على مر العصور، كانت الحمامات العامة مركزًا للرعاية الاجتماعية والنظافة الشخصية، حيث مثلت ملاذًا للاسترخاء والتواصل الاجتماعي.
ومن بين هذه الحمامات التاريخية يبرز حمام السلطان إينال في شارع المعز بالقاهرة، الذي يعود تاريخه إلى أكثر من 550 عامًا.

يُعتبر هذا الحمام ليس فقط شاهدًا على براعة العمارة الإسلامية، بل يحمل أيضًا قصة مأساوية وراء المقولة الشهيرة "اللي اختشوا ماتوا".
في هذا التقرير، نسلط الضوء على تصميم الحمام، تاريخه، وظروف الحريق التي جعلت هذه المقولة خالدة في الذاكرة الشعبية.
تاريخ حمام السلطان إينال
أنشأ السلطان الأشرف أبو النصر سيف الدين إينال هذا الحمام عام 861 هـ / 1456 م في العصر المملوكي كجزء من منشآت الرعاية الاجتماعية التي كانت تخدم العامة. حمام السلطان إينال يُعد أثرًا مميزًا يحمل الرقم 562، ويعكس دور المماليك في الاهتمام بالخدمات العامة وتوفير أماكن نظافة واستحمام للفقراء والعامة.

تصميم الحمام وأقسامه
يتبع الحمام تخطيط الحمامات الإسلامية التقليدية، مع التركيز على تجربة استحمام متكاملة:
1. المدخل المنكسر:
يتميز مدخل الحمام بزاوية منكسرة لضمان خصوصية المكان، حيث يؤدي هذا المدخل إلى الممر المؤدي لباقي أجزاء الحمام.
2. الحجرة الباردة:
تُستخدم كغرفة لخلع الملابس، مزودة بمقاعد للجلوس وخزائن لحفظ المتعلقات الشخصية.
تصميمها يشجع على تهيئة الجسم لبدء عملية الاستحمام.
3. الحجرة الدافئة:
مكان مخصص للاسترخاء، حيث يمكن للزوار تناول المشروبات والاستعداد للدخول إلى الحجرة الساخنة.
توفر بيئة مريحة تُجهز المستحم للتدرج الحراري.

4. الحجرة الساخنة (المغطس):
قلب الحمام، حيث يتم تسخين المياه وتوفير جو دافئ يساعد على التنظيف العميق والاسترخاء.
التقنيات المعمارية في الحمام
تميز الحمام باستخدام تقنيات هندسية متقدمة في تلك الفترة:
القباب الضحلة:
استخدم المعماري المسلم القباب الضحلة المزودة بفتحات من الزجاج الملون، مما يسمح بدخول الضوء الطبيعي مع الحفاظ على دورة الهواء الساخن.
تدفق المياه:
استُخدم بئر متصل بساقية لرفع المياه إلى المستوقد الموجود خلف الحمام.

تُسخن المياه باستخدام النيران الناتجة عن حرق القمامة، ثم تُنقل عبر أنابيب فخارية وصنابير معدنية إلى حجرات الحمام المختلفة.
قصة "اللي اختشوا ماتوا"
القصة الشهيرة تعود إلى حادث مأساوي وقع داخل الحمام، أثناء استحمام عدد من السيدات، اندلع حريق في إحدى الغرف.
بعض النساء خرجن مسرعات لإنقاذ حياتهن دون الالتفات لشكلهن.
الأخريات، اللاتي شعرن بالخجل أو "الحياء"، رفضن الخروج عاريات، فبقين داخل الحمام وماتن بسبب الحريق.
ومن هنا نشأت المقولة الشعبية "اللي اختشوا ماتوا"، لتصبح جزءًا من التراث الشعبي المرتبط بهذا المكان.
زيارة الحمام اليوم
يقع حمام السلطان إينال في شارع المعز، أحد أقدم الشوارع التاريخية في القاهرة، وهو مفتوح للزوار:
سعر التذكرة: 20 جنيهًا تشمل زيارة جميع المزارات.
الدخول المجاني: للأشخاص فوق الستين عامًا، باستثناء أيام الجمعة والسبت والعطلات الرسمية.
الحمام يُعد اليوم وجهة ثقافية وسياحية، حيث يتيح للزوار فرصة التعرف على ماضي الرعاية الاجتماعية والعمارة الإسلامية.
رمزية الحمام في العصر المملوكي
لم تكن الحمامات العامة مجرد أماكن للاستحمام، بل كانت مراكز للتواصل الاجتماعي، حيث التقى الناس لتبادل الأخبار وقضاء وقت ممتع.
الخدمات المقدمة:
تنظيف الجسم.
جلسات تدليك باستخدام الزيوت.
توفير بيئة مريحة لاستعادة النشاط.
رمز الطبقية:
رغم أن الحمام كان متاحًا للعامة، إلا أنه كان يعكس المكانة الاجتماعية، حيث خصصت أجزاء معينة من الحمام للطبقات الأعلى.
أهمية الحمام في السياق الحديث
يمكن وصف حمام السلطان إينال بأنه كان بمثابة "السبا" الحديث، حيث دمج بين النظافة الشخصية والاسترخاء.
أصبح الحمام وجهة سياحية تُبرز عظمة العمارة الإسلامية واهتمام المماليك بالرعاية الاجتماعية.
يُعد الحمام شاهدًا على تطور مفهوم النظافة والاستجمام عبر التاريخ.
اقرأ ايضًا | أصل الحكاية| حمام السلطان الأشرف إينال تحفة معمارية عثمانية في قلب شارع المعز

حقيقة الكافيتريا الجديدة بالكرنك.. وزارة السياحة ترد على الجدل وتحسم الشائعات
وزارة السياحة: لا ملاحظات على برامج الحج الاقتصادي والبري هذا العام
رئيس «سياحة النواب»: نجاح الحج البري والاقتصادي.. وشكاوى محدودة في الخمس نجوم





