فى الصميم

نحتفل بالنصر العظيم ويحتفلون بالنصاب ديليسبس!

جـلال عـارف
جـلال عـارف


وسط مخاطر لا حدود لها تجتاح المنطقة.. جاء احتفالنا بالنصر الكبير على العدوان الثلاثى فى ٢٣ ديسمبر ليذكر الجميع بأننا قادرون على مواجهة أعتى التحديات، وعلى صنع التاريخ وتغيير مسار الأحداث، وأن مصر حين تتوحد كلمتها وتعلى إرادتها المستقلة قادرة على أن تحقق أهدافها، وتسترد حقوقها، وتحرر كل شبر من أرضها.. مهما كان الطريق صعباً.

كانت قناة السويس هى قلب المعركة ـ قبل شهور قليلة كانت القناة دولة داخل الدولة تسيطر عليها إدارة فرنسية، وتحمى بقاءها خارج سيطرة مصر قوات الاحتلال البريطانية فى أكبر قاعدة عسكرية فى الشرق الأوسط، وجاءت ثورة يوليو وتم طرد آخر جندى من جنود الاحتلال فى يونيو ٥٦، ثم كان استرداد قناة السويس، وتنتصر مصر ويأتى ٢٣ ديسمبر وقد اندحر العدوان وعادت قناة السويس للوطن المنصور بإذن الله.

احتفالنا بعيد النصر هذا العام كان إعلاناً بأن ذاكرة الوطن تحفظ قيمة التضحيات التى قدمتها أجيال عديدة، ولكى نستعيد القناة، كنا نقول للعالم كله إن ذاكرة الوطن لا تنسى، وإن إرادة النصر الذى حققناه فى بورسعيد ٥٦ ثم فى أكتوبر العظيم ٧٣ هو رد مصر على كل مَن يفكر فى المساس بذرة رمل من ترابها.
وسط هذا كله، ومع تصاعد الدعوة لاستعادة الطابع القومى للاحتفال بالنصر الذى غير تاريخ المنطقة والعالم، كان مثيراً للدهشة أن يعود البعض للحديث عن تمثال ديليسبس، وأن نسمع مرة أخرى دعوات لإعادته لمكانه فى مدخل قناة السويس ببورسعيد وكأنهم يريدون إعادة الاعتبار للنصاب الذى تحايل لكى تحفر مصر القناة وتفقد فيها ١٢٠ ألف شهيد بين مئات الألوف الذين عملوا بالسخرة وعانوا الجوع والمرض والموت.. لتذهب قناة السويس بعد ذلك لسيطرة الفرنسيين ولتحرم مصر من ثروتها حتى التأميم، ولتكون الإطاحة بتمثال النصاب ديليسبس أول ما فعله رجال المقاومة فى بورسعيد بعد دحر العدوان الثلاثى.
كنت شاهداً على تحطيم التمثال الذى كان رمزاً لسنوات طويلة ظلت فيها القناة دولة داخل الدولة، وكنت حاضراً لطوفان المشاعر الوطنية بالثأر لشهدائنا فى حفر القناة ثم فى استردادها، ثم تابعت بعد ذلك الدعوة لإعادة التمثال لمكانه، التى فشلت على مدى أكثر من أربعين عاماً فى تحقيق أغراضها.. هذه الدعوة التى تقودها جمعية فرنسية تدعى «جمعية محبى ديليسبس» التى تمولها بسخاء شركات تابعة للشركة الفرنسية القديمة التى كانت تملك معظم أسهم قناة السويس قبل تأميمها(!!).. وقد كنت أتصور أن «مولد سيدى ديليسبس» الذى أقامه البعض قد انتهى بعد كل هذه السنوات، وبعد أن انكشفت كل الشبهات التى تحيط بهذا «المولد» الزائف لمحتال كان فى خدمة الاستعمار انتهى محكوماً بالسجن فى فرنسا لثبوت احتياله فى قضية تتعلق بقناة بنما، وكان العدل يقتضى أن يدان قبل ذلك بسبب جرائمه فى قناة السويس!!.

خاب الظن، وعاد البعض لإحياء «مولد ديليسبس» والمطالبة بعودة تمثاله لمدخل القناة «المصرية»!! يقولون إن هذا تصحيح للتاريخ.. وكأن التاريخ لم يتم تصحيحه بالدم والتضحيات حين استعادت مصر القناة، وثأرت للشهداء، وحطمت تمثال المحتال (!!) ويقولون إن إعادة تمثال النصاب سوف تحقق نهضة سياحية غير مسبوقة.. وكأن الملايين فى العالم لا تهتم بكل آثار مصر ولا شواطئها ولا مناخها، وإنما تنتظر فقط عودة تمثال النصاب لكى تزور مصر(!!).
هذا التدنى لا يليق، ديليسبس موجود فى تاريخ القناة بكل جرائمه فى حق مصر والمصريين.. مَن يريد الانتماء «لجمعية محبى ديليسبس» هو حر فى قراره، ولكن ليس بإهانة الشهداء، ولا المساس بكرامة وطن ضحى وناضل عشرات السنين لكى يمحو آثار جرائم ديليسبس، ولكى يستعيد القناة التى كان مخططاً لها أن تبقى خارج سيادة مصر حتى الأبد، لولا قرار التأميم، والتضحيات الجسام، والنصر الذى تحقق فى ٥٦، والذى غير العالم.. لكنه لم يغير ـ بالطبع ـ نوايا الأعداء ولا مخططات محبى ديليسبس!!

يقول محبو ديليسبس إن عودة تمثاله إلى مدخل القناة سيكون عنواناً لتحضر مصر (!!) أى تحضر يا سادة فى تكريم نصاب؟

ولماذا لا تكرم فرنسا نفسها هذا النصاب، وتترك المهمة لجمعية مشبوهة وتمويل حرام، وبعض المخدوعين الذين يلقون علينا المواعظ الكاذبة بأن تمثال النصاب على مدخل قناتنا هو عنوان التحضر؟!.. بينما التحضر الحقيقى كان فى استرداد القناة من غاصبيها، وفى هزيمة العدوان على أرض بورسعيد، وفى اعطاء درس للجميع بأن كرامة الوطن فوق كل اعتبار.

عندما حطمنا تمثال النصاب ديليسبس، كان آخر جنود العدوان الثلاثى قد غادروا المدينة الباسلة.. لكنهم قبل المغادرة وضعوا فى يدى التمثال علم فرنسا وعلم بريطانيا، وكأنهم يقولون إن القناة ستظل لهم (!!) وكان الرد هو تحطيم التمثال بقرار الشعب الذى يقولون اليوم انه يتحرق شوقاً لإعادة ديليسبس الى مدخل القناة!!

كنا نحتفل بالنصر، ونستعيد أياماً ستظل خالدة حين قهرنا الأعداء واستعدنا القناة، وكانوا يحاولون من جديد إحياء مولد النصاب ديليسبس.