في قلب الاتحاد الأوروبي، تقف بولندا في طليعة المعركة ضد هيمنة الدول الغنية على سوق الأدوية الحديثة.
تسعى وارسو لتغيير قواعد اللعبة، مُطالبةً بحقوق متساوية في الوصول إلى العلاجات الجديدة لمرضىها، في خطوة تهدف إلى كسر الحواجز الاقتصادية التي تفصل بين دول الاتحاد، ومع استعداد بولندا لتولي رئاسة مجلس الاتحاد الأوروبي، تتجه الأنظار إلى كيفية استغلال هذه الفرصة لدفع إصلاحات جذرية في التشريعات الدوائية، تُمهد الطريق لتوزيع أكثر عدلاً للأدوية عبر دول الاتحاد الأوروبي.
وتطمح بولندا لتوفير أحدث الأدوية لمواطنيها، لكن الواقع الحالي لا يعكس هذا الطموح، فمع توليها رئاسة مجلس الاتحاد الأوروبي في يناير المقبل، تملك بولندا نافذة ذهبية لتقديم إصلاح شامل للتشريعات الدوائية، ما قد يُجبر شركات الأدوية على توسيع نطاق توفر منتجاتها في جميع أنحاء الاتحاد، وفقًا لصحيفة «بوليتيكو» الأمريكية.
لكن هذه المهمة تواجه سباقًا مع الزمن؛ إذ تمتلك بولندا 6 أشهر فقط للتوصل إلى اتفاق مع بقية الدول الأعضاء حول حقوق احتكار شركات الأدوية، قبل أن تتولى الدنمارك الرئاسة، والتي تُعرف بدعمها القوي لصناعة الأدوية ورفضها لتقليص امتيازاتها.
بينما يقف مجلس الاتحاد الأوروبي في مفترق طرق، باحثًا عن صيغة تُحقق التوازن بين توفير الأدوية للمواطنين في جميع أنحاء الاتحاد وتحفيز الشركات على تطوير ابتكارات جديدة، إلا أن محاولة دمج هذين الهدفين تحت مظلة واحدة خلقت انقسامًا واضحًا بين الدول الأعضاء.
لكن بولندا، التي تحتل المرتبة الخامسة من حيث عدد السكان في الاتحاد، لا تُضيع وقتًا في الدفاع عن موقفها، ويضغط ممثلوها بقوة من أجل تقليص حقوق الاحتكار الحالية، ما يُسرّع دخول الأدوية المُقلدة الأرخص إلى الأسواق، ويُعزز فرص المرضى في الحصول على العلاجات المطلوبة.

صوت بولندا.. «وصول الدواء أولا»
خلال قمة الرعاية الصحية في نوفمبر الماضي، صرّحت كاتارزينا بيوتروفسكا رادزيفيتش، مديرة سياسة الأدوية والصيدلة في وزارة الصحة البولندية لصحيفة «بوليتيكو»: "الأمر لا يتعلق بالتنافسية فقط، بل بإمكانية الوصول إلى الأدوية"، وأضافت: "ضمان وصول الأدوية إلى الجميع في الوقت المناسب هو مسؤوليتنا كحكومة، وهدف رئيسي خلال رئاستنا للاتحاد الأوروبي".
وما يُعزز موقف بولندا هو حجم التحديات التي تواجهها في هذا المجال، ففي عام 2024، كان 69 دواءً فقط من أصل 167 دواءً تمت الموافقة عليها بين 2019 و2022 متاحًا في بولندا، بينما تمكنت ألمانيا من توفير 147 دواءً، أما الدول الأصغر حجمًا، مثل مالطا، فقد تمكنت من توفير 6 أدوية فقط.
فيما ترى بولندا أن مسؤوليتها تمتد إلى تمثيل الدول الأصغر، التي تعتمد عليها للدفاع عن حقها في الحصول على الأدوية الحديثة، وتقول المسئولة البولندية، بيوتروفسكا رادزيفيتش: "الدول الأصغر تنظر إلينا كدولة كبيرة تستطيع حمل قضاياها، وهذا يزيد من الضغط علينا"، بحسب الصحيفة الأمريكية ذاتها.
رغم الاعتراف بأهمية الابتكارات الطبية، تُشير بولندا إلى العقبات الاقتصادية التي تعيق وصول هذه العلاجات إلى الأسواق، مشيرةً إلى أن العلاجات الجديدة غالبًا ما تكون مكلفة وتستغرق حوالي عامين ونصف قبل أن تُغطى تكاليفها في بولندا، وفي بعض الدول، لا تُدرج هذه العلاجات ضمن أنظمة السداد مطلقًا.

مفتاح خفض الأسعار
تُمنح الأدوية المبتكرة براءات اختراع لمدة 20 عامًا، لكن فعليًا، تبقى حماية البيانات سارية لمدة 13 عامًا بعد طرح الدواء في الأسواق، بالإضافة إلى ذلك، تستفيد هذه الأدوية من حماية البيانات لمدة ثماني سنوات، تمنع خلالها الشركات المنافسة من استخدام البيانات الداعمة لترخيص الدواء.
إلا أن المفوضية الأوروبية اقترحت خفض حماية البيانات إلى 6 سنوات فقط، مع إمكانية استعادة العامين المفقودين إذا حققت الشركات أهدافًا صحية مثل توفير الدواء في جميع الدول الأعضاء أو تطوير أدوية تُلبي احتياجات غير ملباة.
كما أن خفض مدة حماية البيانات قد يؤدي إلى توفير 1.13 مليار يورو سنويًا لأنظمة الصحة العامة، وفقًا لدراسة تأثير أجرتها شركة تكنوبوليس، مؤكدةً، أن دولًا كبرى وغنية في سوق الأدوية مثل فرنسا وألمانيا لا تُبدي حماسًا للتفاوض بشأن إصلاحات تسعير الأدوية، بينما تواجه دول كبولندا صعوبات حقيقية في تأمين الأدوية لمواطنيها، ما يجعلها أكثر انفتاحًا على الحلول التوافقية والمفاوضات الشاملة.
وتعرقل دول مثل السويد وفرنسا وإيطاليا وألمانيا ودنمارك إصلاح سوق الأدوية الجديد، وتشير بولندا إلى أن التحدي الأكبر خلال رئاستها يتمثل في إقناع هذه الدول الغنية بقبول تغييرات جوهرية تتيح وصولًا أوسع للأدوية في الأسواق الأوروبية، وفقًا لصحيفة «بوليتيكو».
وتواجه خطة المفوضية لتحفيز سوق الأدوية معارضة واسعة، حيث ترفض 60% من الدول الأعضاء المقترحات بدعوى أنها قد تجعل السوق غير مستقر، ورغم ذلك، تدعم دول البلطيق وقبرص وسلوفينيا هذه الإصلاحات، مؤكدين ضرورة تحسين آليات توفير الأدوية الجديدة.
واقترحت كلا من الرئاسة البلجيكية والمجرية بدائل لدعم سوق الأدوية، منها إلزام الشركات ببدء محادثات التسعير عند الطلب، وفي حال فشل الشركات بالالتزام، قد تخسر حماية السوق، وهذه الإجراءات تهدف إلى تعزيز العدالة في توزيع الأدوية وتقليل الفجوات بين الدول الأعضاء.
لكن كبار اللاعبين في سوق الأدوية، مثل ألمانيا وإيطاليا، يعارضون النموذج المجري، محذرين من عواقب الالتزام الإجباري، ويرى دبلوماسيون أن الفشل في إيجاد أرضية مشتركة قد يترك الدول الأصغر في موقف ضعيف، مطالبين باتفاقية تضمن حقوق الجميع في الوصول إلى الأدوية.
وتأمل بولندا في قيادة سوق الأدوية بطريقة مبتكرة خلال رئاستها للاتحاد الأوروبي، بينما تسعى لإيجاد حلول فعالة تضمن تحقيق التوازن بين مصالح الدول الكبرى والاحتياجات الملحة للدول الأصغر، مشددة على أن الوصول العادل للأدوية يجب أن يكون على رأس الأولويات.
وفي سوق الأدوية، ترى الدنمارك أن تعديل حماية البيانات لن يحقق النتائج المرجوة، وتدعو إلى تعزيز التعاون بين الدول الصغيرة من خلال عطاءات مشتركة ورفع مستوى الشفافية في التسعير، معتبرة أن الحلول الجماعية هي السبيل الأفضل لضمان توفير الأدوية للجميع.
ورغم الاختلافات العميقة في سوق الأدوية، يُتوقع أن تسعى بولندا والدنمارك خلال رئاستهما للاتحاد الأوروبي إلى تقريب وجهات النظر، ولكن دفع المصالح الوطنية قد يجعل التوصل إلى اتفاق نهائي أمرًا معقدًا، ما يهدد بفقدان المصداقية أمام الدول الأعضاء.
وصرح دبلوماسي، بأن سوق الأدوية قد يصبح أكثر تعقيدًا إذا فشلت بولندا والدنمارك في التوصل إلى اتفاق موحد، في ظل التنافس على تخفيض فترات الحماية، يخشى البعض أن يؤدي ذلك إلى اضطراب السوق بدلًا من تعزيز الوصول العادل للأدوية.
وأكدت الدنمارك، على أنها ستسعى إلى تحقيق توازن في سوق الأدوية، مشيرة إلى أن فرض أجندتها الخاصة قد يؤدي إلى تعطيل الإصلاحات، وتدعو إلى إيجاد أرضية مشتركة لتجنب انقسام أوسع داخل الاتحاد الأوروبي وضمان استمرار التقدم في توفير الأدوية للجميع.
وفي ظل استمرار بولندا في حمل لواء التغيير، يبقى السؤال.. هل ستنجح وارسو في كسر هيمنة شركات الأدوية الكبرى؟ أم أن المصالح الاقتصادية للدول الكبرى ستبقى عقبة أمام المرضى البولنديين الذين ينتظرون بفارغ الصبر العلاجات الحديثة؟

نتنياهو: طالما أنا رئيس وزراء إسرائيل لن تمتلك إيران سلاحا نوويا
وزيرا الكهرباء والصناعة يشاركان بعيد روسيا الوطني ويشيدان بعمق العلاقات
قتيل ومصابين.. إطلاق نار قرب مقر إقامة منتخب الأرجنتين يثير القلق في المونديال






