خالد محمود يكتب .. «الروس فى الحرب» لماذا يثير الفيلم كل هذا الجدل؟

خالد محمود
خالد محمود


عقب‭ ‬إلغاء‭ ‬إدارة‭ ‬مهرجان‭ ‬“تورنتو”‭ ‬السينمائي‭ ‬الدولي‭ ‬العروض‭ ‬العامة لفيلم‭ ‬“الروس‭ ‬في‭ ‬الحرب”،‭ ‬بسبب‭ ‬ما‭ ‬أثاره‭ ‬من‭ ‬احتجاجات‭ ‬عنيفة،‭ ‬واعتراضات‭ ‬بعض‭ ‬أعضاء‭ ‬البرلمان‭ ‬الروسي،‭ ‬وهو‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬جعل‭ ‬الجميع‭ ‬يتساءل‭: ‬“لماذا‭ ‬يثير‭ ‬الفيلم‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬الجدل؟”‭.‬

الواقع‭ ‬أن‭ ‬الفيلم‭ ‬الوثائقي‭ ‬ذكّر‭ ‬المشاهد،‭ ‬بأن‭ ‬هؤلاء‭ ‬الجنود‭ ‬الروس‭ ‬الذين‭ ‬شاركوا‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬أوكرانيا‭ ‬تعرضوا‭ ‬أيضًا‭ ‬للكذب‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬قادتهم‭ ‬بحسب‭ ‬شهادات‭ ‬عديدة‭ ‬تضمنها‭ ‬العمل‭.‬

ومن‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬النهج‭ ‬العملي‭ ‬الذي‭ ‬اتبعته‭ ‬المخرجة‭ ‬أناستاسيا‭ ‬تروفيموفا‭ ‬في‭ ‬تصوير‭ ‬مأساة‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬الأوكرانية‭ ‬وأهوالها‭ ‬محبطًا‭ ‬بالنسبة‭ ‬لأي‭ ‬شخص،‭ ‬فعلى‭ ‬مدار‭ ‬129‭ ‬دقيقة،‭ ‬نرى‭ ‬حوارات‭ ‬واقعية‭ ‬قاسية،‭ ‬وربما‭ ‬أشد‭ ‬قسوة‭ ‬من‭ ‬الصورة‮ ‬‭.‬

في‭ ‬منزل‭ ‬تملكه‭ ‬امرأة‭ ‬مسنة‭ ‬في‭ ‬شرق‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬يجري‭ ‬جندي‭ ‬يدعى‭ ‬“إيليا”‭ ‬محادثة‭ ‬صريحة‭ ‬مع‭ ‬ضابطه‭ ‬الأعلى‭ ‬قائلا‭: ‬“لقد‭ ‬جئت‭ ‬إلى‭ ‬هنا‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬وطنيتي”،‮ ‬“هل‭ ‬ترى‭ ‬ذلك‭ ‬هنا؟”‭ ‬سأله‭ ‬رئيسه‭.. ‬أخذ‭ ‬“إيليا”‭ ‬قسطًا‭ ‬من‭ ‬الوقت‭ ‬وأجاب‭: ‬“ليس‭ ‬بعد‭ ‬الآن،‭ ‬لسوء‭ ‬الحظ”‭.‬

المثير‭ ‬للجدل‭ ‬بـ”الروس‭ ‬في‭ ‬الحرب”‭ ‬هو‭ ‬رمزية‭ ‬نبرة‭ ‬الفيلم،‭ ‬حيث‭ ‬أن‭ ‬مأساة‭ ‬الحرب‭ ‬تركت‭ ‬لدى‭ ‬قواتها‭ ‬خيبة‭ ‬أمل‭.‬

يبدأ‭ ‬الفيلم‭ ‬بلقاء‭ ‬تروفيموفا‭ - ‬مخرجة‭ ‬أفلام‭ ‬كندية‭ ‬روسية‭ ‬–‭ ‬بـ”إيليا”‭ ‬على‭ ‬متن‭ ‬قطار،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬وتطوع‭ ‬للقتال‭ ‬في‭ ‬الجانب‭ ‬الروسي،‭ ‬وعندما‭ ‬انضمت‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬عودته‭ ‬إلى‭ ‬كتيبته،‭ ‬حصلت‭ ‬تروفيموفا‭ ‬على‭ ‬إذن‭ ‬من‭ ‬القادة‭ ‬هناك‭ ‬لتصوير‭ ‬فيلم‭ ‬وثائقي‭ ‬عن‭ ‬واقع‭ ‬الحياة‭ ‬بالنسبة‭ ‬للروس‭ ‬على‭ ‬الجبهة،‭ ‬دون‭ ‬علم‭ ‬أو‭ ‬موافقة‭ ‬الدولة‭.‬

لكن‭ ‬ما‭ ‬تجده‭ ‬هناك‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الجنود‭ - ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬جميعهم‭ ‬تقريبا‭ ‬متطوعين‭ ‬في‭ ‬الأصل،‭ ‬وأغلبهم‭ ‬ظلوا‭ ‬هناك‭ ‬لشهور‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬عقودهم‭ ‬ومن‭ ‬المرجح‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬تجنيدهم‭ ‬بأي‭ ‬طريقة‭ - ‬عالقون‭ ‬في‭ ‬مستنقع‭ ‬من‭ ‬صنع‭ ‬قادتهم،‭ ‬وقد‭ ‬التحق‭ ‬معظمهم‭ ‬ببعض‭ ‬الشعور‭ ‬بالوطنية‭ ‬والصلاح‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬“إيليا”‭ ‬يشعر‭ ‬به‭ ‬ذات‭ ‬يوم،‭ ‬ويقول‭ ‬أحد‭ ‬الجنود‭ ‬الشباب‭ ‬إنه‭ ‬موجود‭ ‬هناك‭ ‬لمحاربة‭ ‬النازية،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬مبرر‭ ‬فلاديمير‭ ‬بوتين‭ ‬لغزو‭ ‬أوكرانيا‭ ‬في‭ ‬فبراير‭ ‬2022،‭ ‬والآن‭ ‬يشعر‭ ‬معظمهم‭ ‬بأن‭ ‬معركتهم‭ ‬لا‭ ‬معنى‭ ‬لها،‭ ‬وأنهم‭ ‬لم‭ ‬يصبحوا‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬وقود‭ ‬للمدافع‭.‬

يقول‭ ‬جندي‭ ‬آخر‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬المرات‭ ‬وهو‭ ‬يتأمل‭ ‬موقفه‭ ‬في‭ ‬الصراع‭: ‬“لقد‭ ‬دخلنا‭ ‬في‭ ‬قتال‭ ‬مع‭ ‬أوكرانيا،‭ ‬لكنني‭ ‬لا‭ ‬أشعر‭ ‬أنني‭ ‬على‭ ‬حق”،‭ ‬إن‭ ‬أراء‭ ‬ودوافع‭ ‬الجنود‭ ‬متباينة‭.‬

وفي‭ ‬نقاش‭ ‬حاد‭ ‬بينهم،‭ ‬يزعم‭ ‬أحدهم‭ ‬أنهم‭ ‬جميعاً‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬المال‭ ‬فقط،‭ ‬لكن‭ ‬آخرين‭ ‬يعارضون‭ ‬ذلك،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬جندي‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬العمر‭ ‬يقول‭ ‬إنه‭ ‬تطوع‭ ‬للمساعدة‭ ‬في‭ ‬إنهاء‭ ‬الحرب‭ ‬بسرعة‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تظل‭ ‬مشتعلة‭ ‬عندما‭ ‬يبلغ‭ ‬أطفاله‭ ‬المراهقون‭ ‬سن‭ ‬التجنيد،‭ ‬ويشرح‭ ‬آخر‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬كانت‭ ‬بمثابة‭ ‬هروبه‭ ‬من‭ ‬إدمان‭ ‬المخدرات‭.‬

إن‭ ‬فيلم‭ ‬“الروس‭ ‬في‭ ‬الحرب”‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الجدل‭ ‬الدائر‭ ‬حوله،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬فيلم‭ ‬وثائقي‭ ‬رائع ومثير‭ ‬للاهتمام،‭ ‬إن‭ ‬صدقه‭ ‬في‭ ‬الرصد‭ ‬إنجازه‭ ‬العظيم،‭ ‬حيث‮ ‬يروي‭ ‬تجارب‭ ‬مروعة‭ ‬لجنود‭ ‬يسهل‭ ‬شيطنتهم‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬وتتجاهلهم‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬الحكومية‭ ‬في‭ ‬الوطن‭.‬

في‭ ‬إحدى‭ ‬الصحف‭ ‬الروسية،‭ ‬يعلق‭ ‬جندي‭ ‬قائلا‭: ‬“المكتوب‭ ‬هنا‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬الأساس‭ ‬دعاية”،‭ ‬مضيفا‭ ‬أنه‭ ‬تطوع‭ ‬جزئيا‭ ‬بسبب‭ ‬التغطية‭ ‬الإعلامية‭ ‬الكاذبة‭ ‬التي‭ ‬شاهدها‭ ‬على‭ ‬شاشة‭ ‬التلفزيون،‭ ‬وإن‭ ‬ما‭ ‬يفعله‮ ‬“الروس‭ ‬في‭ ‬الحرب”‭ ‬إضفاء‭ ‬الطابع‭ ‬الإنساني‭ ‬على‭ ‬“العدو”،‭ ‬وتذكير‭ ‬المشاهد،‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬قبول‭ ‬ذلك،‭ ‬بأن‭ ‬هؤلاء‭ ‬الجنود‭ ‬بشر‭ ‬أيضا،‭ ‬وأنهم‭ ‬تعرضوا‭ ‬للكذب‭ ‬والإساءة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬دسائس‭ ‬القادة‭ ‬الذين‭ ‬يهتمون‭ ‬بمصالحهم‭ ‬الذاتية،‭ ‬وإن‭ ‬مشاعرهم‭ ‬تجاه‭ ‬هذه‭ ‬المعركة‭ ‬مختلطة‭ ‬في‭ ‬أفضل‭ ‬الأحوال‭ ‬حتى‭ ‬مع‭ ‬استمرارهم‭ ‬في‭ ‬القتال‭.‬

كانت‭ ‬تروفيموفا‭ ‬واضحة‭ ‬للغاية‭ ‬في‭ ‬الفيلم‭ ‬الوثائقي،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬السرد‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬النهاية،‭ ‬حيث‭ ‬أكدت‭ ‬أنها‭ ‬تعتقد‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬كانت‭ ‬خطأ،‭ ‬وغير‭ ‬قانونية،‭ ‬وأن‭ ‬روسيا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تنهي‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬الفور،‭ ‬لإنقاذ‭ ‬أرواح‭ ‬الأوكرانيين،‭ ‬لكن‭ ‬أيضا‭ ‬أرواح‭ ‬المقاتلين‭ ‬الروس‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الاتهامات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬أساس‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬الصحة‭ ‬لتروفيموفا‭ ‬بأنها‭ ‬عميلة‭ ‬مدعومة‭ ‬من‭ ‬الدولة‭ ‬الروسية،‭ ‬فإن‭ ‬نهجها‭ ‬العملي‭ ‬في‭ ‬تصوير‭ ‬الشقاء‭ ‬والرعب‭ ‬الذي‭ ‬شهدته‭ ‬تجربة‭ ‬الحرب،‭ ‬يعد‭ ‬أمراً‭ ‬محبطاً‭ ‬ومؤسفاً‭ ‬لأي‭ ‬شخص‭ ‬مقتنع‭ ‬بخطأ‭ ‬روسيا‭.‬

إن‭ ‬الجنود‭ ‬وغيرهم‭ ‬في‭ ‬الفيلم‭ ‬يعبرون‭ ‬بانتظام‭ ‬عن‭ ‬وجهة‭ ‬نظرهم،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬بأن‭ ‬أوكرانيا‭ ‬هي‭ ‬المسئولة‭ ‬عن‭ ‬الحرب‭ - ‬التي‭ ‬تمتد‭ ‬جذورها‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬عام‭ ‬2014‭ ‬مع‭ ‬الانفصاليين‭ ‬المدعومين‭ ‬من‭ ‬روسيا‭ ‬في‭ ‬دونباس‭ ‬وضم‭ ‬روسيا‭ ‬لشبه‭ ‬جزيرة‭ ‬القرم‭ - ‬وهي‭ ‬الحقيقة‭ ‬التي‭ ‬تظل‭ ‬غامضة،‭ ‬والواقع‭ ‬أن‭ ‬الفيلم،‭ ‬دون‭ ‬الإساءة‭ ‬إلى‭ ‬معتقدات‭ ‬تروفيموفا‭ ‬الشخصية‭ ‬حول‭ ‬أسباب‭ ‬الحرب،‭ ‬غير‭ ‬مهتم‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭ ‬بإقامة‭ ‬هذا‭ ‬النقاش‭ ‬السياسي‭ ‬التاريخي،‭ ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬يقدم‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬نظرة‭ ‬ثاقبة‭ ‬غير‭ ‬مصفاة‭ ‬للظروف‭ ‬والتناقضات‭ ‬الحالية‭.‬

تعيش‭ ‬في‭ ‬منزلها‭ ‬على‭ ‬بعد‭ ‬كيلومترين‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬الجبهة،‭ ‬حيث‭ ‬تسقط‭ ‬القنابل‭ ‬بانتظام‭ ‬بالقرب‭ ‬منها،‭ ‬دعمها‭ ‬للمحتلين‭ ‬الروس،‭ ‬وعندما‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬المدرسة،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي‭ ‬السابق،‭ ‬تعلمت‭ ‬عن‭ ‬لينين‭ ‬وأمجاد‭ ‬روسيا،‭ ‬وتوضح‭ ‬أن‭ ‬أوكرانيا‭ ‬ضد‭ ‬لينين،‭ ‬ولا‭ ‬يبدو‭ ‬أنها‭ ‬تفكر‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬روسيا‭ ‬الحديثة‭ ‬نفسها‭ ‬موجودة‭ ‬كرفض‭ ‬للثورة‭ ‬الشيوعية‭.‬

تقول‭ ‬طبيبة‭ ‬روسية‭ ‬شابة‭ ‬إن‭ ‬الأفلام‭ ‬السوفييتية‭ ‬كان‭ ‬لها‭ ‬أكبر‭ ‬تأثير‭ ‬عليها‭ ‬عندما‭ ‬كانت‭ ‬طفلة،‭ ‬وإن‭ ‬بعض‭ ‬السكان‭ ‬المحليين‭ ‬ما‭ ‬زالوا‭ ‬يعتقدون‭ ‬أن‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي‭ ‬سيعود،‭ ‬وهذا‭ ‬الفيلم‭ ‬يعرض‭ ‬آثار‭ ‬الدعاية‭ ‬والفهم‭ ‬الخاطئ‭ ‬بشكل‭ ‬كامل،‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬تحمله،‭ ‬تقول‭ ‬الطبيبة‭: ‬“هنا‭ ‬أشعر‭ ‬بالاشمئزاز،‭ ‬وأدركت‭ ‬أنني‭ ‬لا‭ ‬أفهم‭ ‬سبب‭ ‬كل‭ ‬هذا”‭. ‬

ومن‭ ‬المهم‭ ‬أن‭ ‬تتحدى‭ ‬المخرجة‭ ‬تروفيموفا‭ ‬رعاياها،‭ ‬وتستفزهم‭ ‬بأسئلة‭ ‬حول‭ ‬أرائهم‭ ‬وهدفهم‭ ‬وأفعالهم‭ ‬في‭ ‬الحرب،‭ ‬وفي‭ ‬حديثها‭ ‬مع‭ ‬أحد‭ ‬الجنود‭ ‬الشباب،‭ ‬سألته‭ ‬عن‭ ‬جرائم‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬يُزعم‭ ‬أن‭ ‬الروس‭ ‬ارتكبوها،‭ ‬فينكرها،‭ ‬ليس‭ ‬لأنه‭ ‬يعلم‭ ‬يقيناً‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تحدث،‭ ‬بل‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يفهم‭ ‬لماذا‭ ‬يتصرف‭ ‬أي‭ ‬شخص‭ ‬بمثل‭ ‬هذه‭ ‬الشناعة،‭ ‬وبالتأكيد‭ ‬ليس‭ ‬رفاقه‭.‬

وعندما‭ ‬أشارت‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬روسيا‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬باقتحام أوكرانيا‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأول،‭ ‬حاول‭ ‬التهرب‭ ‬من‭ ‬الإجابة،‭ ‬قائلاً‭ ‬إنهم‭ ‬تلقوا‭ ‬الأمر‭ ‬ببساطة‭ ‬ونفذوه،‭ ‬معترفاً‭ ‬بأنه‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬الغزو‭ ‬صحيحاً‭ ‬أم‭ ‬لا‭.. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الخسائر‭ ‬التي‭ ‬تكبدها‭ ‬الشعب‭ ‬الأوكراني‭ ‬غائباً‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬بين‭ ‬الجنود،‭ ‬فمن‭ ‬المرجح‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬نتيجة‭ ‬للصعوبة‭ ‬التي‭ ‬يواجهونها‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الدمار‭ ‬الذي‭ ‬يرتكبونه‭.‬

ومع‭ ‬مقتل‭ ‬المزيد‭ ‬والمزيد‭ ‬من‭ ‬أفراد‭ ‬الكتيبة‭ ‬ـ‭ ‬الذين‭ ‬تم‭ ‬نشرهم‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬باخموت‭ ‬الساخنة‭ ‬ـ‭ ‬في‭ ‬القتال،‭ ‬فإن‭ ‬العبث‭ ‬الحقيقي‭ ‬للغزو‭ ‬أصبح‭ ‬حقيقياً‭ ‬للغاية‭ ‬ومؤثراً‭ ‬للغاية،‭ ‬لقد‭ ‬ترك‭ ‬هذا‭ ‬الغزو‭ ‬رفاقاً‭ ‬حزينين‭ ‬وأسراً‭ ‬حزينة‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬مع‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الخسارة‭.‬

وفي‭ ‬حديثه‭ ‬عن‭ ‬القيادة‭ ‬الروسية،‭ ‬قال‭ ‬أحد‭ ‬المشاركين‭ ‬ببساطة‭: ‬“الناس‭ ‬يُقتلون‭ ‬بأعداد‭ ‬كبيرة‭ ‬وهم‭ ‬لا‭ ‬يكترثون”،‭ ‬وقال‭ ‬جندي‭ ‬آخر‭: ‬“لقد‭ ‬حان‭ ‬الوقت‭ ‬لإنهاء‭ ‬الحرب”،‭ ‬وأضاف‭: ‬“دعوا‭ ‬العدو‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬دياره‭ ‬حياً‭ ‬وبصحة‭ ‬جيدة‭ ‬إلى‭ ‬عائلاتهم،‭ ‬ولنا‭ ‬أيضاً”‭.‬

إن‭ ‬الاتهامات‭ ‬الموجهة‭ ‬إلى‭ ‬الفيلم‭ ‬بأنه‭ ‬دعاية‭ ‬روسية‭ ‬لا‭ ‬أساس‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬الصحة،‭ ‬والواقع‭ ‬أن‭ ‬الجمهور‭ ‬الأكثر‭ ‬أهمية‭ ‬للفيلم‭ ‬ربما‭ ‬يكون‭  ‬الجمهور‭ ‬الأقل‭ ‬احتمالاً‭ ‬لمشاهدته‭: ‬الشعب‭ ‬الروسي‭.‬

رفضت المخرجة الروسية‭ ‬الكندية‭ ‬لفيلم‮ ‬“الروس‭ ‬في‭ ‬الحرب”‭ ‬الأقوال‭ ‬التي‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الفيلم‭ ‬محاولة‭ ‬لتبييض‭ ‬جرائم‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬ارتكبها‭ ‬الجنود‭ ‬الروس‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‮ ‬‭.‬

وقد‭ ‬قضت‭ ‬أناستاسيا‭ ‬تروفيموفا‭ ‬7‭ ‬أشهر‭ ‬في‭ ‬الخفاء مع‭ ‬كتيبة‭ ‬للجيش‭ ‬الروسي‭ ‬في‭ ‬شرق‭ ‬أوكرانيا‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الفيلم‭ ‬الوثائقي‭ ‬الذي‭ ‬يقدم‭ ‬نظرة‭ ‬نادرة‭ ‬على‭ ‬حياة‭ ‬القوات‭ ‬الروسية‭.‬

العمل‭ ‬يقدم في‭ ‬النهاية‭ ‬صورة‭ ‬لرجال‭ ‬عاديين‭ ‬يحاولون‭ ‬جاهدين‭ ‬فهم‭ ‬ما‭ ‬يفعلونه‭ ‬على‭ ‬الجبهة،‭ ‬ويعيشون‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬قاسية‭ ‬ويخاطرون‭ ‬بحياتهم‭ ‬على‭ ‬بعد‭ ‬آلاف‭ ‬الأميال‭ ‬من‭ ‬الأصدقاء‭ ‬والعائلة‭.‬

وتتباين‭ ‬التقديرات،‭ ‬لكن‭ ‬التقارير‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬66‭ ‬ألفاً‭ ‬إلى‭ ‬120‭ ‬ألف‭ ‬جندي‭ ‬روسي‭ ‬لقوا‭ ‬حتفهم‭ ‬في‭ ‬الحرب،‭ ‬مع‭ ‬خسائر‭ ‬عسكرية‭ ‬فادحة‭ ‬بنفس‭ ‬القدر‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬الأوكراني،‭ ‬وأكثر‭ ‬من‭ ‬23‭ ‬ألف‭ ‬قتيل‭ ‬مدني‭.‬

وسُئلت‭ ‬تروفيموفا‭ ‬عما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬“الأخلاقي”‭ ‬إضفاء‭ ‬طابع‭ ‬إنساني‭ ‬على‭ ‬الجنود‭ ‬الروس،‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬جرائم‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬ارتكبها‭ ‬الجيش‭ ‬الروسي‭ ‬أثناء‭ ‬حربه لأوكرانيا‭..‬‮ ‬وقالت‭ ‬“أجد‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬غريبًا‭ ‬بعض‭ ‬الشيء،‭ ‬هل‭ ‬هناك‭ ‬قوائم‭ ‬بأشخاص‭ ‬يمكننا‭ ‬إضفاء‭ ‬صفة‭ ‬الإنسانية‭ ‬عليهم‭ ‬وأشخاص‭ ‬لا‭ ‬يمكننا؟،‭ ‬بالطبع،‭ ‬يتعين‭ ‬علينا‭ ‬إضفاء‭ ‬صفة‭ ‬الإنسانية‭ ‬على‭ ‬الجميع،‭ ‬هذه‭ ‬مأساة‭ ‬ضخمة‭ ‬لمنطقتنا،‭ ‬أولاً‭ ‬وقبل‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬وللعالم‭ ‬أجمع،‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬ننظر‭ ‬إلى‭ ‬بعضنا‭ ‬البعض‭ ‬كأشخاص‭.. ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬لن‭ ‬يؤدي‭ ‬إلا‭ ‬إلى‭ ‬استمرار‭ ‬الحرب‭. ‬وهذا‭ ‬لن‭ ‬يؤدي‭ ‬إلا‭ ‬إلى‭ ‬نمو‭ ‬الكراهية‭.. ‬لسوء‭ ‬الحظ،‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬الطريق‭ ‬الذي‭ ‬يسلكه‭ ‬الساسة،‭ ‬لكنني‭ ‬لا‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬الطريق‭ ‬الذي‭ ‬ينبغي‭ ‬للناس‭ ‬العاديين‭ ‬أن‭ ‬يسلكوه”‭.‬

إن‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬وغيره‭ ‬من‭ ‬الأعمال‭ ‬دائما‭ ‬ما‭ ‬يكشف‭ ‬الوجه‭ ‬القبيح‭ ‬للحرب،‭ ‬ويحرك‭ ‬مشاعر‭ ‬إنسانية‭ ‬دائمة‭ ‬نحو‭ ‬السلام،‭ ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬الحياة‭.. ‬صراعات‭ ‬متتالية‭ ‬ورؤى‭ ‬مختلفة‭.‬

;