إرادة الله فى حياة الإنسان.. دروس من ميلاد المسيح

د.القس أندريه زكى رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر
د.القس أندريه زكى رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر


فى قراءتنا لقصة ميلاد المسيح كما وردت فى الأناجيل، نكتشف كيف كان الله يدير الأحداث فى حياة البشر بما يتفق مع مشيئته، بهدف تحقيق إرادته الصالحة من أجل البشرية كلها. تبدأ القصة ببشارة الملاك للعذراء مريم، وهى لحظة مليئة بالتحديات والمخاطر، خاصة فى مجتمع تقليدى يرفض المفاهيم الجديدة.

ولعل التحدى الأكبر كان موقف يوسف النجار، خطيب مريم، الذى ظن أنها ارتكبت خطأً وكان ينوى الانفصال عنها بهدوء. لكن الله تدخل فى الوقت المناسب ليحمى يوسف من هذه الأفكار. كما أنقذ الله العائلة المقدسة من هيرودس، الملك الذى أراد قتل الطفل يسوع خوفًا على سلطته.

تُظهِر هذه الأحداث بوضوح أن إرادة الله دائمًا صالحة، وأنه يحقق مشيئته بطرقٍ حكيمة تتوافق مع العقل البشرى، وتمنحنا الحرية فى اختياراتنا. 

إرادة الله صالحة ولخيرنا

يؤكد الكتاب المقدس أن إرادة الله تجاهنا هى دائمًا صالحة، فهى ترتكز على محبته لنا وسعيه لتحقيق الخير فى حياتنا. يوضح النبى إشعياء أن «مقاصد الله أمانة وصدق»، قائلًا: «يَا رَبُّ، أَنْتَ إِلهِى أُعَظِّمُكَ. أَحْمَدُ اسْمَكَ لأَنَّكَ صَنَعْتَ عَجَبًا. مَقَاصِدُكَ مُنْذُ الْقَدِيمِ أَمَانَةٌ وَصِدْقٌ» (إشعياء 25: 1). كما يشير بولس الرسول إلى أن «إرادة الله هى الصالحة المرضية الكاملة»، فيقول: «لِتَخْتَبِرُوا مَا هِيَ إِرَادَةُ اللهِ: الصَّالِحَةُ الْمَرْضِيَّةُ الْكَامِلَةُ» (رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 12: 2). الله يريد دائمًا الخير للبشر، ويرى الكتاب المقدس أن «كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ الله» (رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 8: 28). الحياة وفق خطة الله لا تعرف اليأس. إذا كنا نعيش فى علاقة مع الله، نقرأ كلمته ونسعى لتحقيق إرادته، فإننا نتمكن من التعرف على خطته لحياتنا. 

اقرأ أيضًا| البابا تواضروس يستقبل رئيس إستونيا

إرادة الله لا تتم إلا بطرق الله

على الرغم من أن إرادة الله صالحة، إلا أنها تتحقق بطرق تتسم بالقداسة والعدل. الله صالح وقدوس، وكل من يتبعه يجب أن ينعكس ذلك فى سلوكه. لا يمكن تبرير الأفعال غير الأخلاقية تحت أى ظرف كان. ولا يمكن تحقيق خطة الله إلا بطرقٍ تتماشى مع قِيَمِه. مهما كانت الأهداف كبيرة، فإن الوسائل التى تُتبع لتحقيقها يجب أن تكون نقية ومتوافقة مع وصايا الله. 

إرادة الله ليست عشوائية

إذا نظرنا إلى الكون، نرى أن كل شىء فيه يسير وفق قوانين دقيقة لا مجال فيها للعشوائية. من خلال علم الإنسان واكتشافاته، ندرك أن هذه الدقة والتنظيم فى الطبيعة تعكس قدرة الله العظيمة. كل شىء يسير وفق خطة إلهية محكمة. لا شىء فى الخليقة كلها يحدث دون ترتيب. 

إرادة الله تحترم عقل الإنسان وحريته

إن الله قد منح الإنسان حرية الاختيار، وهو لا يُجبرنا على اتخاذ قرارات معينة. ففى سفر التثنية، نجد دعوة صريحة لاختيار الحياة، فيقول: «قَدْ جَعَلْتُ قُدَّامَكَ الْحَيَاةَ وَالْمَوْتَ. الْبَرَكَةَ وَاللَّعْنَةَ. فَاخْتَرِ الْحَيَاةَ لِكَيْ تَحْيَا أَنْتَ وَنَسْلُكَ» (تثنية 30: 19). هذه الكلمات تعكس احترام الله لإرادة الإنسان. ويروى لنا إنجيل متى، قصة حاكم شاب غنىُّ جاء إلى المسيح، ليسأله ماذا يعمل ليرث الحياة الأبدية، وبعد حوار مختصر «مضى حزينًا» وقد اختار ألَّا يتبع المسيح. النقطة المهمة هنا هى أن المسيح تركه يمضى. الله لا «يفرض» علينا الإيمان به. إنه يوصينا أن نؤمن ولكنه لا يجبرنا أن نؤمن. لذا فمشيئة الله تحترم إرادة الإنسان.. وعندما يريد الله منا أن نتبع مشيئته ونثق بها، فهو يطلب أن نفعل ذلك عن اقتناع تام. 

إرادة الله ومسئولية الإنسان

فى سفر التكوين 2: 15، يوضح الكتاب أن الله خلق كل شىء بشكلٍ كامل وجميل، وأعطى الإنسان مسئولية الحفاظ على الخليقة. الإنسان ليس مجرد متلقٍّ لأعمال الله، بل هو شريك فى العمل الإلهى، وعليه دور فى الحفاظ على الأرض والمشاركة فى بناء المجتمع. تلك المسئولية جزء أساسى من مشيئة الله.
نحن مُطالبون بالعمل فى المجتمع، كل فى مكانه، من أجل خير الآخرين. بتقديم خدمة حقيقية لمجتمعنا، نحقق مشيئة الله ونساهم فى تحسين العالم من حولنا.
فى بداية عام جديد، نصلى جميعًا أن نتعرف أكثر على مشيئة الله فى حياتنا، وأن نعلم أدوارنا فى تنفيذها بما يرضيه. كما نرفع صلواتنا لأجل وطننا مصر، ولأجل جميع قياداتها وشعبها، متمنين عامًا مليئًا بالنجاح والإنجاز، وفق مشيئة الله الصالحة.