استيريو الأحزان بأغنيته الأخيرة

للفنان السورى: أدهم إسماعيل
للفنان السورى: أدهم إسماعيل


يوسف بزى

الرائعات بـ الشورت الجينز الضيق حتى أعلى الفخذين. 

لا نبوءات مشؤومة اليوم. 

الشمس كلها فى وجهى. القرى متلهفة للكائنات الجديدة. السيدة ذات القبعة تقلى السمك. 

عشب الصخور البحرية يستحق مجداً يُعلن على لسان الملائكة العسلى.

وأنتِ تمشين على رمل الأرض الخالية. يا عرس الشهوات، الدموع من أعمالك وغيوم الظهيرة أيضاً.

شيخوختى فى الركبة وشعر الأذنين. المجهول ليس تعويضاً، وأكثر صفاء هذه الأمسية.

جسم إلى جسم، لا سيطرة إلى آخر نومكِ، حرة وهادئة كنهر بعيد فى أرض غريبة.

أنا الأرملة، رجلٌ يسمع الفزع عبر ساحة الشهداء وحتى الضاحية.

استيريو الأحزان بأغنيته الأخيرة. 

لم أزرع ما يستحق لوناً. عظامى التى تلتوى حتى تفرقع.. لمسة باردة، وباردة عيونى حين أمنحكم هذا النشيد فى هذه الليلة التى حطموا بها كل الأصنام.

الرجال المتعرّقون عراة الصدور. إحساسهم بالعبث زبدة البشرية أيضاً.

رائحة المتظاهرين بقيت بعد تواريهم. ما أدهشنا بات مبتذلاً.

الإنجيليون ينقرضون داخل مأوى. 

الأطباء يهاجرون إلى الصحراء.

فلسطين فى السينما. البنك يشتعل. 

يا للبداية.. عيناى بداية للأذى.

جماليات غير منهجية للأبنية. قميص منسى على شرفة مثلاً.

العدالة كانت فى قلوب الناس.. ونقيضها أيضاً.

الذين ينتظرون وآمنوا، ومعهم مجانين السجون وزوجاتهم، ليصرخوا الآن
حتى ترتجف أكثر الأرواح حصانة.

الزمن يطقطق عالقاً بالشجيرات اليابسة.

الأشياء العظيمة لا تتطلب مبالغات: عناق يسبب القشعريرة وحسب. 

الماء يساعدنى. الأعداء منظورون كصحن أمام جائع.

بائع الكتب بصحبة الميكانيكيين والمرضى، معاً فى طنجرة خيالية. 

النداوة على عنقها. الكنارى عند نافذتها. ما الشِعر المنتفخ بالكلمات؟

حياتى بعد الظهر تبتعد عن كل صداقة.. إلا هذه الرعشات النازلة من الشجر.

مع الانتصار جاءوا بأرامل كثيرات. 

أضع استعارات مائية فى القاموس. الكذّابون لن يلفظوها.

صندوق الحب، حين كنا شباباً، من سيسرقه؟

جندى على تلة الرادار يغنى. الزهرة الخرافية مرصعة بنحلات بعد الظهر.

بلا رحمة.. الشاعر صنم ملىء بذرق الطير.

أتذكّر أيضاً: لا بطاطا مقلية فى «شى أندريه». لا عصافير مشوية.

النازلون بالفحم من بيوت جبلية غاضبة، طريق تسلكه الراهبات عقاباً. 

البحر حاسم ومجهول. الحشرة الميتة فى «البيسين» تأويل للفظاعة. 

الأطفال دوماً وليمة الكاميرات. والزعيم أيضاً، بحقائبه ويخته وفرشاة أسنانه.

عملة قديمة منسية على الدرج. من ينحنى؟
العشب صديقى بمخاطبات مرحة، وآمال كبيرة للمهاجرين الجدد.

وعود بلذائذ الصيف، كحول ومثلجات وصداقات بعد الظهر.

فمى ينتظر ما أراه. روحى المذنبة والظمأ وحليب أمى.
 
يا لخفة الطائر على الشريط الكهربائى.

العائلة سعيدة بهذه الثمار رغم مصيرها الغريب.

«لننزل ثانية إلى الشاطئ»، قالتها برعب سيدة تنتظر حبيبها الميت.
 
أيتها اللحظة الحجرية عند الغروب، شبابنا يموت بلا أبهة، لا جنازة عرفان.

كتاب الحب مشطور. الحب الذى عضّنا. لا أبطال، لا قديسات.

 يا لروعة دروب مراهقى القرى. حين تتفتح البهجات الثورية الخطرة.

إلى ما لا نهاية، سيرتجف فم السياسى بدمه الأصفر.

كرسى الصيف -بعيداً عن العاصمة- ثقة للمستقبل، حبور لعظامى.

لبنان المؤلم كجنس على الحصى. 

العجوز أيضاً تتذكر أسنانها. 

سأنام قبل عرض الأزياء. الحب تحت القصف مصدر هذا الحنين.

العابر يخسر قلبه تحت الموج. ضعفنا وضعفكم لن أكتبه، سيبقى على امتداد الشوارع وحتى البحر. لا تنادونى.. نار نقية كالزجاج، كعينى المغمضة، بحراً جديداً فى حضنكِ.

لطافة أم موت؟
المدينة مرسومة بلا جزع.. جرحُ ثلاثين عاماً
السابحات، على نحو مفاجئ، يلطّفن البلد.

زهو التجّار يقطع الأنفاس.

تحت المظلة الصفراء بائع الآلات يشطر الصيف. 

الواقعية غير مقبولة هنا. ما يبهرنى سهولة القتل والنكران.

بسيطةٌ أنتِ ومقدسة كالخبز، مع أن وجودكِ أكثر قدماً. 

السبت أجمل من الأحد، ندى بسهره الطويل.

 فى أيلول يغنى البحر المتوسط للنبيذ الجديد.

الذين ضدى هم المستقبل اللعين: مدينة بلا أشجار. 

مذيعة «تقتل الوقت» حرفياً. كل سلطة هذا شرها.

البحر ينادينى من أجل عمل صاف، كأن أبدأ لغة غريبة.

رأس بيروت وخطواتنا الأولى بكلماتنا المتوهجة، نحن أبناء الشوارع، أبناء الصحف، حين كان اعتراضنا يصدح وراءنا الجميع تبرأ من رايتنا الناصعة. 

منهكون، والسحر فى كل الأنحاء.

الملح سيدنا طوال العام. 

البحر ينادينى من أجل عمل أخير، كأن أحتضر بلا مقاومة.

الأبواب نفتحها إلى كنوز غير متشكّلة، فوق جبال دنستها الدبابات. 

إلى وليمة السمك المجهول الاسم، يا جارتنا الضاحكة، أمّ اللطائف مُطعِمة القطط. 

هنا فى آخر الملاذات الآمنة، ما الذى بقى؟
السواحل بلهجاتها الفاحشة وخلجانها المنتهكة لحم الثمانينات وسجائرها والكلاشينكوف، فى جرائد مرمية مخزن الموسيقى كله وأشهدوا سأحرسه بأرقى. استريو الأحزان بأغنيته الأخيرة. 

الحرّية مليئة بالغبار، بالجواسيس، بالخبراء الأعلى أجراً. 

العائدون الآن عند المعابر يغنون.. القرى تائهة بين صافرات الإنذار وأذان الفجر. 

العائدون إلى الأرض الأليفة، الأرض الفوسفورية المسمومة بالرذاذ الأبيض

ألف شاعر يكتب، لا أحد منهم يصغى.

البحر هنا صامت. الكافر فى المحكمة. أين العاصفة، أين بكاء المغتصبة؟ 
الشواء العظيم، لأفضل الجنود. خط طويل من الغربان.
 لتتحرك الريح، لتمر السيارات بالعائلات الهاربة شمالاً 
هستيريا تليفزيونية عن موت فى الأنفاق. 
سأكون غريب الشاطئ. غريب ومذنب بلذائذ هذا الأسبوع.
وداعاً،
أيها البلد الصنوبرى الثلجى الملىء بالزعتر والماعز والينابيع، المحترق البائد.