هل سمعت من قبل عن «سدد الغاب» أو حتى «حصير الغاب»؟.. تعال معنا إلى مدينة المطرية بمحافظة الدقهلية.. هناك فى القرى والمناطق الزراعية والطرق وأمام البيوت وحولها، ستجد حشودًا من النساء والرجال والأطفال يسعون وراء رزقهم، الكثير من عيدان البوص المتناثرة والسدد والحصائر المتراصة، ألواح خشبية معلقة تحمل أعواد الغاب بأربطة سوداء، تظللها سواعد فتية يشع بريقها بابتسامة رضا ترتسم على الوجوه وتغمر القلوب وأيادٍ «شقيانة» تعمل بإخلاص وتفان وإتقان.
صناعة «السدد» والحصير اليدوي من «الغاب» حرفة توارثها أبناء هذه القرى على مدار عقود طويلة، إذ استطاعوا بكفاحهم وإبداعاتهم وإتقانهم لعملهم أن يحافظوا على صناعة عريقة شارفت على الاندثار، ليصبحوا رواد صناعة «سدد الغاب»، وهى من الحرف اليدوية «الدقيقة» و«الشاقة» فى نفس الوقت تحتاج للمهارة والخبرة والصبر.
يقضى العاملون على هذه الحرفة ساعات طويلة ينظفون بأيديهم أعواد الغاب، ثم يرصون الأعواد بعد تنعيمها وتسويتها بشكل موحد جنبًا إلى جنب بطريقة منظمة، لتتشابك مع بعضها البعض وتتماسك بأربطة القماش الناتجة من مخلفات المصانع التى تقوم بدورها بشد وتثبيت أعواد الغاب وزيادة قوتها وتماسكها، ليصنعوا فى النهاية «السدد» التى تستخدم كأسقف وأبواب لمنازل غير القادرين، أو كأعشاش وأسوار لحظائر المواشى، أو تعريشة للزرائب؛ وأحيانا تستخدم كحصير للجلوس عليها!
وبحكم الظروف والمتغيرات الاجتماعية، هجر الرجال تلك المهنة بحثا عن أبواب أخرى للرزق، خاصة أن «الصنعة» أصبحت مهددة بالزوال وفى ظل اعتماد قلة بسيطة على شراء سدد الغاب من غير القادرين فى الأرياف والقرى الفقيرة، وأصحاب المزارع والأراضى والزرائب والعشش، أصبحت النساء يتولين هذه المهمة لمساعدة «الرجال» فى توفير «لقمة العيش» وكذلك الحفاظ على مهنة الأجداد من الاندثار.
◄ اقرأ أيضًا | بسبب خلافات النسب| إصابة 5 أشخاص في مشاجرة بالدقهلية
في الساعات الأولى من الصباح، وعقب خروج الرجال إلى أعمالهم تبدأ مهمة «النساء المكافحات»، حيث يقفن أمام ألواح خشبية مثبتة بجوار بعضها البعض على جنبات تلك الحواري والطرقات الضيقة، وفى أياديهن «بكرات» خيوط مختلفة الأشكال، وتبدأ كل واحدة فى ربط الغاب ببعضه لصناعة حصير يدوى وسدد مختلفة الحجم.
لكن تلك هى المرحلة الأخيرة من هذه الصناعة، وتسبقها عدة مراحل تبدأ من اختيار أنواع الغاب الذى يتميز بتنوعه واختلافه من حيث الجودة والسعر والاستخدام، مثل «الغاب البلدى»، وهو الفرز الأول ويعد أجود وأفضل الأنواع نظرًا لمتانته وقدرته على تحمل مختلف الظروف البيئية، والبقاء لسنوات طويلة، وقدرته الفائقة على تطرية وتهدئة الجو صيفا، وامتصاص أشعة الشمس وتدفئة البيوت شتاء، وهناك أيضا «الحجن»، و«الريحى» وهما أقل جودة وصلابة وسعرا وأكبر حجما من النوع الأول، ويستخدمان أيضا فى صناعة العشش وسدد المنازل، ولكنهما لا يعيشان طويلا؛ لهشاشتهما وضعف قوامهما، وفى هذا العمل ما يعكس الجانب «الخيِّر» لهذه الحرفة.
«بهية على» تشرح لنا طرق صناعة «سدد الغاب» فتقول: نقشِّر أعواد الغاب البلدى وننظفها من الأشواك يدويا أو بالشقرف - وهو المنجل أو الشرشرة - فى حالة كانت السدة ستستخدم كصبة وتعريشة للمنازل والبيوت، أما فى حالة كان الغاب من الأنواع الضعيفة والهشة المليئة بالأشواك فتترك دون تنظيف لتضفى الأشواك سماكة وقوة للغاب الذى يستخدم كتعريشة للمزارع والزرائب نظرا لهشاشتها ورخص ثمنها، بعكس الغاب البلدى الذى يتمتع بالصلابة والمتانة والقوة، مشيرة إلى أن سدد الغاب المليئة بالأشواك..
وتلتقط منها جارتها «نادية رضا» طرف الحديث وتقول: «نحن نتعاون فيها مع بعض، ونشتغل على السدد مع بعض، وفى الآخر بنخرج حوالى 5 أو 8 سدد على حسب اليوم أو الطلب الموجود في اليوم.
أما «سيدة حمدى» فتحكى تفاصيل يومها: نعمل منذ شروق الشمس لحد آخر النهار، ونقوم بتقسيم العمل بيننا إلى أن ننتهى من طلبيات السدد المطلوبة منا، لأن هذا هو «أكل عيشنا» وفاتح بيوت أهل البلد كلهم، وهناك من يقشر الغاب بيديه من الشوك، وهناك من يصنع ويشكِّل السدد.
دبلوماسية فاعلة وتنمية لا تتوقف .. تحركات رئاسية لدعم الاستقرار الإقليمى وصناعة المستقبل
لا اعتراف.. لا شرعية.. لا عبث بالتاريخ| القاهرة تتصدى لـ«سفارة الوهم» على أرض القدس
نقيب الفلاحين يتوقع تراجع الأسعار قريبا.. الطقس والسوسة وراء «هيستريا الطماطم»







