الأسرة المصرية| تنتصر على الشتاء

الأسرة المصرية
الأسرة المصرية


بطبق شوربة عدس، أو كوب «حلبسة»، أو سحلب، أو جلسة حول النيران المشتعلة، نجحت الأسر المصرية البسيطة فى الانتصار على برودة الطقس، ليجلبوا الدفء، ويستمتعوا بسرد الذكريات خلال فصل الشتاء، فإذا كان المصرى القديم قد روض الطبيعة وصنع منها حضارة لا مثيل لها فى العالم، فإن الأحفاد أيضاً قادرون على تهذيب المناخ، وتقليم أظافر الشتاء، وابتكار أساليب خاصة لمواجهة البرد بأقل التكاليف المُمكنة، فى الملبس، والمأكل والمشرب.

فى هذا التحقيق يحكى مجموعة من البسطاء عن طريقتهم فى مقاومة الطقس السيئ، كما يتحدث خبراء الاقتصاد والاجتماع والتاريخ عن قدرة المصريين على التكيف مع الظروف مهما كانت قسوتها.

محمود عبد الله ٢٨ عاماً، (مزارع) يقول: إنه يحب الشتاء ولا يبالى بدرجة حرارته المنخفضة، لأنه يجلس مع أسرته كل مساء حول النار التى يشعلونها وينضم إليهم الجيران، وتبدأ حكايات لا تنتهى وهم يشربون الشاى الثقيل المغلى على الحطب.

ويشرح قائلاً: إن جزوع النخيل وقوالح الذرة، وأخشاب السنط متوافرة فى كل مكان بقريته، وكل بيت يستطيع الحصول عليها، لأنها بالمجان، إضافة إلى الأكلات الصعيدية الخاصة التى تجلب الدفء بأقل التكاليف مثل: طبخة الأرز بالطماطم، وفتة الفول النابت، وغيرها.

أما منى سمير 50 عاماً (ربة منزل) فتقول: إنها لم تشعر ببرودة هذا الشتاء، لأنها استعدت له قبلها بشهر كامل، حيث ذهبت إلى أسواق الجملة والبالة، واشترت «جواكت ثقيلة» بخاماتٍ عالية الجودة وبأسعار زهيدة لها ولزوجها وابنتيها، إضافة إلى أنها لا تتخلى عن شوربة العدس، أو حمص الشام الذى نطلق عليه «الحلبسة» التى تُشعرهم بسريان الدفء فى جسدهم، أو كوب السحلب التمام.

اقرأ أيضًا| الحكومة: انخفاض معدل النمو السكاني خلال 5 سنوات

ويواجه على عبد الوهاب (٤٥ عاماً) مشكلة فى كل شتاء وهى أنه يشعر بالتجمد، ولا يريد أن يخرج من البيت، واقترح عليه أحد زملائه أن يتخلى عن سيارته، ويشترى دراجة حتى تدب فى أطرافه الحرارة ويشعر بالنشاط، وبالفعل أصبح رياضياً، لا يستطيع الاستغناء عن دراجته فى الشتاء، مما يجعله يتعرق فى الوقت الذى يكون الناس من حوله «يتكتكون» من البرد.

أسواق الدفء

ويشير د. خالد الشافعى الخبير الاقتصادى إلى أن المصرى دائماً يمتاز بأنه ابن نكتة وفهلوى.. ويستطيع أن يتغلب على المشكلات التى تواجهه فى حياته اليومية بمزيدٍ من الفكاهة، والقدرة على برمجة الأحداث وتطويعها لتوفير سبل صالحة للحياة.. وأضاف: هناك من استطاع التغلب على البرد القارص فى ظل الأزمة العالمية وارتفاع الأسعار بشكل كبير فقرر شراء ملابس قادرة على التدفئة.. وفى نفس الوقت بأسعار رخيصة واتجه إلى أسواق البالات وبدأ فى شراء احتياجاته من الملابس من أسواق مثل الوكالة، وهناك من قام بتجديد ما كان يمتلكه من ملابس قديمة وتظبيطها لتتناسب مع هذا الشتاء، ونعتقد أن هذا هو الاستغلال الأمثل لما لديه من قدراتٍ وموارد، وتكون هنا المعادلة قد تحققت فمن ناحية قام بتوفير المال الذى كان سُينفق فى شراء الملابس باهظة الثمن ومن ناحية أخرى يحقق الهدف وهو الشعور بالدفء.

اقرأ أيضًا| رئيس الوزراء يفتتح خطوط تجميع سيارات «جيلى» في مصر

وعلى صعيد آخر فيما يخص الطعام، سنجد أن معظم الأكلات الشعبية الرخيصة هى من أهم الأطعمة التى تساعد على الشعور بالدفء مثل: الكشرى والعدس والفول السوداني، والبرتقال واليوسفي، والبطاطا، والمشروبات مثل السحلب والقرفة بالجنزبيل والشاي، بالإضافة إلى أن السيدات يخبزن خلال الأجواء شديدة البرودة، حيث تساهم سخونة الفرن فى انبعاث كميات كبيرة من الحرارة، وهو ما يُسرب الدفء للمنزل بالكامل.

واستطاع المصريون التغلب على ارتفاع الأسعار، واستبدال كل ما هو غالٍ بغيره ليكون فى متناول يديه، فالتراث الشعبى المغروس فى وجدان المصريين قادر على جعلهم يتغلبون على أقصى الظروف المعيشية وارتفاع أسعار الغذاء وخلق الدفء لأنفسهم ولأسرهم بأقل التكاليف.

وأشار إلى أن المصريين فى الريف وحتى يومنا هذا حريصون على إشعال النيران للتدفئة بها فى ليالى الشتاء الباردة، وحتى حراس العقارات فى المدن يقومون بهذا الفعل يومياً أمام العمارات، فالمصرى طوال حياته قادر على التغلب على المشكلات التى قد تعيقه عن ممارسة حياته والاستمتاع بها أياً كانت الظروف التى يعيشها.

عالم الندرة

وترى د. هدى زكريا أستاذ علم الاجتماع أن المصريين نظراً لتاريخهم الحضارى الطويل عرفوا مناطق القوة والضعف فى الحياة، ومن أهمها التغيرات المناخية، وقد اكتشفوا فى وقتٍ ما أن الجو العام فى مصر حار جاف صيفاً ودافئ ممطر شتاء، فتكيفوا مع المطر واستفادوا منه فى الزراعة، وفى الحياة بصفة عامة ابتكروا أطعمة ومشروباتٍ غير مكلفة، وفى نفس الوقت تساعدهم على جلب الدفء مثل: البطاطا المشوية وحمص الشام وغيرها، فالمصريون يتفننون فى استخدام كل ما يُشعرهم بالدفء ويجعلهم يتغلبون على برد الشتاء.

ومن ناحية أخرى يقوم الناس وخاصة فى القرى الريفية بإشعال النار يومياً أمام منازلهم باستخدام أى شيء مثل جزوع النخيل أو أعواد الحطب والبوص وقوالح الذرة، وهو ما يحمل لهم الكثير من الدفء وبأقل التكاليف، ويشربون الشاى الذى يصنعونه على هذه النار، فالمصريون كانوا وما زالوا قادرين على التوصل لأفضل الطرق لممارسة الحياة بأقل التكاليف.

وتابعت: عاش المصريون ما يُسمى بعالم الندرة وهي: أن الأشياء ليست موجودة ومتوافرة، وكان لابد من التقليل فى الشراء وتخفيض النفقات، وخاصة المزارعين الذين يعملون فى الأماكن المفتوحة، ومعرضين للصقيع طوال الوقت فبدأوا فى تطبيق فكرة تعدد طبقات الملابس حرصاً منهم على أن تكون الثياب قادرة على حمايتهم من البرد، وساعدهم على ذلك أن البرد فى مصر ليس بتلك الشدة التى تحدث فى بعض الدول الأوروبية وأمريكا التى تصل درجات الحرارة فيها إلى -40، بالإضافة إلى الأعاصير والعواصف التى تدمر بعض مظاهر الحياة فى هذه البلاد، ونحمد الله على نعمته ومنحه لنا أجواء تسمح باستمرار الحياة، وحمى الله مصر بمناخٍ معتدل لا يسبب لنا الكثير من الكوارث الطبيعية التى تعانى منها العديد من الدول.
أقدم جورب من الصوف المصري

ويقول المؤرخ بسام الشماع: إن اهتمام المصرى القديم بالتغيرات المناخية بدأ قبل 14 ألف سنة، عندما صمم دائرة من الأحجار قطرها 4 أمتار لمعرفة مكان شروق الشمس أول يوم فى فصل الصيف ويطلق عليها دائرة الأفلاك، وهى تعتبر أول جهاز ابتكره الإنسان لرصد التغيرات المناخية..

وعن اعتقاد البعض بأن قدماء المصريين لم يرتدوا ملابس شتوية لظهورهم على جدران المعابد بالملابس الصيفية فهذا غير صحيح، لأن المصريون القدماء ارتدوا ملابس شتوية ورأينا هذا فى مقبرة المدعو «المنتمى إلى الوادي» فى البر الغربى بالأقصر، حيث ظهرت سيدات يرتدين ملابس من الكتان الشتوي، إلى جانب ارتداء الجلود والأصواف، بالإضافة إلى الذى تم اكتشافه داخل مقبرة هناك، وهو أقدم فستان فى العالم موجود حالياً فى متحف «بيتري» بلندن، وهناك جورب «شراب» من مصر القديمة مصنوع من الصوف المصرى وحالياً يتواجد فى المتحف البريطاني، وهو خاص بالقدم اليسرى لأحد الأطفال، حيث صُمم لأن يكون مفصولاً بين إصبع القدم الكبير والأربعة أصابع الأخرى، وهذا التصميم أصبحنا نعتمد عليه مؤخراً فى صناعة الجوارب، مما يؤكد أن المصرى القديم كان سابقاً لعصره بآلاف السنين .

ويضيف الشماع: «لا يمكننا أن نتجاهل اكتشاف المصرى القديم لأمراض الشتاء والبرد وقدرته على علاجها بالطعام، فقد عرف الأنفلونزا وارتفاع درجة الحرارة وأوجاع الحلق وإحمرار العينين والسعال وغيرها من أعراض نزلات البرد، وتركوا العديد من الروشتات الطبية متضمنة التشخيص والحلول العلاجية مُسجلة على ورق البردى، ومنها: بردية «إيبرس» المكتوب فيها 12 روشتة للصداع و3 فى بردية «هيرست»، ونصائح لعلاج السعال الناتج عن نزلات البرد بالخروب واللبن»..

ولجأ المصريون القدماء لبعض الأساليب للشعور بالدفء، وهو ما تم توثيقه على جدران المعابد.

فقد استخدموا النار والشموع والمواقد الخشبية والفحم للحصول على الحرارة، بالإضافة إلى حصولهم على الطاقة من خلال عملهم معظم ساعات اليوم، فقد كان حبهم للعمل مصدراً للطاقة بسبب حركتهم»، وقد حرص المصرى القديم على تناول المحاصيل الزراعية الشتوية كالقلقاس وغيره لتمنحه شعوراً بالدفء والحرارة.