فقه المواطنة والمشتركات الإنسانية

أ. د. محمد مختار جمعة
أ. د. محمد مختار جمعة


لقد رسخ نبينا الكريم -صلى الله عليه وسلم- أسس المواطنة وفقه العيش الإنسانى المشترك منذ وضع اللبنات الأولى لبناء الدولة بالمدينة المنورة من خلال أعظم وثيقة بشرية لأسس العيش المشترك، وثيقة المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم، ومما جاء فى هذه الوثيقة العظيمة: أن يهود بنى عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم. 

وذكرت الوثيقة ليهود بنى النجار، وبنى الحارث، وبنى ساعدة، وبنى جشم، وبنى الأوس، وبنى ثعلبة، وغيرهم من يهود المدينة، ما قررته ليهود بنى عوف، كما ذكرت أن بطانة اليهود ومواليهم كأنفسهم. 

فانظر إلى الإنصاف العظيم فى هذه الصحيفة التى بُنيت على قدم المساواة والمواطنة  الرشيدة: لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، حيث يقول الحق سبحانه: «لَا إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ»، ويقول سبحانه: «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِى الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ»، ويقول سبحانه: «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ»، فلا إكراه فى الدين ولا على الدين، كما أن حرية المُعتقد تقتضى حرية إقامة الشعائر أيضاً، ولطالما أكدنا أن حماية دور العبادة كل دور العبادة واجب على أبناء الوطن جميعاً متضامنين لحماية مساجدهم وكنائسهم وسائر دور عبادتهم بحكم المواطنة المشتركة بينهم، وأن الحفاظ على الأوطان يقتضى الحفاظ على أمن وأمان وسلامة جميع أبنائها فى أنفسهم وأموالهم وأعراضهم ودور عبادتهم، وأن حماية الكنائس كحماية المساجد سواء بسواء، فالوطن لنا جميعاً وبنا جميعاً. 

اقرأ أيضًا| وزير الأوقاف السابق: بناء الشخصية السوية لا يحدث إلا بالإقناع

ثم تمضى وثيقة المدينة فى تقرير حقوق المواطنة وواجباتها، فتؤكد أن الجار كالنفس فى حفظ حرمته وحقوقه، وأن بين أهل هذه الصحيفة النصر على مَن دهم يثرب، وأن يهود الأوس ومواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل الصحيفة مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة، وأن البر دون الإثم، لا يكتسب كاسب إلا على نفسه، وأن الله على أصدق ما فى هذه الصحيفة وأبره، وأنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم ولا آثم، وأن مَن خرج آمن، ومَن قعد آمن بالمدينة إلا مَن ظلم أو أَثِم، وأن الله جار لمَن بر واتقى ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أى أن كل مَن التزم بهذه الوثيقة وما تضمنته من حقوق وواجبات، فهو فى ذمة الله وذمة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. 

ذلك مع بيان أن الأديان السماوية كلها جاءت رحمة للناس، كلها عدل، وتسامح، وإنسانية، وقد ذكر سيدنا عبد الله بن عباس -رضى الله عنهما- أنّ الوصايا العشر التى ذُكرت فى أواخر سورة الأنعام إنما هى محكمات لم تُنسخ فى أى شريعة من الشرائع السماوية، حيث يقول الحق سبحانه:  «قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ولَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِى هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ 

وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِى مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»، ويقول نبينا الكريم -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ ممَّا أدرك النَّاسُ من كلامِ النُّبوَّةِ الأولَى: إذا لم تستحْ فاصنَعْ ما شئتَ».

تلك هى القواسم الإيمانية والأخلاقية والإنسانية المشتركة بين الشرائع السماوية وأصحابها، ولهذا قال نبينا الكريم -صلى الله عليه وسلم-: «الأنبياءُ إخوَةٌ لعَلَّاتٍ: دِينُهم واحِدٌ، وأُمَّهاتُهم شَتَّى، وأنا أوْلى النَّاسِ بعيسى ابنِ مَريمَ». 

وقد عبر أمير الشعراء أحمد شوقى عن الروح التى تجمع المصريين جميعاً، فقال

أَعَهِدتَنا وَالقِبط إِلّا أُمَّةٌ

لِلأَرضِ واحدة تَرومُ مَراما

نُعلى تَعاليمَ المَسيحِ لِأَجلِهِم

وَيُوَقِّرونَ لِأَجلِنا الإِسلاما

الدينُ لِلدَيّانِ جَلَّ جَلالُه

لَو شاءَ رَبُّكَ وَحَّدَ الأَقواما

هَذى رُبوعُكُمُ وَتِلكَ رُبوعُنا

مُتَقابِلينَ نُعالِجُ الأَيّاما

هَذى قُبورُكُمُ وَتِلكَ قبورنا 

مُتَجاوِرينَ جَماجِماً وَعِظاما

فَبِحُرمَةِ المَوتى وَواجِبِ حَقِّهِم

عيشوا كَما يَقضى الجِوارُ كِراما

 وختاماً: يسرنى أن أهنئ قداسة البابا تواضروس الثانى بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية وسائر الكنائس المصرية بالعام الميلادى الجديد وذكرى ميلاد السيد المسيح عليه السلام، كل عام وهم جميعاً ومصرنا العزيزة بأهلها جميعاً بمساجدها وكنائسها وكل أبنائها الوطنيين بخير وسلام فى أمن وأمان وراحة بال، وأسأل المولى سبحانه أن يرد كيد المتربصين بمصر وأهلها فى نحورهم، وأن يجمع صفنا الوطنى على كلمة سواء تسهم بقوة فى تماسك وصلابة مجتمعنا والحفاظ على أمنه وأمانه وقدرته على الصمود فى وجه تلك التحديات الكبرى المحيطة، بل المحدقة، بل المتربصة بنا، ثم تجاوز تلك التحديات إلى مواصلة البناء والتعمير وصولاً إلى مرحلة الرخاء والازدهار بإذن الله تعالى.