أصبحت الجامعات تُفرخ كل يوم العديد من رسائل الماجستير والدكتوراة، تلك التي تنشر إعلاناتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، التي أصبحت ظاهرة ربما اعتبرها البعض نوع من الوجاهة الاجتماعية، إلا إن العديد من تلك الدراسات لا تقترب من قريب أو بعيد بالخطط أو أجندات التنمية القومية.
تشارك العديد من مؤسسات التعليم العالي حول العالم في الجهود المبذولة لمعالجة القضايا المُلحة في كل دولة، بل إن برامج المِنَح الدراسية للماجستير والدكتوراه في الدول المتقدمة تفرض على الباحثين اختيار موضوعات تخدم قضاياها القومية. وتلتزم الجامعات في كثير من دول العالم بالقيام بدورها في المجتمع والمساهمة في انجاز بحوث علمية تشارك في الحد من المشكلات والتخفيف من آثارها من ناحية، كما تسهم الجامعات بدورمهم أيضاً في تغيير سلوكيات الناس واتجاهاتهم من خلال برامج وأنشطة خدمة المجتمع.
ومع دخول القرن الحادي والعشرين بما يحمله من قضايا ملحة، فقد زادت الحاجة إلى التفاعل بين التعليم العالي والقضايا القومية والعالمية، مثل: التنمية المستدامة والتغير المناخي وغيرهما أكثر من أي وقت مضى. وبما إن مصر تقف على مفترق طرق العديد من التحديات، كالنمو السكاني والتحضر وما نتج عنها من التحديات البيئية، فإن الحاجة إلى دمج هذه القضايا الوطنية المُلحة في برامج الدراسات العليا بات أمراً ضرورياً.
ومما لاشك فيه إن ساحل مصر الواسع على طول البحر المتوسط جعلها عرضة بشكل خاص لارتفاع مستوى سطح البحر. كما تتوقع بعض الدراسات، وتنذر بأن مناطق مثل دلتا النيل يمكن أن تواجه نزوحا كبيرا للسكان وفقدان للأراضي الصالحة للزراعة. كما إن الاقتصاد المصري يعتمد بشكل كبير على الزراعة والسياحة والموارد المائية - وهي قطاعات تتأثر بشكل مباشر بتغير المناخ. ومن جانب آخر فإن آثار تغير المناخ قد تؤدي إلى إجهاد النسيج الاجتماعي للمجتمع المصري.
ومما لاشك فيه إن نظام التعليم العالي في مصر قد خضع لإصلاحات مشهودة على مدى العقود القليلة الماضية، خصوصاً ما يتعلق بجودة التعليم. ومع ذلك، فإن العديد من برامج الدراسات العليا تستمر في الالتزام بالنماذج التعليمية التقليدية، التي لا تراعي دمج الأساليب متعددة التخصصات interdisciplinary التي أضحت مطلوبة لمعالجة القضايا الحديثة.
وفي السطور التالية نستعرض بعض التحديات التي تواجهها الجامعات المصرية، للخروج بنموذج يمكنه المشاركة ببحوث وبرامج دراسات عليا تسهم اسهامات جادة في علاج القضايا القومية والعالمية:
• صلابة المناهج الدراسية: تتسم كثير من برامج الدراسات العليا في العديد من الجامعات المصرية بمناهج غير مرنة يصعب معها التكيف مع التحديات القومية والعالمية الناشئة.
• الافتقار إلى النهج متعدد التخصصات: فمثلاً تتطلب قضايا مثل التغير المناخي والاستدامة منظورا متعدد التخصصات يدمج العلوم والاقتصاد والسياسة والعلوم الاجتماعية، وهو ما لا تعتبره الأقسام العلمية في كثير من الجامعات المصرية.
• الخبرة المحدودة لبعض أعضاء هيئة التدريس: فقد بات من العوائق الكبيرة أمام تنفيذ نماذج المناهج المحدثة نقص أعضاء هيئة التدريس ذوي الخبرة في بعض القضايا، كالتنمية المستدامة وعلوم المناخ، دون الاعتداد بأهمية ذلك على المستوى العلمي.
• عدم كفاية تخصيص الموارد: ففي كثير من الأحيان، تفتقر الجامعات إلى الموارد اللازمة للبحث والتطوير في هذه بعض المجالات الحيوية.
• عدم الالتزام بوضع خطط بحثية مناسبة: ففي العديد من الجامعات المصرية تكون الخطط البحثية روتينية، دون مناقشتها مع أصحاب القرار والمهتمين من المجتمع، كما قد تحمل الأطروحات العلمية عناوين براقة بعيدة بشكل كبير عن المحتوي الفعلي لها.
وقد بدأت العديد من الجامعات في جميع أنحاء العالم في دمج التنمية المستدامة والتغير المناخي في برامج الدراسات العليا الخاصة بها، مما يوفر أمثلة مثمرة يمكن الأخذ بها في الجامعات المصرية. وفيما يلي عرض لبعض النماذج الدولية الناجحة للجامعات في تبني القضايا القومية والدولية
• جامعة ستانفورد ، كاليفورنيا، الولايات المتحدة الأمريكية:
تولي جامعة ستانفورد قضايا الاستدامة أهمية كبيرة في النهج متعدد التخصصات الذي تتبعه، من خلال برامج مثل برنامج Emmet متعدد التخصصات في البيئة والموارد (E-IPER) ، والذي يسمح للطلاب من مختلف التخصصات بالتعاون في عمل بحوث في مجال تحديات الاستدامة. يجمع هذا البرنامج بين المعايير الأكاديمية والتطبيقات العملية وتحليل السياسات.
• جامعة لندن (UCL) ، المملكة المتحدة:
تقدم UCL برنامج ماجستير في الموارد المستدامة: الاقتصاد والسياسة والنقل. يتضمن هذا البرنامج مناقشات حول التكيف مع التغير المناخي والآثار الاقتصادية لسياسات الاستدامة، مما يدعم فلسفة التفكير المنظومي الذي يعد أمرا بالغ الأهمية لمكافحة تحديات المناخ.
• جامعة كيب تاون ، جنوب إفريقيا:
كانت جامعة كيب تاون رائدة في العديد من البرامج التي تركز على التغير المناخي والاستدامة من خلال قسم العلوم البيئية والجغرافية Environmental and Geographical Science department. هذا القسم الذي يشجع على تقديم بحوث تعالج القضايا البيئية المحلية كما يدعم مشاركة المجتمع من أجل نقل المعرفة بشكل فعال.
• معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، الولايات المتحدة الأمريكية:
يدمج برنامج نظام الطاقة المستدامة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا الهندسة والسياسة والاقتصاد للخروج ببحوث شاملة في مجال التنمية المستدامة، مع التركيز على الابتكار، وتشجيع الطلاب على تطوير تقنيات وحلول جديدة للقضايا القومية والعالمية.
كما لايمكن إنكار أنجازات جامعة كاليفورنيا ، بيركلي في الطاقة المستدامة وصياغة السياسات المتعلقة بمجابهة التغير المناخي، داخل برامج منضبطة للدراسات العليا القوية التي تشجع التفكير الإبداعي والتطبيق.
ومن الراسخ إن فحص نجاح الجامعات الدولية يوفر رؤى مهمة حول كيف يمكن لبرامج الدراسات العليا المشاركة في دعم قضايا مثل الاستدامة ومجابهة التغير المناخي. ومن خلال تتبع ماسبق عرضه من نماذج يمكن تكرارها في الجامعات المصرية للاستثمار في برامج الدراسات العليا المماثلة، التي تتضمن سياقات محلية. ولجعل برامج الدراسات العليا في الجامعات المصرية مواءمة للقضايا الوطنية والعالمية الملحة مثل التنمية المستدامة والتغير المناخي، يمكن البدء ببعض من الخطوات القابلة للتنفيذ، كما يلي:
• تطوير المناهج الدراسية.
• تقديم برامج متعددة التخصصات تجمع بين مجالات مختلفة.
• دمج دراسات الحالة والبحوث المحلية لضمان التواصل مع التحديات.
• تدريب أعضاء هيئة التدريس حول القضايا الملحة.
• تشجيع الشراكات مع المؤسسات الدولية لتبادل الخبرات والموارد.
• خلق فرص تمويل لطلاب الدراسات العليا مع التركيز على حلول التحديات القائمة.
• إنشاء مراكز بحثية مخصصة.
• المشاركة المجتمعية والتعاون مع المنظمات غير الحكومية.
• إطلاق حملات توعية في المجتمعات المحلية لتثقيف المواطنين حول القضايا الملحة.
• تطوير برامج التبادل مع الجامعات في جميع أنحاء العالم.
• دعوة الخبراء الدوليين لإلقاء محاضرات وورش عمل للطلاب وأعضاء هيئة التدريس.
وخلاصة القول إن التصدي للتحديات القومية والعالمية لم يعد مجرد ممارسة أكاديمية، بل إنه أصبح ضرورة ملحة لمستقبل مصر، كما أضحى من الواجبات الوطنية هو مراجعة برامج الدراسات العليا لدمج هذه القضايا الحرجة، لإتاحة الفرصة أمام الجامعات المصرية لإنتاج جيل جديد من القادة المجهزين لمواجهة التحديات البيئية في عصرنا. كما يعد دمج قضايا التنمية المستدامة وتغير المناخ في مناهج الدراسات العليا أمرا ضروريا لتمكين الطلاب من تطوير حلول مبتكرة وصياغة الممارسات المستدامة، من خلال النظر إلى نماذج دولية ناجحة، من خلال التعاون بين المؤسسات التعليمية والهيئات الحكومية والمنظمات غير الحكومية والمجتمعات لبناء نهج تعليمي متماسك. كما بات من الضروري للجامعات المصرية تجديد برامج الدراسات العليا في ضوء هذه التحديات.
كاتب المقال: استاذ نظم المعلومات الجغرافية وخبير التنمية المستدامة بمنظمة اليونسكو.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







