الديوان| زيارة

أشرف أيوب معوض
أشرف أيوب معوض


تهلل وجه أمى وازداد غبطةً وابتسامةً وفرحةً عندما رأتنى، فمنذ فترة لم أزرها. أخذت تروح وتجيء بحركتها البطيئة وأقدامها المتثاقلة وهى ترحب بى. ذهبت إلى المطبخ كى تُعِد لنا طعام الغداء، تابعتها عبر الصالة، لمحتُ صورة أبى المعلقة على الحائط، وتحاشيت النظر إليها.

أخذت أتأملها وهى تقطِّع حبات البطاطس. اشتقتُ لكِ يا أمي. سألتنى عن زوجتى وأولادى وعن عملى وأحوالى، فأجبتها بنصف ابتسامة:

ــ «الحمد لله، الأيام تسير ولا تتوقف».

قالت لى: «سأطبخ لك الرز بالشعرية الذى تحبه.». ابتسمتُ أكثر وشكرتها. سألتُها عن أحوالها، فقالت لى: «ألم تسمع أن زوجة خالك فى المستشفى منذ خمسة عشر يومًا؟ جاءها نزيف بالمخ، وما زالت محتجزة هناك لا تحرِّك يديها ولا ساقيها. كانت جالسة فى بيتها مع خالك وأولادهما، وفجأة أحسَّتْ برأسها يكاد ينفجر والتوى فمها، فنقلها خالك بسرعة إلى المستشفى... لحقها قبل أن تموت».

كان انفعالى بطيئًا لما تقوله، ولكننى اصطنعتُ علامات الحزن والألم. وضعتْ حبات البطاطس على النار وأكملت: «ألم تسمع أن جارتنا «أم سناء» قد ماتت؟ صحونا الأسبوع الماضى على صراخ بناتها. لم تكن تشكو من أى تعب أو مرض. راحت إحدى بناتها لتوقظها من النوم فلم تصحُ».

سألتها عن العم «سامي»، الرجل الطيب الذى كان يزورنا دائمًا. تغيَّرت ملامح وجهها وتوقفت لحظة، ثم تركت ما كان بيدها وتنهدت قائلة: «عليه رحمة الله... كان جالسًا وطلب من زوجته أن تصنع له فنجانًا من القهوة. وعندما أحضرته له، كان قد أمال رأسه على جسده ولم يرفعه ثانية. صرخت زوجته بأعلى صوتها، وتجمَّع الناس على هذا الخبر الأليم».

ساعدتُ أمى فى إعداد المائدة، وجلسنا معًا وهى لا تحوِّل عينيها عنى وتبتسم. سألتها: «من أين سمعتِ كل هذه الأخبار وأنتِ جالسة هنا بمفردك؟»
قالت لي: «من بائع اللبن الذى يأتى كل صباح ويطرق بابي... أعرف وقتها أنه صباح يوم جديد، وبعدها أسمع زقزقة العصافير».

قبَّلتُ رأسها، ثم... مضيتُ.