«بالألوان» أشرف رضا.. والكشف عن «الوجه الآخر»

الفن التشكيلى مجموعة متنوعة من الإبداعات البصرية
الفن التشكيلى مجموعة متنوعة من الإبداعات البصرية


الفن التشكيلى مجموعة متنوعة من الإبداعات البصرية التى تعكس ثقافات وحضارات الشعوب، ولكل مبدع تجربة تحمل بصمته الخاصة التى تترجمها أعماله..

فى مصر القديمة كان الكهنة يرتدون الأقنعة أثناء الطقوس الدينية من أجل تجسيد المعبود، وفى بعض البلدان الإفريقية كانت تستخدم الأقنعة فى السحر وتأدية بعض الشعائر الدينية، فضلًا عن استخدامها فى الاحتفالات التنكرية فى أوروبا، وهناك حكايات وأساطير مختلفة تحكى لنا عن الأقنعة الزائفة والوجوه التى تتظاهر بالخداع من أجل الوصول لمبتغاها.


من هنا كانت فكرة الفنان الدكتور أشرف رضا أستاذ التصميم والعمارة الداخلية بكلية الفنون الجميلة جامعة حلوان عن معرضه «الوجه الآخر» الذى تستضيفه حاليًا قاعة العرض «أراك أرت» بالزمالك.


ضم المعرض أكثر من ٤٠ عملًا فنيًّا بين التصوير بالأكريليك، والرسم بالحبر والنحت والوسائط المتعددة، ويعد هذا المعرض اتجاهًا جديدًا تشخيصيًّا بالفن التجريدى للفنان، فضلًا عن سطوع مجموعة من الألوان بتقنيات يستخدمها للمرة الأولى.
تقلَّد أشرف رضا عدة مناصب على رأسها مدير الأكاديمية المصرية للفنون بروما، والمستشار الثقافى المصرى بإيطاليا فى ٢٠٠٨، ورئيس قطاع الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة فى ٢٠١١، ومستشار رئيس جامعة حلوان للفنون، والمدير التنفيذى لمجمع الفنون والثقافة فى ٢٠٢٠.


وجوه وأقنعة
الوجه الآخر.. ليس مجرد اسم أو صفة، لكنه قناع يرتديه الغالبية ممن نقابلهم فى حياتنا اليومية، فعندما حاول أشرف رضا أن يتوغل داخل هذا المعنى.. ربما تأثر بالتجارب الحياتية التى تفرز لنا كل يوم وجوهًا لها أقنعة مختلفة المعالم والصفات، فقدم لنا العديد من تلك الوجوه التى إذا تأملناها نجدها قريبة الملامح والنظرات، وإذا اقتربنا وتعمقنا أكثر ربما نتيقن أننا أمام شخص يرتدى قناعًا واحدًا مع تغييرات طفيفة فى بعض الانطباعات والعادات، فضلًا عن التعبير بالخطوط والملامس والتأثيرات اللونية وأسلوب المعالجة التشكيلية فى مسطح اللوحات.


اتجه رضا للتجريد والمبالغة بالخطوط عن عمد ليؤكد لنا من وجهة نظره المعنى الرمزى للوجه الآخر الذى تعكسه أعماله ومجسماته، ذلك الوجه الذى يبتعد عن المثالية أو الحقيقة، كما برهن على فكرته من خلال التلخيص على نحو يتجاوز قواعد التكوين والإدراك الحسى، فضلًا عن المفردات البصرية المعتادة فى رسم البورتريه الأكاديمى والالتزام بقواعده التشريحية، لكننا فى المجمل نجد أنفسنا أمام مخزون من الحواس والوعى والدراية بأبعاد العمل التجريدى.
التجربة والتجريب
الخط الأسود عنصر أساسى فى لوحات رضا، فهو يبدأ اللوحة أولًا باختيار الفكرة والمحتوى، ثم ينتقل لمرحلة التنفيذ مستعينًا ببعض الخطوط السوداء المتباينة التى تتلخص فى خط خارجى تفصيلى لأبطال لوحاته، وكأنه يستخدم أقلاما سوداء فى التنفيذ، وهذا يبرهن على تأثر رضا بدراسته وعمله الأساسى أستاذًا فى التصميم والعمارة، وربما يذكرنا فى هذا الصدد بأعمال الفنان جورج البهجورى الذى يتميز فى الكثير من أعماله مستخدمًا القلم الأسود على مسطح لوحاته ويرسم بخط واحد تفاصيل البورتريه ولا يرفع القلم إلا بعد الانتهاء من الرسم.


ينتقل رضا بعد ذلك إلى مرحلة التلوين، وتوظيف اللون المناسب لكل عنصر سواء مسطح الوجه أو خلفية اللوحة التى لا تبتعد كثيرًا عن مفردات العمل، فاللوحة عنده عمل واحد تمتزج فيها جميع العناصر، وهذا ما ظهر جليًا فى أروقة المعرض.


فى الوهلة الأولى لرؤية لوحات «الوجه الآخر» تشعر أن هناك بعض الأعمال عبارة عن تجارب أو تجريب أو اسكتشات لم تكتمل أو تصل لدرجة الكمال، لكن فى الحقيقة هى رؤية فلسفية من قبل الفنان الذى اختار البساطة والرمزية والتجريدية لتحقيق أهدافه وفكرته.


الابتسامة الزائفة
من لوحات المعرض لوحة مقاس 120120سم رسمها الفنان بألوان الأكريلك، يظهر فيها وجه رجل بملامح وخطوط حادة، ونظرة العين اليمنى ثاقبة كأنها تنظر بقوة إلى شىء ما، ومن الجائز أن تترجم إلى غل أو حقد أو حسد، وهذا يتضح من الابتسامة الزائفة، وتعمد الفنان تغيير نظرة العين اليسرى ليؤكد على هذا المعنى، حيث إن الحاقد لا يريد إظهار نظرته الحقيقية للجميع.. امتزجت ألوان الوجه بألوان الخلفية لتزيد من حالة الغموض، وتعكس المعنى من خلال خلق أحاسيس وتأثيرات حركية وزخرفية، فالعنصر الأساسى فى اللوحة هو الوجه غير التقليدى والبعيد عن الوجوه المتعارف عليها تشريحيًا وأكاديميًا.. وفى النهاية لقد استطاع أشرف رضا فى هذا المعرض التجريدى أن يخلق لدينا حالة من الترقب والتوتر الذى يصل إلى القلق رغم الابتسامة الزائفة التى تسيطر على أبطال لوحاته.