة فى مؤسسات السياسة الخارجية. وقد يؤدى هذا المزيج إلى مواقف محفوفة بالمخاطر فى النظام العالمى الفوضوى اليوم.
اختبار صعب للهدنة| ضربات أمريكية - إيرانية متبادلة.. وأضرار بمطار الكويت
تصعيد بلا توقف| مايو الأكثر دموية فى غزة منذ بداية العام
ثلاثية حرب لبنان| مفاوضات.. مخطط إسرائيلى للجنوب.. وانزعاج أمريكى من تل أبيب







