تحقيق: محمد سرساوى
فى عام 1980، استقبل المواطن العربى، جهازاً إلكترونياً غيَّر قواعد تاريخ الألعاب وهو «أتارى 2600». هذا الجهاز، الذى ابتكره نولان بوشنل وتيد دابنى عام 1977، صار بوابة سحرية؛ دخلها الكبار قبل الصغار، كما فتح الباب لأجهزة ألعاب فيديو، ومهَّد الطريق لجهاز ألعاب «بلاى ستيشن»، الذى فجر ثورة فى تاريخ هذا المجال.
وقد أصبح مبتكرو ألعاب الفيديو، ينافسون صناع الأفلام والروائيين فى ابتكار خيال جديد مثل اليابانى هيديو كوجيما صانع لعبة «metal gear»، وأول مَن أضاف مفهوم مصطلح العالم المفتوح على الألعاب، وأصبح الجميع ينظر لأعماله باعتبارها أعمالاً فنية مثلها مثل أفلام كريستوفر نولان، وهاياو ميازاكى، ومنذ شهرين أعلنت الأديبة البولندية أولجا توكارتشوك، الحائزة على جائزة نوبل فى الآداب، تأسيس شركة لألعاب الفيديو، وتولت رئاسة القسم الإبداعى بها، وقالت إن أول لعبة ستكون مستوحاة من روايتها «آنا فى مقابر العالم»، فهل أصبحت ألعاب الفيديو مرتبطة بالأعمال الإبداعية؟ وما الرواية المصرية أو العربية التى تصلح لأن تكون لعبة فيديو؟! هنا إجابات لعدد من الكتَّاب فى هذا التحقيق.
عرفت جميع البشر من خلال لعبة
كانت أجواء اللعب نفسها سببًا، أن يكتب الأديب محمد الفولى قصص مجموعته «تقرير عن الرفاعية»، يقول: أتذكر ذلك المخزن القديم المنسى فى أحد أزقة عين شمس، حيث اعتدت أن أفر من الفصول المدرسية، للعب الـ «بلاى ستيشن»، وسط طلبة فارين مثلى، وأرباب سوابق، وبلطجية وأرباب أسر.
تجمع كل هؤلاء لخوض تجربة اللعب قابلت أصنافا مختلفة من البشر هناك وأنا لا أزال أتعرف إلى العالم، كأى مراهق، ولولا عشقى لألعاب الفيديو، وخاصة «Winning Eleven»، لما خضت هذه التجربة وتعرفت إلى كل هذه الأنماط الإنسانية، التى ظهرت لاحقًا فى مجموعتى القصصية الأولى بأسماء مستعارة، أو عبر خلط أكثر من نموذج معا.
من ناحية أخرى، على صعيد الترجمة، ساعدت عقلية «الجيمر» عقلية «المترجم». يعرف «الجيمر» أن أى لعبة عبارة عن مراحل تتدرج فى صعوبتها، وأن وحدها ممارسة اللعبة ما تجعل المرء «حريفا». ينطبق الشىء نفسه على الترجمة، فهى عبارة عن مراحل: تبدأ بترجمة جمل مفردة، ثم فقرات، ثم قصص متناهية القصر، فقصص قصيرة، فروايات قصيرة، فكتب ضخمة، وكأنك تتدرج فى مراحل لعبة ما كذلك، بمرور الوقت تزداد مهارتك فى الترجمة وتصبح «حريفا» فيها من كثرة ممارستك.
سألت الفولى ما الرواية المصرية أو العربية التى يمكن أن تتحول للعبة فيديو؟ فقال: «هذا فعلا سؤال صعب، لأنه سيعتمد على نوعية اللعبة التى قد تتحول لها الرواية. لكن، مثلًا، إن افترضنا أنها ستكون على غرار لعبة «جى تى إيه»، فربما أنسب عمل أدبى معاصر هو «عودة ثانية للابن الضال» للكاتب محمد عبد الجواد. تخيل معى مغامرات البطل «حمادة أوريو» فى شوارع الأحياء الشعبية، وكل الشجارات التى سيخوضها. مطاردات بالتكاتك. علاقات مع ساسة كبار، وعودة أسطورية فى نهاية العمل.
أظن أن الرواية فيها كل المقومات اللازمة من شخصيات ولغة، وفى الوقت نفسه عناصر فيلمية سينمائية تؤهلها لتتحول إلى لعبة مغامرات جيدة. هنالك بعض الأشياء التى من الممكن «توسيعها» فى عالم اللعبة وإضافتها للقصة، مثل التعمق بشكل أكبر فى بدايات «أوريو» وطفولته، وعلاقته بالمعلمين الآخرين والساسة. يُمكن أيضًا إضافة مهام جانبية بعيدة عن أحداث القصة الرئيسية. سيكون أمرًا شائقًا أن نرى شيئًا كهذا، وإن حدث، فسأكون من أول المشترين، شريطة أن تكون اللعبة مُطورة بمحرك جيد، وأن يشارك عبد الجواد بنفسه فى العملية الإبداعية السردية لتحويل الرواية.

لعبة مستوحاة من عالم محفوظ
لا يزال الأديب والمترجم محمد جمال شغوفاً بهذا العالم منذ طفولته حتى يومنا هذا، يقول: فى سياق ألعاب الفيديو، أنا لا زلت هذا الصبى الذى يختلس الساعات اختلاسًا ليستمتع بهذا العالم المبهر، وهو يتلفت حوله مرارًا خوفًا من اكتشاف والده مرة أخرى أنه «ساب المذاكرة ورايح يلعب».
مهما حاولت ارتداء عباءة الكاتب الوقور عند الحديث عن ألعاب الفيديو، تفضحنى لمعة عينى. رغم أنى أتجه لألعاب الفيديو بغرض المتعة، إلا أن هذا العالم قدمنى إلى تجارب قصصية سردية تفاعلية لا مثيل لها فى الوسائط التقليدية الأخرى أذكر من التجارب المميزة التى تركت فى نفسى أثرًا لا يمحى، لعبة
2-Last of us تبدأ اللعبة كحكاية انتقام كلاسيكية عادية، شخصية محبوبة تموت، وتتحكم بشخصية محبوبة أخرى فى رحلة انتقام من قاتله، وتقضى فى طريقك على عدد هائل من الأعداء بقسوة، مبررة من وجهة نظرك، وتتماهى بالكامل مع الشخصية الرئيسية لساعات طويلة من اللعب، وتتجه للذروة لمواجهة الشرير، لكن عندئذٍ تنقلب اللعبة تمامًا لوجهة النظر العكسية.
ليس فقط من خلال فلاش بك لدقائق كالمعتاد، وإنما تجبرك على اللعب من وجهة نظر شخصية الشرير لعدد ساعات يساوى تقريبًا ما خضته من قبل، وتخوض التجربة من وجهة نظر تضطرك لمعايشة عواقب أفعالك التى كنت تعتبرها عندما ارتكبتها بطولية، لكنها الآن من الناحية الأخرى إجرامية قاسية. لاحظ أن هذا ليس فيلماً أو مسلسلاً أنت فيه مشاهد خارجى، بل أنت المرتكب الوحيد لكل ما يجرى أمامك ما دمت ممسكًا بعصا التحكم. فى النهاية، عندما تصل إلى المواجهة بين الشخصيتين، تجد أنك قد مررت بواحدة من أقسى وأمتع التجارب الشعورية التطهيرية بحسب تعريف رواد المسرح الإغريقى. أظن أن درجة التفاعل مع الحكاية التى تمنحها الألعاب الرقمية للاعب، تغير من مدى إدراك صانع الحكايات للأدوات السردية إلى الأبد، وتمنحه إحساسًا مختلفًا طازجًا بروح أى حكاية، مهما كان الوسيط الذى يستخدمه لتقديمها.
يضيف جمال: التفكير فى تحويل رواية إلى لعبة ليس أمرًا سهلًا، نظرًا للطبيعة التفاعلية للألعاب، ونظرًا لمحدودية التفاعل المتاح للاعب فى الألعاب. أى ﻻعب فيديو جيمز يعلم أن اﻷلعاب تتيح لك مجموعة محدودة من الأدوات للتحكم فيها، وليس تفاعلًا ﻻ نهائيًا مثل الحياة الواقعية مثلًا أو مثلما يبدو وكأنه متاح للشخصية فى وسيط غير تفاعلى «مثل الكتاب أو السينما.
تحتاج اللعبة أن تكون أكشن، أو حل ألغاز، أو تخطى عوائق، أو تخطيط استراتيجى، أو أى مزيج من هذه اﻷنواع، المهم أن يتاح للاعب أدوات معينة هى كل ما يملك (على الأقل حتى تتيح التكنولوجيا إمكانيات أكثر).
يجب اﻷخذ فى الاعتبار منح مساحة واسعة للتفاعل «الممتع» للاعب أثناء تصميم اللعبة، وإﻻ خاطرت بفقدانه وإصابته بالملل. إذن ﻻ يمكن أن أحول الحرافيش مثلًا إلى لعبة فيديو مع الإخلاص لبنيتها الدرامية، لكنى أستطيع تخيل لعبة تبنى عالمًا مبنى بوحى من حارات نجيب محفوظ، وشخصية رئيسية تبدأ بشخص بسيط يخوض رحلة انتقام من فتوة شرير تسبب له فى أذى، أو تطوره من تابع لفتوة إلى فتوة كبير، أو أى قصة تتيح للاعب خوض قصة/مغامرة طويلة يتطور فيها ويستكشف العالم ويخوض مئات القصص الفرعية، ويخوض باستمرار معارك ويطور تحالفات ويبنى تفاصيل خاصة به. هذا ليس الوسط المثالى لعرض أساس فلسفة وروح نجيب محفوظ، لكنه كتابة القصة ونوع التحديات التى تمر بها الشخصية قد تسمح بالتعبير نوعًا ما عن الروح الأصلية للمادة الأصلية.
لو أنى سأرشح أحد أعمالى للتحويل إلى لعبة فيديو، سأختار جزءاً بعينه من كتابى اﻷخير «أبناء نوت». فى الواقع عندى عدة أفكار ﻷلعاب فيديو ضخمة من التراث المصرى والعربى، لكن اسمح لى بأﻻ أفصح عنها، إﻻ لمستثمر ﻻ يمانع بالمخاطرة بخمسين مليون دوﻻر من أجل تجريب العمل على (حاجة حلوة).

ألعاب سردية فى عالم الفيديو «جيم»
لا يحب الأديب مصطفى منير الناس الذين يتعاملون مع ألعاب الفيديو باستخفافٍ، يرون أن بعض ألعابَ الفيديو مجرد تسلية، يستدرك: لكن التّطور المُذهل والميزانيات الضّخمة المُخصصة لها يؤكدان حقيقة منافسة سردية الألعاب لآلاعيب السّرد، وذلك ما يحثنى للبحث عن الفكرة والاعتراك مع تأويلاتها كعراك الأبطال داخل اللّعبة مع الوحوش، الشّىء اللّافت للنظر فى تلك الصناعة، هو وجود كتّاب ومخرجين وطاقم عمل كامل وراء خروج اللّعبة، إذ تتشابه ظروف إنتاجها مع مثيلاتها من صناعة الأفلام والمسلسلات، بل وقد تتفوق عليهم بسبب الاعتماد الكلى على الخيال وتبجيل الأفكار الخلّاقة بعيدًا عن المنطق والقيل والقال، لذلك؛ تُلهمنى لعبة اسمها «Death Stranding» نحو التّمسك بالجنون وتطويعه داخل إطار أدبى مهما كانت غرائبية الفكرة، حيث حمّسنى كيف استطاع مصممها اليابانى «هيديو كوجيما» الاستعانة بالممثل نورمان ريديس ومايسترو الرّعب «غييرمو ديل تورو» لتأدية دور البطولة بتفرغ تام، أمّا بالنّسبة لطرق السّرد المختلفة وإمكانية قص حكاية استثنائية؛ فلم يتوقف تطور الألعاب عند المغامرات الجاذبة فحسب، بل اعتمدت أغلبيتها على إعادة إحياء السّرديات التّاريخية، سواء فى شكل تشويقى مثل لعبة «Uncharted» التّى تسرد قصة المستكشف الفضولى نيثان دريك وسعيه وراء الكنوز المهجورة، أو دور التّنظيمات السّرية فى كتابة التّاريخ كلعبة الحشاشين، فى النّهاية؛ أقول إن السّرد كيان مُراوغ، يتقن الظّهور فى كل الأشكال، يعرف متى يسجنك داخل فتن حكاياته، سواء كان المستخدم قارئًا أو مُشاهدًا أو لاعبًا.
أرغب أن أكون مصممة ألعاب فيديو
تحلم الأديبة إيمان عبد الرحيم، بأن تكون مصممة ألعاب فيديو، خاصة اللعبة التى تجعل اللاعب يخوض تجارب نفسية، قائمة على القصة بشكل أساسى، أكثر من اعتمادها على الحركة والجرافيك مثل: «لايف إز استرانج»، و «واكينج ديد»، «ويتنيس»، و «ولف أمونج أس»، تقول: صارت ألعاب الفيديو فى يومنا الحالى، صناعة ليس غرضها الأساسى التسلية، بل صناعة عمل فنى. كما يلهم الكاتب أثناء الكتابة، تغذى خيالى وتوسعه، حيث تجعله يخوض تجارب لم يعشها على أرض الواقع، لأنه يذهب إلى أماكن وأزمنة، لن يتمكن من زيارتها، مثل عصر الفايكينج، العصر الفرعونى، والعصر الإغريقى، والثورة الفرنسية وغيرها. ذلك فى ألعاب «أسيسانز كريد»، و«لوس أنجلوس» و»حياة الجريمة» و «أمريكا بعد التوحد مباشرة» كما فى ألعاب «جراند ثيف أوتو» و«ريد ديد ريديمبشان». كما تجعله يقابل شخصيات مكتوبة بحرفية فنية شديدة ومبهرة مثل: أرثر مورجان فى «ريد ديد ريديمبشان»، وتريفور فيليبس فى «جى تى إيه 5». لو عمل إبداعى لى، تحول إلى لعبة، فأتمنى تكون لعبة من الألعاب المصممة لوضع اللاعب فى تجربة نفسية، أما الأعمال الأدبية الأخرى الصالحة للتحول إلى ألعاب فيديو، فهناك سلسلة «ملف المستقبل» و«ما وراء الطبيعية».
تماثيل الجان
منذ عامين كتبت الأديبة سمر نور رواية «تماثيل الجان»، كانت الشخصية الرئيسية فى العمل، مصممة ألعاب فيديو، حدثتنا عن تجربتها مع هذا العمل: كتبت رواية «تماثيل الجان» على فترات زمنية متباعدة وكنت أتركها وأنشغل بمشاريع أخرى، كنت أجد فى كل مرة أن هناك خيطا ناقصا لا أستطيع الإمساك به، فراغا ما فى عالم الرواية، حتى قررت فى لحظة معينة أن أتفرغ لكتابتها، وأملأ هذا الفراغ، فى تلك اللحظة شغلتنى الشخصية المؤثرة فى سير أحداث الرواية رغم عدم حضورها، شخصية دنيا، التى تسيطر على عالم البطل عمر والجنى معا، رغم غيابها الدائم وبحثهما عنها، وشغلنى السؤال: ما الذى يشغل تلك الشخصية؟ ماذا تعمل؟ خُيِّل إلىَّ أنها تعمل فى مجال يكفل لها فكرة السيطرة على العالم وقيادته، لا أعرف ما الذى جعلنى أفكر فى عملها فى مجال ألعاب الفيديو، كانت لحظة غريبة جدا كأنه إلهام، فأنا لست مطلعة على هذا العالم ولم تكن تجذبنى ألعاب الفيديو أو أمارس لعبها فى يوم من الأيام، لكن الفكرة سيطرت علىَّ فبدأت البحث فى هذا المجال وعرفتنى صديقة على المترجم مو محسن وكانت له قناة متخصصة فى الفيديو جيمز على اليوتيوب، فتح لى بابا على هذا العالم المثير، وكيفية العمل فيه فى مصر وبالخارج، خاصة نوعية الألعاب ذات الطابع الفلسفى، مثل لعبة «صدى الصوت» ولعبة «ليس لدىَّ فم، ويجب أن أصرخ» وغيرهما، ووجدت تماهياً بين شخوص تلك الألعاب وشخصيات روايتى. كنت أختار فيديوهات لألعاب قام لاعب ما بلعبها وإنهائها بالفعل وأجلس لمشاهدتها كأنى أشاهد فيلما، وبالفعل كنت أستمتع بالحوارات والخيال والصورة، وصرت مولعة بها إلى حد مشاهدة فيديوهات قد تصل إلى أربع ساعات متواصلة. كانت تجربة ممتعة بالنسبة لى، ولها بالغ التأثير على الرواية وعلى نظرتى لفن ألعاب الفيديو، لأنى من موقع المشاهدة تأكدت أنه فن مستقل مستفيد من الفنون البصرية المختلفة ومن الفلسفة ومن المسرح والسينما والأدب، هو منفتح على كل تلك الفنون. أما عن الروايات التى يمكن أن تتحول إلى ألعاب فيديو فأتصور أن أى رواية بها بطل مأزوم وحوارات فلسفية وصورة وخيال يمكن تحويلها إلى لعبة فيديو، وفى رواية «تماثيل الجان» قمت بتأليف لعبة فيديو من خلال عالمها بالفعل ووضعت تصوراً لها فى نهاية العمل.
المعمار ماهر استينو
خالد عصام: الكتابة عملية اكتشاف تجرى داخل النص نفسه
محطات فى تاريخ الإذاعة المصرية





