فى قلب الريف الفيومى، حيث تتشابك الأساطير مع تفاصيل الحياة اليومية، كانت صهاريج المياه القديمة شاهدًا على ماضٍ مشحون بالحكايات والمعتقدات الغريبة.
هذه الصهاريج التى شُيدت منذ عقود لتكون مصدرًا رئيسيًا لمياه الشرب قبل وصول المياه إلى المنازل، تحولت بمرور الوقت إلى مسرح للطقوس الشعبية، وملاذ لمن ضاقت بهم السبل بحثًا عن الشفاء أو الأمل فى الإنجاب.
«إذا كنت تعانى من مرض أو تأخر فى الإنجاب، اصعد إلى أعلى الصهريج وتأمل الموت من ارتفاعه الشاهق».. يروى محمد عبد الواحد (65 عامًا)، أحد أهالى قرى مركز طامية، تلك التفاصيل قائلًا: «الصهريج كان له دور أساسى فى حياتنا، نشرب من مياهه ونستخدمها فى كل شيء. لكن المدهش كان فى الاعتقادات القديمة؛ الناس كانوا يصعدون إلى القمة بحثًا عن الشفاء. بمجرد أن تصل إلى الأعلى، تشعر برهبة غير عادية، كأنك تواجه الموت نفسه. بعدها تعود إلى الأرض ممتلئا بالأمل والإيحاء النفسى أنك شُفيت. السيدات أيضًا كن يصعدن بدافع الأمل فى الحمل، وكثيرات أقسمن أن أمنيتهن تحققت بعد هذه التجربة».
وتقول رقية زعيفان (70 عامًا)، وهى شاهدة على زمن الصهاريج: «كنت أرى النساء يتسلقن الصهاريج بشكل شبه يومى. بعد النزول، كانت الداية تبشرهن بأنهن سيحملن قريبًا. بعضهن تحقق لهن ذلك فعلًا، حتى إن الناس صاروا يعتقدون أن الصهريج مبارك».
مع مرور الزمن وتقدم العلم، بدأت هذه المعتقدات تتلاشى شيئًا فشيئًا. اختفت الصهاريج من القرى بعدما أُزيل معظمها أو هُدم، وحلَّت محطات المياه الحديثة محلها. تلاشت الأساطير لكن الذكريات بقيت تُحكى كقصص يرويها الكبار للصغار.. وتبقى صهاريج المياه القديمة فى الفيوم جزءًا من تاريخ المنطقة، لا بصفتها مصدرا للشرب فقط، بل باعتبارها رمزًا لحقبة زمنية كانت فيها المعتقدات الشعبية تُسير حياة الناس. فبين الأساطير والمآسى، تظل تلك الصهاريج شاهدة على حكايات الماضى التى ترويها جدرانها العالية، حتى وإن لم يعد لها وجود.
قراءة أعمق للمشهد الإعلامى| «الاستعلامات» ترصد اتجاهات الصحافة ومراكز الفكر الإسرائيلية والدولية
ركيزة التوازن البيئى| المانجروف كنز أخضر يحمى البحر الأحمر
154 عامًا جمال معمارى| «قصر النيل» أشهر كبارى مصر و«أول مَن عبر النهر»







