د. طارق فهمى
لن تقبل إسرائيل أن يوضع مصير الجولان المحتل على مائدة المفاوضات وأقصى ما يمكن أن تقبل به هو التراجع مجددا
قد يكون من المفارقات الغربية أن تتوسع إسرائيل فى محيطها الإقليمى وأن تقل مساحات وتقلص سوريا كما قلصت مساحات الأراضى الفلسطينية سواء فى الضفة الغربية أو فى القطاع الذى اقتطع منه مساحات كبرى من أجل أن يتشكل الفضاء الاستراتيجى الإسرائيلى بصورة شاملة وهو ما يجرى ومن ثم فإن إسرائيل تمضى فى التوسع على حساب الدول المجاورة من المزارع فى لبنان إلى داخل الضفة وأخيرا إلى الجولان حيث التواجد الأمنى والاستراتيجى ما يؤكد أننا أمام مرحلة جيدة من المعطيات أهمها ما أكده وزير الدفاع الإسرائيلى يسرائيل كاتس، أن التهديدات التى تواجهها إسرائيل من سوريا لا تزال قائمةً رغم النبرة المعتدلة لقادة قوات المعارضة الذين أطاحوا بالنظام السوري، وذلك وسط إجراءات عسكرية إسرائيلية لمواجهة مثل هذه التهديدات والمخاطر غير المسبوقة ما يؤكد على أن المستوى السياسى والعسكرى فى إسرائيل على توافق بشأن ما يطرح فى سوريا وخارجها فى الوقت الراهن ولا يوجد أى تجاذب فى هذا السياق حيث تتوافق التحركات العسكرية الإسرائيلية مع التوقع بأن الممارسات التى يقوم بها الجيش فى الجزء الشرقى من الجولان، تدل على أنه يستعد لإقامة طويلة الأمد فى الأراضى السورية.
من الواضح أن إسرائيل عززت المخاوف من وجودها بشكل طويل فى الجولان السوري، بالبدء فى تهجير أهالى قرى بالجنوب السوري، بموازاة شن الطيران الحربى غارات على محيط دمشق حيث دخل الجيش الأطراف الغربية لبلدة جباتا الخشب بريف القنيطرة، وطالب الأهالى بتسليمه ما لديهم من أسلحة وقامت إسرائيل باحتلال مساحة تقدر بـ80 كيلو مترا مربعا جديدة من الأراضى السورية فى الجولان، والتى تسمى «المنطقة العازلة» المحددة بالخط البنفسجى بين سوريا والمناطق التى يحتلها الكيان الصهيونى فى الجولان.
تشمل المنطقة التى احتلتها القوات الاسرائيلية، جبل الشيخ حيث تم الاستيلاء على القاعدة الرئيسية فى الجبل، وهى أعلى نقطة مطلة على الشام وترتفع أكثر من 2800 متر وتتيح السيطرة على جبل الشيخ تفوقا عسكريا جديدا لقوات الجيش الإسرائيلى فى المنطقة وتعد منطقة جبل الشيخ أعلى قمة على الساحل الشرقى للبحر المتوسط وتشرف على الداخل السورى وصولا إلى دمشق وكذلك على لبنان حيث القوات الإسرائيلية بتدمير سلاح الجو السوري، بحيث لن تبقى لدى فصائل المعارضة، قدرات لاستخدام المنصات الجوية، التى كانت فى كل الأحوال أدنى من سلاح الجو الإسرائيلي. وبالإضافة إلى ذلك، يدمّر سلاح الجو عشرات البطاريات الكبيرة والمتقدمة للدفاع الجوى المنتشرة فى جميع أنحاء سوريا.
وقد بررت إسرائيل التحرك سريعا جوا وبرا. جوا من خلال استهداف مخزونات الأسلحة الاستراتيجية للجيش السوري، خاصة فى الجنوب مرورا بدمشق وصولا إلى طرطوس، تخوفها من وقوعها فى أيدى سلطة جديدة تتوجس تل أبيب من توجهاتها. وبهدف توسيع فارق القوة الكبير بالفعل بين البلدين وبحريا من خلال استهداف الأسطول السورى بهدف تحجيم أى دور مرتقب لأى سلطة جديدة ترغب فى مواجهة إسرائيل.
وتعطى السيطرة على المنطقة العازلة وصولا إلى المرتفعات فى منطقة جبل الشيخ داخل العمق السورى بموازاة الحدود اللبنانية إسرائيل ميزة تشغيلية فى تنفيذ عمليات القصف المدفعى والاستطلاع والدفاع السلبى أمام أية قوات قادمة من سوريا، وفى الوقت نفسه يزيد من تطويقها لجنوب لبنان ويعطيها فرصة إضافية فى أى توغل برى قادم فى الجنوب اللبناني.
وتمتلك إسرائيل أكبر قدر من الأوراق فى الوقت الراهن وبالتالى لن تقبل إسرائيل أن يوضع مصير الجولان المحتل على مائدة المفاوضات وأقصى ما يمكن أن تقبل به هو التراجع مجددا إلى ما وراء خط التهدئة مقابل ضمانات بألا تتحول سوريا إلى مصدر للتهديد سواء من قبل الفصائل السنية أو من قبل إيران.
فى هذا السياق فإن طبيعة الأطراف التى ستتفاوض معها إسرائيل والتى ستجعل مهمتها أعقد بكثير من نظيرتها فى ظل النظام السابق، والحديث هنا ليس عن النظام السورى الجديد أيا كان شكله، ولكن بالأخص عن سوريا تحت رئاسة تركيا، والتى تشوب علاقتها مع إسرائيل توترات يصعب تجاوزها أو التغلب عليها وحيث لا يمكن الثقة بتعهدات إسرائيل بأن توغلاتها الحالية فى الأراضى السورية «مؤقتة»، فى الوقت الذى تبحث فيه الحكومة اليمينية الإسرائيلية عن صورة نصر مستغلة الارتباك الحاصل داخل سوريا، فى ظل سعى إسرائيل اللافت والواضح للسيطرة على المزيد من أراضى جيرانها بلا توقف.
من المحتمل أن تكون خطوات إسرائيل التالية فى سوريا هى التنسيق مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) المدعومة أمريكيا والموجودة فى محافظات ومناطق شرق الفرات لإحكام السيطرة على كامل الجنوب السوري، مما قد يعزز من موقف الأكراد، إلا أن ذلك سيثير بشكل عميق حفيظة تركيا التى لديها مصلحة كبرى فى تفكيك القوات الكردية فى سوريا لمنعها من تطوير عملياتها فى المناطق القريبة من الحدود التركية.
ثمة تعقيد آخر تضيفه تحركات الجيش الإسرائيلي، هو موقف الإدارة الأمريكية القادمة من هذا التوغل. فرغم أن ترامب خلال فترة رئاسته الأولى، كان أول رئيس أمريكى يعترف رسميا بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان، مما مثل تغييرا كبيرا عن السياسة التى اتبعها قبله خمسة من الرؤساء الأمريكيين، منذ ضم إسرائيل لها بقانون عام 1981، فإنه من الصعب الجزم بأن الرئيس ترامب سيظل محتفظا بهذا الموقف وداعما له فى ظل تقلباته السياسية المعتادة.
وفى المجمل قد تستغل إسرائيل الوضع الراهن فى المفاوضات المستقبلية، فى محاولة لفرض شروط تضمن الهدوء النسبى الذى اعتادته على الجبهة السورية، وتثبيت احتلال هضبة الجولان التى أعلن نتنياهو، أنها ستبقى تحت الاحتلال حيث تدرك إسرائيل أنها أمام فرصة تاريخية من نوعها للتعامل مع كل المخاطر الكبرى المتبقية ضدها، خصوصًا من دول الجوار الإقليمي.

دروس الكبار
30 يونيو ثورة إصلاح المسار وصناعة المُستقبل
المنتخب يواصل إنجازاته وطموحاته فى كأس العالـم





