الشعر نداء باطنى لفهم القضايا

عمان الكتابة والبشر

إسحاق العجمى
إسحاق العجمى


تحتفى "أخبار الأدب" بالثقافة العمانية، بمناسبة اختيار سلطنة عمان ضيف شرف معرض القاهرة الدولى للكتاب فى دورته السادسة والخمسين، من خلال هذا الملف، الذى يضم شهادات لعدد من كتَّابها، يتحدثون عن تجاربهم الشخصية، وتأثير المكان على إبداعهم، وكذلك من خلال نشر قصص وقصائد فى ساحة الإبداع.

كتمهيد، من البين أنه لا خلاف على ما يفرضه الشعر على علاقتنا بالزمن والتاريخ ، فعلى الدوام يتخذ الشعر مكانه الأسمى ضمن الصورة الواقعية للحياة والإلهام.

وهذا يعنى أن الشعر قادر بشكل مدهش أن يكون مسارا موثوقا للوصول إلى الحس السليم وللإفصاح باستمرار عما وراء الذاكرة.

فى الحالة الخاصة صدرت أول مجموعة شعرية لى عام 2022 بعنوان (ليل قصير) عن دار التكوين للنشر والتوزيع ، كُتبت نصوص تلك المجموعة فى زمن وباء كورونا والذى عرفت فيه البشرية تدابير وعلاقات حياتية ومجتمعية غير معتادة.

حيث كان فهمى لهذه التجربة بشكل منفصل وسط ذروة القلق، حيث لا يمكن أبدا خنق الشعر والرؤيا.

عند هذا المنعطف فإن اكتشاف الرعب يفضح التغيير الكامن للأشياء والأكثر جوانية، قدمت تلك النصوص حالة تطهر للشك الدائم بين ما يُكتب أو ما لا يُكتب كونها أقصى ما أعطاها إياها الشاعر من إقصاء لذاته حين جعلها تقرر مصيرها.

تلك النصوص هى جزء من الفضاء المضاد الذى مس أرواحنا من ذلك الانحراف لاستقلالية ذواتنا من الهاجس المتنكر فى رغبة شديدة لتدمير ما هو عاطفى.

شكل الليل الكائن الناطق والأكثر قوة للاعتراف بضرورة مواجهة زمن الصدمة عند الطوفان وانغلاق الحياة.

الليل يعثر على كينونته عوضا أن يكون معنيا على الإقناع بالطريقة التى لا يدل بها إلا على ذاته ، حيث يمكنه التشارك فى هذه المهمة مع الشعر.
من نصوص المجموعة:

(1)
لا أُفكر أن أكون
قمرا
أو نجما
فى الليل
أحلُم بأنْ
أكون ظلاما

 (2)
فى الظلام
ليس أكيدا
أن تعثُر
على الليل

(3)
فى ليل الذكرى
غيابك
كأنّه فى ليلته الأولى

(4)
كلّ الذى لا تراه الآن
من النافذة
هو
الليل

(5)
كل مصباح
فى الشارع 
بندقية مصوبة 
على قلب الليل البريء

(6)
لم يبق لنا
فى الليل من شيء 
المصابيح جعلته غير مرئي

(7)
فى الليل
ظلام لم يكتمل بعد
أكثر عتمة
وفى عام 2023 صدرت المجموعة الثانية (صورة عكسية للفاو) عن دار أزمنة للنشر والتوزيع وتضمنت المجموعة مقاربات شعرية لثيمات الولادة والحب والذاكرة والوباء والحرب والموت كبوح للذات بمنظور مختلف وتضمّ المجموعة 36 نصا شعريا موزّعة على ستة أبواب تحمل عناوين رئيسية كمدخل يفضى إلى ماهية النصوص.

الفاو هى قرية فى سلطنة عمان ونصوص المجموعة تتناول بشكل تفصيلى ودقيق يوميات إنسانية بحثا عن السكينة المفقودة والسلام الفردى وبمثابة صور معرفية عن الهوية الجمعية للقرية.

نص (أحبّ) من المجموعة:
قد أفاجئك
وأحبّك قبل الأوان
لهذه الرّوح الحزينة
توجُّس عظيم من فوات الأوان
كيف أُقنع الصّقيع الممتدّ كليلةٍ بطيئة
الوقت حان
ساعِدى قلْبي
الشتاء فوق الليالي
سواد بلا قاع يمتص كل دفء حوله
ساعدى فمي
الإيقاع يبحث عن قافية
واللّغة لا تملك ما أودّ قوله
لعلّ هذا الحبّ يُنسيني
ما يُؤلمنى حين أستعيد كلّ فكرة
لم تُصبح امرأة
حيلةٌ للوعي
حيث الوهم له شكل واقعي
أُخاطِر بكل ما يلزم
ليكتمل فى القلب جزئك الأنثوي
مُحتَّم بما تمنحيننى إياه
من إيماءةٍ للانتظار فحسب
هات يدَك للمرّة الأخيرة
أنا متعَبٌ من الهَرَب
ولا تُنقِذُنى إلا يدُ
امرأةٍ أحبّها وقصيدة
لعلَّ التسرُّع الذى تأخَّر كثيرًا
يصل
ليقول لك: أحبّ

أما المجموعة الثالثة (النعى الأخير) فقد صدرت عن الدار الأهلية للنشر والتوزيع عام 2024 فى هذه المجموعة الشعرية تبعث عوالم قديمة وتعالج بنظرة محايدة فى استذكار للتاريخ، والتى تعكس تجربة جديدة فى استخدام الرموز الشعرية واستلهاما لنصوص فولكلورية وإطارات ملحمية واستفادة من التاريخ العام والخاص كما تظهر النصوص الحرص على بيان الرؤى الخاصة وطرح معان وأبعاد للأشياء بمنظور مختلف.
من نصوص المجموعة (موج فى القلب):

الموجة
تصعد تهبط
بلا سترة نجاة
كأنّ فى داخلها
حياة أبديّة
تنتقل طويلًا ثمّ تعود إلى بدايتها
لا عمقَ فيها
شلّالٌ صغير أفلت من المكان
موجة مجهولة
لا يد يمكن
أن تلتقطها
ولا غيمة يمكن أن تنصب شبكتها عليها
لكنّها
نادرًا ما تتذكّر أنّها
تطفو كقطرةٍ فى الكون
أشعرُ الآن
بشراع السّفينة فى البعيد
كنت معهم
لا يمكن النّسيان
الموجة المقذوفة فى الصّمت
عرفتها سريعًا
كما أعرف فى الضّوء المجاور
دوائر الماء
الّتى لم تلحق أن تصير موجًا
ذكرى إثر ذكرى
تمرّ حياتنا غريبة
فى العتمة،
على امتداد الرّحلة القديمة
هذه الأمواج الضائعة
ما أعدّها البحر لي
كأنّى أنثر على قلبي
ملح أيّامنا

وأخيرا للشعر القدرة على التنبؤ بالمستقبل وبناء العوالم الممكنة، ما يقوم به الشعر يسبق الإدراك وقد يتجاوز اللغة، الشعر النداء الباطنى لفهم القضايا التى لا مناص منها، ولملء الفراغ بصورة جيدة وللتأكيد على ما هو حى بداخلنا، يأتى الشعر دائما ليشغل الحلم والتجربة بعد إعادة البناء.