صدوق نورالدين
يحق القول فى هذا المدخل بأن تجربة الروائى نجيب محفوظ فى الكتابة الأدبية، رسخت تقاليد التخييل الروائى عن وعى عميق بالمنجز الإبداعى الغربى فى كافة مستوياته. ولا ينحصر الوعى فى هذا المستوى، بل إنه تشكل بالانفتاح عن المرجعيات الفلسفية، لتحقق الموازاة بين الأدبى /الفلسفى أو الروائي/ الفلسفي، وهو ما يقود لأن تكون الرؤية الجمالية والاجتماعية عميقة تتأسس انطلاقا من قلق السؤال، وفى محاولة للبحث عن إجابات ينتج الأدبى الوعى بها كصراعات وتناقضات تاريخية، اجتماعية ووجودية.
إن الوعى بالرواية كجنس أدبي، وبالوظيفة المنوطة بها، قادت عميد الرواية العربية إلى رسم منهجية الإبداع الروائى _ إذا حق_ وهى المنهجية التى راهنت على النسق الأوروبى فى التفكير والكتابة الروائية إذ الملاحظ أن تأسيس المعنى الروائى بداية من التاريخي، يجسد البداية نفسها التى نحتها التجربة الأوروبية فى القول الروائي، ليتم الانتقال الاجتماعى والفلسفى والصوفى فى محاولة لكتابة ليس تاريخ مجتمع وحسب، وإنما تاريخ الممارسة الروائية العربية التى مثلت رواية «زينب» (1914) نواتها، فى نوع من الاستمرارية التى دل عليها التراكم الروائى والقصصي، وهو ما يحتمل تثبيت مراجعة نقدية جديدة مستجدة لحصيلة الآثار التى راكمها عميد الرواية العربية، إذا ما ألمحنا لكون النظر النقدى لهذه التجربة اتسم بالجزئية وليس الكلية.
الجزئية بحكم التركيز على مرحلة من التجربة، بينما الكلية تقتضى الإحاطة الشمولية بالمنجز برمته، وهو ما يشكل رؤية نجيب محفوظ للعالم، كما للخصوصية التى تفرد بها وجعلته لا يساير إيقاع المعنى كما جسدته الرواية العربية فى منجزها الموازى والمضيف على السواء. يقول الروائى إلياس خورى فى كتابه» تجربة البحث عن أفق»:
« تشكل العمارة الروائية التى بناها نجيب محفوظ، أحد أهم المؤشرات، ليس فقط فى دراسة الرواية العربية، بل فى دراسة التطور الاجتماعى والفكرى فى مصر. فمحفوظ ليس استمرارا لتوفيق الحكيم، إلا من حيث التأثر المباشر، لأنه استطاع أن يطور الفن الروائى بشكل مذهل، وأن ينغرس فى هموم الطبقة البورجوازية الصغيرة والمتوسطة، لينقل لنا أدق التطورات التى رافقت هذه الطبقة.».

فإذا كان جزء من بنية المعنى الروائى العربى انشغل بثنائية(شرق/غرب) من منطلق التفكير فى مسألة التقدم ومحاولة تدارك التأخر التاريخى والفكري، فالملاحظ أن الروائى نجيب محفوظ لم ينخرط فى الانشغال ذاته إذا ما ألمحت أولا لموقفه من السفر خارج مصر (يقال إنه سافر مرة واحدة إلى اليمن، بدعوة من الرئيس جمال عبد الناصر)، وثانيا لارتباطه القوى بالواقع الاجتماعى فى مصر.
فمحفوظ فى ضوء هذا، وإلى الاستمرارية، الخصوصية، جسد فرادة التجربة والقول الروائي، حيث لم يسافر ببطله خارج فضاء القاهرة على منوال الروايات التى اعتمدت فى إنتاجية معناها على الثنائية السابقة. يرى إلياس خورى فى الكتاب ذاته:
«حملت الكثير من الأعمال الروائية العربية، هم العلاقة المباشرة بالغرب، الاحتكاك الحضارى هنا يأخذ شكلا واقعيا. طال عربي، يعيش فى أوروبا طلبا للعلم.» (٢)
وهو الرأى نفسه المعبر عنه من طرف الناقد جابر عصفور الذى يميز بين مرحلتين فى كتابة الرواية: مرحلة محفوظ التى أولت العناية والاهتمام للواقع. ومرحلة أسلاف محفوظ الذين آثروا الرهان على ثنائية (شرق/ غرب) فى إنتاج المعنى الروائي:
« إن إشكالية العلاقة بين الشرق والغرب أو الآنا والآخر كانت مطروحة بقوة على أسلاف نجيب محفوظ وأساتذته وزملائه وتلامذته على السواء.»(٣)
وإذا كان السفر لم يمثل بالنسبة لنجيب محفوظ هاجس أولوية، فإنه اختار _ كما يرى جابر عصفور_ الارتحال عبر الخيال قراءة وكتابة. فالعوالم والفضاءات التى لم تتم معاينتها عن قرب، تحقق التعرف عليها من خلال المقروء حيث مثلت المرجعية الأساس فى الكتابة والتفكير الروائي. يقول عصفور:
«ولكن نجيب محفوظ الذى لم يرتحل على الغرب فى المكان ارتحل إليه بواسطة خيال الروائيين الذين التهمهم، أمثال والتر سكوت أشهر من عرفه من كتاب الرواية التاريخية، فضلا عن روائيى الواقعية النقدية الروس والفرنسيين والإنجليز والألمان أمثال: تولستوى وجوركى ودوستيوفسكى وبلزاك وزولا وديكنز وتوماس مان، خصوصا مؤلفو رواية الأجيال ابتداء من جلزورثى وبلزاك إلى وانتهاء برواية «آل باندبرورك» لتوماس مان.» (٤)
إذن فالتلقى يجد نفسه أمام خيالين: خيال أصل يمثل البداية، وخيال يعكس الامتداد والتطوير والإضافة.
جاء نجيب محفوظ إلى الكتابة فى جنس الرواية عن اختيار. إذ كان عليه وهو يترسم مساره تحديد التوجه الذى ينحوه، إذا ما ألمحنا للتفوق الذى حازه فى المجال الفلسفى كما يؤكد فى مذكراته والناقد رجاء النقاش.
فالاختيار الأدبي، وبالضبط السردى متمثلا فى جنس الرواية، إدراك لكونها الأقدر على الإحاطة والإلمام بالوجود الإنساني. وهو ما عبرت عنه الممارسة الروائية فى الغرب على تنوع أشكالها ومضامينها.
على أن الاختيار، تجسيد وعى بحداثة الكتابة. الحداثة التى نزع ترسيخها الغرب _ كما سلف_ بعيدا عن التصورات التقليدية والتراثية التى ترى أن فن الكتابة الروائية يتوافر فى أدبنا القديم. إذ يحدث أن تكون ثمة إرهاصات، لولا أنها لا ترقى لأن تشكل الشكل الروائى الحديث المرتبط أصلا بالمدينة والمدنية على السواء. يرى إلياس خوري:
« ليست الرواية جزءا من تراثنا الأدبي.» (٥)
«.. والرواية، كفن أدبي، لايزال حديث العهد فى تربتنا الثقافية، لا يزال خاضعا على المستوى التشكيلى للمثل الذى تضربه الرواية الغربية. هكذا نستطيع أن نكتشف الكثير من المدارس الأدبية الأوروبية فى روايتنا العربية». (٦)
ولا يختلف ما جاء به الروائى إلياس خوري، عما عبر عنه الناقد والروائى محمد برادة فى تقديمه للعدد الخاص من مجلة «الآداب» الذى ضم اشغال ندوة فاس للرواية العربية:
« ومهما اختلفت التأويلات، فإن الرواية العربية الحديثة جاءت قريبة فى أشكالها ومضامينها من الرواية الأوروبية، لأن الفلسفة الاقتصادية والاجتماعية الموجهة للنهضة العربية تدور فى فلك الصورة العامة للمجتمعات الغربية رغم استحالة تحقيق النتائج نفسها.» (٧)
إن نجيب محفوظ فى اختياره الأدبي، وبالتالى وعيه بحداثة الكتابة الروائية، كسر تقليد الهيمنة الذى حظيت به القصيدة الشعرية. وقد أدرك فى استباق أن الزمن القادم فى تحولاته المتسارعة يظل فى حاجة للنص الذى يواكب هذه التحولات، يفهمها ويتفهم غاياتها ومقاصدها.
ولن يكون النص الأدبى فى صيغته النثرية سوى الرواية التى خاض ممارستها وهو يدرك صعوبة التلقى والتقبل فى مجتمع عربى دأب الإنصات لإيقاعات القصيدة. فمحفوظ من خلال هذا أسهم فى تبيئة جنس الرواية، التبيئة التى اجتذبت القراء مثلما الدراسات النقدية على تباينها، وأيضا التجارب الروائية العربية التى تخلقت تحت تأثير ما جاء بإبداعه. يقول عن بدايات تجربته فى الكتابة الروائية:
« فى سنوات الدراسة الابتدائية قرأت لكبار الأدباء فى ذلك الوقت وحاولت تقليد أسلوب المنفلوطى فى «النظرات» و»العبرات» وحاولت كتابة قصة حياتى على غرار «الأيام» لطه حسين، وأسميتها «الأعوام» وكان عام 1936 هو العام الفاصل فى حياتي، فيه قررت احتراف كتابة القصة، بعد أن مررت بصراع نفسى رهيب فى المفاضلة بين الفلسفة والأدب.
ولم أحاول أن أشرك أحدا فى تفكيرى أو اطلعه على ما يعتمل فى نفسى من صراع. اخترت طريق الرواية رغم صعوبته، وتركت الفلسفة رغم سهولته بالنسبة لي، حيث كنت قد كونت أساسا متينا فى الدراسات الفلسفية. وصعوبة الطريق الذى اخترته تعود إلى عدة أسباب، أهمها أن الأدب العربى كان يفتقر إلى فن الرواية بشدة، وكان التراث الروائى الموجود فى ذلك الوقت محدود للغاية، والأعمال.
الموجودة قليلة، وهى أقرب إلى فن «السيرة الذاتية» مثل «عودة الروح» لتوفيق الحكيم و «زينب» للدكتور محمد حسين هيكل و»الأيام» لطه حسين. كما أن هذا الطريق كان يقتضى منى قراءات فى الأدب العربى والعالمى على حد سواء.» (٨)
على أن نجيب محفوظ وهو يخوض تبيئة الرواية، واجه انتقادات وعراقيل ممن تسيدوا الميدان من كبار الشعراء، وعلى السواء نقاد الشعر، فكان عليه الانخراط فى الموازاة بين الكتابة الروائية والدفاع عن جنسها الوليد والأحدث فى التعبير. يقول فى مجلة «الرسالة» (سبتمبر/ 1945) ردا على عباس محمود العقاد:
« لقد ساد الشعر فى عصور الفطرة والأساطير، أما هذا العصر، عصر العلم والصناعة والحقائق، فيحتاج لفن جديد، يوفق على قدر الطاقة بين شغف الإنسان الحديث بالحقائق وحنانه القديم إلى الخيال. وقد وجد العصر بغيته فى القصة، فإذا تأخر الشعر عنها فى مجال الانتشار، فليس لأنه أرقى من حيث الزمن، ولكن لأنه تنقصه بعض العناصر التى تجعله موائما للعصر، فالقصة على هذا الرأى هى شعر الدنيا الحديثة.» (٩)
إن التحققات المنجزة روائيا وقصصيا من طرف الروائى نجيب محفوظ، أسهمت فى تشكيل وعى نقدى عربى ساير تحولات الكتابة الأدبية، ودفع إلى الانفتاح على مستجدات المناهج النقدية الغربية، خاصة وأن المقتضى يفرض أن يواكب كل جديد فى كتابة الرواية، الوعى النقدى المساير على مستوى التلقى تفسيرا وتأويلا.
من ثم تخلقت وفى سياق الزمن الروائى الجديد _حسب الراحل عصفور _ تعددية فى القراءة، التفسير والتأويل. وهى فى الجوهر تعددية الاختلاف.
فإذا كان الثابت أو مادة النقد روايات نجيب محفوظ فإن الاختلاف وسم المناهج النقدية: تاريخية، ماركسية، اجتماعية نفسية، بنيوية تكوينية، بنيوية إلى ما جاء به النقد الثقافي. وليس غريبا أن تكون تجربة محفوظ فى الكتابة الروائية، التجربة التى حظيت بقوة الإجماع النقدى من عميد الأدب العربى طه حسين، إلى آخر كتاب صدر ويتعلق بما جاء به الناقد فيصل دراج فى كتابه «الشر والوجود: فلسفة نجيب محفوظ الروائية» (الدار المصرية اللبنانية/2022).
يرد فى كتاب» تجربة البحث عن أفق» (1974)، وبالاستناد لما جاء به الناقد رجاء النقاش فى كتابه « أصوات غاضبة فى الأدب والنقد» (دار الآداب/ بيروت/ الطبعة الأولى/1970)، تساؤل مؤداه:
« هل أصبح نجيب محفوظ عقبة فى طريقة (وأظنها طريق) الرواية العربية؟»(١٠)
هذا التصور فى الجوهر يطرح قضية الأسلاف المشار إليها. بمعنى: هل يستطيع جيل الرواية ما بعد محفوظ تجاوزه؟ وهل ترك له _بالفعل_ الباب مفتوحا لذلك؟
العودة لـ«الجبل السحرى»
الطبيعة السرية لأشياء هذا العالم
فى مديح إعادة القراءة







