■ بقلم: د. حمادة شعبان، عضو هيئة التدريس بكلية اللغات والترجمة ومشرف بمرصد الأزهر لمكافحة التطرف
يحتفل العالم في التاسع من ديسمبر من كل عام باليوم الدولي لإحياء وتكريم ضحايا جرائم الإبادة الجماعية، وذلك بهدف زيادة الوعي باتفاقية منع الإبادة الجماعية، والتذكير بضحايا هذه الجريمة وتكريمهم.
وتحدد المادة الثانية من قانون الإبادة الجماعية الصادر عام 1946م خمس مواد لتعريف الإبادة، وهي: قتل أعضاء من جماعة معينة، إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء من الجماعة، إخضاع الجماعةعمدًا لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كليًا أو جزئيًا، فرض تدابير تستهدف الحول دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة، نقل أطفال من الجماعةعنوة إلى جماعة أخرى.
ومن يتأمل المقاصد الشرعية التي جاءت بها الشريعة الإسلامية وهي حماية النفس والعقل والدين والنسل والمال، يجد أنها رواية مضادة قوية لمواد قانون الإبادة الجماعية، وأصول راسخة لحقوق الإنسان التي تنادي بها المجتمعات والمنظمات الدولية في عصرنا الحديث.
فالمقصد الأول وهو حماية النفس يُعد رواية مضادة للمادتين الأولى والثالثة من قانون الإبادة الجماعية وهما قتل أعضاء جماعة معينة أو إخضاعها لظروف يراد بها تدميرها. كما يعد المقصد الأول أيضًا رواية مضادة للنصف الأول من المادة الثانية وهو إلحاق أذى جسدي بأعضاء من الجماعة.
والشريعة الإسلامية جعلت حماية النفس البشرية أصل كل الحقوق، وقد نص المصدر الأول للتشريع الإسلامي على أن من يعتدي على حق إنسانٍ واحدٍ في الحياة فقد اعتدى على الإنسانية كلها.
أما المقصد الثاني من مقاصد الشريعة وهو حماية العقل، فيعد الإجراء المضاد للنصف الأول من المادة الثانية من قانون الإبادة الجماعيةوهو إلحاق أذى روحي بأعضاء من الجماعة. ولا شك أن الأذى الروحي لا يصيب الجسم فقط بل يصيب العقل ويؤثر سلبًا على التفكير أيضًا.
والعقل في الشريعة الإسلامية يمثل جوانب القوة لدى الإنسان الذي نص القرآن على أن الله قد خلق الإنسان ضعيفا مقارنة بمعظم الكائنات الأخرى التي تتفوق عليه في الصفات البدنية وقوة التحمل. ومن ثم فإن العقل هو المميز للإنسان عن غيره من المخلوقات وهو سبب خلافة الإنسان في الأرض، ومن ثم اعتنى الإسلام بالعقل ومنحه حرية التفكير والتأمل والتدبر وتكوين الآراء في جميع الأمور بما فيها الدين، إذ امتدت سماحة الإسلام في حرية التفكير إلى تشجيع العلماء على إعمال عقولهم في استنباط الأحكام الشرعية، وفي فحص الأحاديث النبوية وتمييز الصحيح منها عن الموضوع وفقًا لقواعد وضعها علماء الحديثاعتمدوا في وضعها على إعمال العقل. بل بلغ إعمال العقل وفقًا لقواعد التفكير الصحيحة درجة عظيمة في الإسلامبإعطاء أجرًا لمن يجتهد ويخطأ، وأجرين لمن يجتهد ويصيب، ومن هنا تصير عملية إعمال العقل ذاتها أمرًايُثابعليه الإنسان.
ويعد المقصد الرابع من مقاصد الشريعة وهو حماية النسل رواية مضادة للمادتين الرابعة والخامسة من قانون الإبادة الجماعية وهما فرض تدابير تستهدف الحول دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة، ونقل أطفال من الجماعةعنوة إلى جماعة أخرى. وحماية النسل هي الضامن لاستمرار الجنس البشري الذي هو الضامن لاستمرار الحياة، فمهما بلغت التطورات الحديثة التي تغني عن اليد البشرية العاملة لا غنى عن وجود الإنسان الذي هو المتحكم في هذه التطورات.
وتتفوق المقاصد الشرعية عن مواد قانون الإبادة الجماعية في الاهتمام بالحفاظ على الدين والمال، فالدين فطري في الإنسان، والمال يمثل خمسين في المائة من زينة الحياة الدنيا.
ومن هنا نقول إن الاعتقاد بأن حقوق الإنسان تُعد إنجازًا غربيًا خالصًا أمر يخالف الصواب، فالشريعة الإسلامية رسخت هذه الحقوق قبل 1500 عام، واعتبرتها خطوط حمراء لا يجوز المساس بها أو الاستهانة بشأنها.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







