سمير الفيل
حبات النفتالين
كل يوم أفتح دولاب بيتنا، أمد يدى لألمس سترة أبى وهى من الصوف الإنجليزى الفاخر. وأمرر أصابعى حتى أشعر بملمس حريرى لخيوط من ذيل الأحصنة.
أستلُّ خيطا وحيدا، وأذهب به تحت ضوء النافذة، فأشعر بأن أبى فى انتظارى.
أبى الذى مات وعمرى سنة ونصف، لا أعرفه أبدا، توجد له صورة وحيدة، وهو فى استديو «البطراوى»، وابتسامة محايدة على شفتيه، أما طربوشه المائل فقد حيرنى، فهو - أى أبى - يبدو كلاسيكيا فى كل شئونه، فلماذا أمال الطربوش إذن؟
عند قبر العائلة أذهب من وقت إلى آخر لقراءة الفاتحة ومجالسته، والحديث معه بصوت هامس حتى لا يظن أحد من اللحادين أننى ممسوس.
صحيح أن فى «حى أول» وحده عشرات الممسوسين، بعضهم يكلم نفسه، بعضهم الآخر يكلم الجدران، وهناك فئة تكلم السماء، توجه أصابعها للقبة الزرقاء.
أعيش على أمل أن ألتقى بأبى، وإن كنت أخاف أن يعرف أننى شاب بصباص، أحب النساء، والطعام الجيد، ومشاهدة أفلام السينما.
كانت عمتى فتحية تقول لى إن أبى عاش منضبطا، لم يكن يشرب أى دخان، ولا يجلس فى مقهى، مكانه المفضل الجامع، والصوت الذى أَحَبَّهُ للقراء هو الشيخ محمد رفعت.
عمتى فاطمة، تقول لى إن أبى كان قليل الكلام، لا يضيع وقته فى جدل بغيض، وإنه لا أحد من أبنائه قد اكتسب هذه الخصلة.
أما عمتى الثالثة، فكانت ترتدى الملاءة اللف، ولا تكلم أحدا مطلقا، هجرها زوجها فالتاث عقلُها. فى هذا الزمن البعيد كان الرجل هو كل شىء فى الوجود، ولم تكن النساء قد خرجن للعمل بعد، وأصبح لهن استقلالهن المادى.
السترة المعلقة فى الدولاب، وضعت أمى فى جيبها حبات «النفتالين» لتحفظها من القوارض والعثة، ولكن تلك الرائحة النفاذة صارت تذكرنى بأبى، كنت كلما شممتها فى أى مكان، أروح إلى الدولاب فأتحسس القماش، وأغالب رغبتى فى البكاء.
قالت رباب
كانت فرحتى عظيمةً أن قُبلت فى الفرقة المسرحية، بعد اختبارى من أساتذة عظام، خُيِّل إلىَّ أن حلمى على وشك التحقق.
حين كنا على منضدة القراءة لاحظت أن رباب هى بطلة الفرقة، والجميع يخطب ودها.
أما هى فكانت على الدوام، لا تسمح لأحد بالاقتراب منها، وبلغ من حرصها على سمعتها أن كانت تُحضِر شقيقها الصغير معها، ليحضر «البروفة» ويوصلها فى العودة كما جاء بها فى القدوم.
قطع الشيكولاتة كانت هى «الطُّعم» الذى استخدمه أغلب الأعضاء، وكان الولد يعرف أن دوره يقتصر على الحفاظ على شقيقته التى كانت تعترض على قبوله الحلوى والملبس والشيكولاتة.
لم تكن لى سيارة، ولا يوجد عندى فائض مال لأشترى معطفا يحمينى من البرد، لكن صحتى كانت على ما يرام، حتى أصبت بسعال حاد، منعنى من الكلام، فأخذ المخرج نسختى، وأسند الدور لشخص آخر، طلب منى الراحة حفاظا على صحتى، وقد استجبت له.
انسحبت للصفوف الخلفية، أحضر المسرح بلا دور، وبعد انفضاض جلسة القراءة، وجدتها تمسك كيسا كبيرا، وتمد يدها ناحيتى: خذ هذا لك.
مشت معى حتى وصلنا للشارع الرئيسى، قالت رباب وهى تشملنى بعطفها: افتح الكيس، وانظر ما بداخله.
كان معطفا لا هو بالجديد ولا بالقديم، ابتسمت لى وهى تنفض بيدها ترابا ليس له وجود: أبى هو الذى طلب منى ذلك.
أُحْرِجتُ، وضعت وجهى فى الأرض ارتباكا. ربتت على كتفى: أرجوك، البسه الآن. الدنيا برد.
أخرجته فعلا، وساعدتنى على ارتدائه، وضحك الولد لأنه قال فى مرح: هذا هو أبى الثانى.
ضحكت وضحكت رباب، ومشينا حتى رأينا بائع بطاطا ساخنة. اشترت ثلاثة أكواز، قدمت لى واحدا، والثانى للولد، والثالث لها.
قالت رباب، وهى تشملنى بنظرة ساحرة: أنت مثل أخى، لا يذهب عقلك لشىء آخر.
كنت حزينا لذهاب الدور منى، لكنها أقنعتنى بأن أعمل فى الإدارة المسرحية.
هذا الموضوع مر عليه ثلاثون عاما. ستكون مفاجأة لك حين تعلم أننى أنجبت من رباب ثلاثة أبناء ، كبروا، وصاروا فى الجامعة، أما خالهم الذى كانت الشيكولاتة تقدم إليه لخطب ود شقيقته، فقد مات فى حادث دهس، وارتدت أخته الثياب السود لأربعين يوما ثم خلعتها؟!
فيما هو مستحب
كنت أهمس لنفسى إننى أحب الأرقام الزوجية، فهى تشعرنى بالطمأنينة، وتجعلنى أحس أن الحياة بخير، وفيما هو مستحب بالنسبة لعالم الأرقام أن الرقم 7 هو بركة، وقضاء حوائج، فالجميع يستريح عندما يصل إليه.
وقد حاولت طيلة عمرى تجاوز مسألة الأرقام باستثناء نفورى من رقم 13 بالرغم من أن عباس محمود العقاد كان يستبشر به، كما كان يضع بومة على مكتبه.
أنا أقلُّ كثيرا من العقاد، فهو أصدر مئات الكتب، وحرر آلاف المقالات، وكان يجلس فى صالونه مرتديا روبا فخما، ومن حوله الحواريون.
أنا شخص غلبان جدا، لا حواريون يحيطون بى، وأصدقائى - ما عدا الموتى - لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة. فتنت منذ صغرى برقم 12، وكنت أقف أمامه بإجلال وتوقير. أسأل نفسى عن السبب الخفى الذى يجعلنى أستبشر به، وأكتبه مكررا على جميع دفاترى.
حتى إن نجلاء قالت لى مرة: أمرك مريب. ما دلالة الرقم؟. قل لى. أقنعنى.
كنت أحب نجلاء منذ ثلاث سنوات، ألمحت لها بحبى، ولم أتقدم خطوة لاستكمال مشروع الزواج، فأنا مفلس، لا أمتلك شيئا سوى بركة الرقم 12.
قلت إن الأرقام الزوجية تمنحنى إحساسا قويا بالطمأنينة، فثمة رفقة فى أى طريق يقطعه اثنان، وأضعافهما، فى الكتيبة 16 مشاة كنت سعيدا أن تكون الكتيبة ملاصقة لخط القناة، وشارع معاهدة الجلاء وكان رقمى الكودى زوجيا.
وحين نبشنا فى أرض الكتيبة بعد الحرب بعام عثرنا على جثث لشهداء ماتوا فى العمليات، وقد شاركت مع زملائى فى دفنهم فى تل مرتفع مع وضع خوذة مقلوبة من عهدة الصول عبدالسميع.
أمسكت نجلاء بيدى، جذبتنى بقوة: هل تنوى التقدم فى هذه السنة لخطبتى أم نفضها سيرة؟
كنا فى العام 1976، والرقم زوجى فهتفت: نعم، سأتقدم.
اندفعت نحوى تحتضننى، وبالفعل تزوجنا، وبالمصادفة عرفت أنها - المجرمة - كانت تخالفنى وتعشق الأرقام الفردية.
أنجبت ثلاثة أولاد وبنتا قبيحة تشبه حماتى. ونحن نعيش الآن فى شجار دائم، والسبب هو أنها تحضر كل الأشياء الفردية، وهو ما يسبب لى حساسية زائدة؟!
زاد
الحبُ
ناظم حكمت






