38.7 مليار دولار سددتها مصر خلال عام 2024 من إجمالى التزاماتها سواء الديون أو الفوائد، من هذا الرقم، 7 مليارات تم سدادها خلال نوفمبر الماضى وديسمبر الجارى.
أهمية هذا الخبر لا تكمن فقط فى نجاح سداد مبلغ كبير من الالتزامات، خلال العام الذى شهدت بدايته ذروة أزمة النقد الأجنبى، وإنما كذلك فى أن هذا الرقم هو الأعلى ضمن جدول الديون خلال عام واحد، ليبدأ تناقص الالتزامات السنوية تدريجيًا من العام القادم 2025.
بعد ساعات من إعلان رئيس الوزراء لهذه الأرقام، كانت إسرائيل تشن هجمات عنيفة ضد الأراضى اليمنية، وهى هجمات تأتى ضمن اضطرابات غير مسبوقة بالمنطقة كلها، تؤثر أمنيًا واقتصاديًا وسياسيًا على الإقليم، بل والعالم كله.
يعيدنا هذا المشهد مرة أخرى للديون التى أثقلتنا بضغوطها وأعبائها لسنوات، وكان العبء الأقصى والأثر الأقسى خلال عامى 2023 و2024، حيث تزامنت الأقساط الكبيرة مع أزمة الدولار.. نعود بسؤال منطقى: لماذا اقترضنا؟ وما أوجه إنفاق تلك الديون التى نسددها حاليًا؟
خلال السنوات العشر الأخيرة، ازداد الرقم الإجمالى للديون المصرية، سواء الدين الداخلى أو الدين الخارجى، وهو ما انعكس بشكل مباشر على حجم الأقساط والفوائد التى يتم دفعها سنويًا، والتى تؤثر بكل تأكيد على الموازنة ومساحات الإنفاق المُتاحة.
لكن فى المقابل، وُظِّفت هذه الأموال فى طفرة غير مسبوقة للبنية التحتية، ودخلت مصر مرحلة أشبه بإعادة البناء، والتى لم تكن رفاهية على الإطلاق، وإنما ضرورة حتمية لدولة تعانى انهيارًا مخيفًا فى كل مرافقها تقريبًا، بين مرافق تقادمت دون تحديث لعشرات السنين، وأخرى غاب عنها التحديث والصيانة اللازمة لضمان كفاءة التشغيل حتى ولو بتكنولوجيا قديمة. استمرار الوضع على هذا النحو، كان يعنى بكل وضوح ودون مبالغة، شللًا كاملًا فى الاقتصاد المصرى، فلا الاستثمار المحلى سيستطيع المقاومة والاستمرار، فضلًا عن ضخ استثمارات جديدة، ولا الأجنبى سيكون مستعدًا لخوض مُغامرة غير محسوبة فى سوق لا تتوفر فيها المقومات الأساسية.
شلل الاقتصاد، فى دولة تعانى نقص الموارد، هو النموذج الأمثل لشرح دوامة الفقر، فنقص الموارد يؤدى لغياب التطوير وتحسين البنية التحتية والإصلاح الاقتصادى، ونتيجة لغياب هذه العناصر يتفاقم تناقص الموارد، وهكذا تتعمق الأزمة حتى تصبح كارثةً قومية غير قابلة للسيطرة عليها.
كسر هذه الدوامة يتطلب قرارًا شجاعًا من القيادة السياسية، ووعيًا مجتمعيًا يتحمل التكلفة التى لن تكون بسيطة، والضغوط التى لن تكون يسيرة أو سهلة.. هذه المعادلة السحرية تحققت فى مصر بفضل الله، فكانت النتيجة أكبر عملية تحديث للبنية التحتية، بالتوازى مع أكبر وأخطر برنامج للإصلاح الاقتصادى والهيكلى.
ومع نقص الموارد، استحال عمليًا ونظريًا وبكل المقاييس، أن يتم تنفيذ المخطط عبر الموارد الذاتية، وبالتالى كان الاقتراض حتميًا، كما أن التباطؤ فى تنفيذ المخطط المتكامل سيؤدى لنقص الفاعلية، وهو ما يمكن أن يتضح على سبيل المثال إذا افترضنا أن تحديث البنية التحتية جرى على أكمل وجه، لكننا أجلنا الإصلاح الاقتصادى المتضمن ضبط سعر الصرف، ما النتيجة المتوقعة؟ لن يتحمس الاستثمار الأجنبى رغم أى تحديث للبنية التحتية.. وبالتالى المعادلة الكاملة -رغم ضغوطها- حتمية.
ما سبق يعنى أن الديون أُنفقت على استثمار طويل الأجل، استثمار مجزٍ لجيل حالٍ وأجيال قادمة.. والآن، تخيل لو أننا أجلنا هذا الإصلاح والتحديث المكثف 10 سنوات فقط كما كان ينادى البعض، ليبدأ الآن مع ما يحدث بالمنطقة.. هل كان بإمكاننا أن نخوض هذه المعركة وسط هذه الظروف الإقليمية والدولية، سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا؟

تحت أول ضوء شمس
تصحيح أفكار خاطئة
عقبال بقية مارينا







